نائل بلعاوي(الى قصي اللبدي) بهدوء خريف العمر، او ضجيجه الخفي ؟… ذاك المسكون بمرجعيات عالية ، شبقة وشيقة ،ولا تخلو من أثر طفولي بعيد ومستعاد . وبصبر لا اعرف قنونه ولا أدرك اسبابه وجدواه. بهذا وذاك من الدوافع ، وربما ، الاحلام ايضاً : تحيك جارتي العجوز ، منذ مطلع الصيف الى الان ، شالا من الصوف الاخضر الداكن… شتائي اللون وسماكة الخيوط ، فالجارة تستعد صيفا كما يبدو ، لشتاء قادم.. يختفي الان بلا حذر في ثنايا الخريف . غرزة غرزة تحيك العجوز شالها.. منذ مطلع الصيف تحيك… في الصباح والمساء… في الساعات الفاصلة بين مروري اليومي بحانوتها الصغير المخصص لبيع السجائر والصحف ، وعودتي غدا : تحيك وتحيك .. ولكن الشال لم يكتمل بعد ، ولم يأخذ شكله الاخير والمنتظر. وكأن العجوز لا تريد لتلك الخاتمة ان تتم… وكانها ، لحكمة ما ، تؤجلها وتطيل اليها الطريق . ؟اليوم ، بعد ان بادلتها الكلمات شبه اليومية عن الصحة وانقلاب حالة الطقس من بارد الى بارد قارص، سألتها للمرة الاولى عن الشال ومتى يمكن له ان يكتمل ؟ لست اول من يسأل ، قالت ، وقد لا تكون الاخير… هذا الشال لن يكتمل .. اقصد : لا اريد له ان يكتمل.غير منتظر ومثير كان جوابها الحامل لثيمات ادبية وفلسفية قريبة من مشاغل الروح وهواجسها الخالدة . او لعل رغبة كامنة لديً هي التي ارادت له ان يبدو على هذا النحو المثير، ليس اكثر ؟ فالسيدة التي اعتدت على المرور يوميا ، ومنذ سنوات بحانوتها، ومبادلتها بعض الاحاديث القصيرة حول اي شيء وكل شيء، لم تكن قلقة ، على حد علمي ، بمثل هذا النوع من الايحاءات والمشاغل الخاصة بمديح الطريق الى البيت ، لا البيت نفسه ، على قاعدة ان/ الطريق الى البيت اجمل / ، وأن الرحلة اجمل من مطارحها المستهدفة . وكذا العمل على الشال: الاكثر اُثارة وجمالا من اكتماله.عدت وكررت السؤال بصيغة اخرى ، وعادت السيدة لتكرار ما يشبه الكلمات عينها : لا ارغب بقتله . اذا اكتمل الشال مات ، اريده حياَ ، احبه وهو ينمو الان بين يديً… اود لو يبقى على هذه الحال : ينمو وينمو ولا يكتمل . ماذا سأفعل به لو أكتمل… ارتديه مرة مرات ، اعلقه في خزانة الملابس ، ثم اعود وارتديه ، وهكذا ، الى ان تنتهي صلاحيته ويًلقى في مكان ما . هذا موت ، وانا متيمة بأشياء اخرى لا علاقة للموت بها .ولكنه سيطول اجبتها ، والحال هذه ، ويطول ليصبح شيئا اخرا لا علاقة له بفكرة الشال ؟ليكن ما يكون قالت السيدة… عليه ان يبقى معي الى اللحظة الحاسمة ، فهو مشروعي الاخير ، به اودع الارض وأختم الرحلة. نهايته تعني نهايتي ، الغرزة الاخيرة فيه هي الرمق الاخير فيً أنا . هذا الشال هو انا … سيرتي الشخصية ، لو كنت كاتبة لكتبت ، او رسامة لرسمت ، ولكني مجرد بائعة للسجائر والصحف ، ولا املك غير هذه الابرة وكومة الصوف ، واريد بهما ان اقص حكايتي .في مطلع الثمانين من عمرها هي العجوز . قوية البنية كما يبدو. شقراء ، ذات اصول جرمانية بعيدة تؤكدها ملامحها ولهجتها المحلية المرصعة بعديد المفردات قليلة الاستخدام هذه الايام في فيينا . أما حكايتها التي تعمل بالابرة وخيوط الصوف على روايتها ، فلا اعرف عنها اي شيء يذكر. فسألت : قد تكون حكاية مدهشة مشوقة تستحق كل هذا الصوف وهذا العناء ؟كل الحكايات مدهشة ومشوقة ، ردت بسرعة ، هل سمعت بحكاية لا تدهش او تثير.. لا اعتقد. فالمهم هو ان نتمتع بالجرأة على قصها . البعض يكتبها وينشرها ، والبعض يغنيها او يرسمها ، ومن توفرت له الوسائل : يحولها الى فيلم سينمائي ، او لعبة رياضية يحترقها. فكل ما نفعله على هذه الارض هو جمع الاحداث والذكريات وأعادة روايتها … كما افعل انا الان وهذا الشال ، ولا احس بالعناء ابداً ، بل بالفرح… هذا هو الوقت المناسب للفرح ، فقد توقفت مع هذا العمر عن ( صناعة الذكريات ) او جمعها . يكفيني ما لديً منها ، وهأنذا اعيد ترتيبها.. تفتيشها .. احاورها ، ثم احكيها لنفسي من جديد .فكرة صارخة هي تلك التي ابتدعتها العجوز: كومة من خيوط الصوف الاخضر الداكن . ابرة خاصة ومشروع شال تكلله رغبة شديدة الادهاش بقص حكاية واحدة لا ينقصها الكثير، وقد لا ينقصها اي شيء ، لتصبح رواية متكاملة… رواية خارج اللغة ، قبلها ، قبل اختراع الحروف وفن اجتراح المفردات . رواية لا يراها احد ، لا يدينها او يمدحها احد… رواية الذات التي كفت عن صناعة الذكريات وجمعها وراحت تبحث عن وسيلة مبتكرة لترويها مدهش، قلت للسيدة ، مدهش ان يقص المرء حكايته بما لديه من ادوات. ان تكون الرواية الاجمل هي تلك التي لا تكتب … هي ما تقومين به الان . مدهش ، رحت اكرر المفردة مرات ومرات ، ثم غادرت للمرة الالف حانوتها… المرة الالف او ربما اكثر. ولكنها المرة الاولى التي سأعرف عبرها أن ما ابحث عنه ولا اعرف كيف افسره او احيله نثرا وشعرا، هو على بعد خطوات قليلة مني… في هذا المكان القريب وغير المنتظر. في صفاء سريرة العجوز وسحر ابتسامتها الثابتة ، وفي الفكرة الاسرة التي اوجدتها.. ما رغبت أنا دوما بالعثور على مقارباته الحياتية الممكنة وسبر اغواره . فكرة ان تصبح انت القصيدة . ان تصير هي الرواية . ان تعيش بكثافة الشعر، رافع اللغة الوفي ومرأة اوجاعها . ان لا تكتب ، بل تعيش ما تود ان تكتبهلا تكتب العجوز. لا ترسم أو تغني ، لا تفكر بأسئلة القصيدة وأوجاعها ، بل تجيب بعبقرية فذة عنها . لا تحلم برواية رائعة ، بل تعيشها… هي الرواية والقصيدة. شالها هو اللغة… حياتها البسيطة العظيمة هي الصور الشعرية المشتهاة . هي النص الذي نطارده ونحلم بأصطيادهالعجوز هي القصيدةالعجوز هي الجواب البديع عن سؤال التماثل الكلي بين النص وصاحبه… سؤال الابد ، هذا الذي كتبت من وحيه هذه الكلمات في مديح الشعر.كاتب من فلسطين