سعاد قطنانيمللت الحزن والانتظار…عفوا فيروز فقد مر أربعون عاماً بعد العشرين وأكثر… تقطع قلبي وجفت آبار عيوني … بكيت كل أحبابي… بكيت بانتظار نصر لم يأت… بكيت على قبر جدي حين دفن بعيداً عن بيارة البرتقال… بكيت عندما نـسيـت أمي كل سنين هجرتها واغترابها وبقيت تتذكر طفلة تلهو بين بيوت يافا وقناطرها… بكيت عندما ضلت البندقية طريقها وتشابكت البنادق وغابت الرؤية… بكيت على دمي المسكوب في مخيمات اللجوء…بكيت حين غادرتُ المدن التي أحب…بكيت خيباتي وانكساراتي…بكيت وانتظرت ولا أحد يدفع عني نكبتي ولجوئي….بل سدوا عليّ طريق عودتي…. لن أعود لألملم صرة اللجوء … لن أغادر في هذا الغسق الحزين لهجرة أخرى… لن أحمل بعيوني ما لم تحمله يداي… لن أبكي … لن أخاف … لن أصرخ ولن أنتظر… فقط سألملم غبار الطريق واعبر كما فعل العائدون ذات نهار.. نفضوا ذل هجرتهم عن أكتافهم، نفضوا عار لجوئهم ونزوحهم عن أرواحهم المتعبة… رسموا طريق العودة من خلف ذاك السياج…جاءت الصرخات من الطرف الآخر محذرة : ‘ألغام… ألغام… ألغام… لا تعبروا، لا تعبروا يا إخوة الروح، لا تعبروا إلى دمكم، لا تعبروا إلى دمنا، لا تعبروا فالعبور يعني الموت، لا تعبروا إليكم، لا تعبروا إلينا، لا تعبروا أيها اللاجئون، أيها النازحون… لا تعبروا ‘…هكذا صرخ الصامدون في الوطن المحتل بلاجئي المخيمات ونازحي أحزمة الفقر في دمشق، هؤلاء الذين تدفقوا باتجاه السلك الشائك بتاريخ الخامس عشر من ايار لعام 2011 عندما رخت اليد الأمنية السورية قبضتها للحظات عن حدود حرستها لأكثر من أربعين عاماً على جبهة الجولان المحتل….جذبتهم رائحة الوطن وشدهم ذلك الانفتاح على تراب الوطن فلم يأبه هؤلاء الشبان لأسباب انفتاح جبهة ظلت هادئة لعقود خلت…لم يكترثوا بلعبة السياسة…. لم يكترثوا لما سيحدث بعد السياج… لم يتساءلوا إن كانوا وقوداً لسياسة ممانعة ارادت أن تثبت للعالم أنها الأقدر على حراسة جبهة الجولان… كان همهم أن يثبتوا للعالم أن الوطن ما زال طرياً ندياً يسكن قلوبهم كشتلة زعتر… كان حلمهم العبور إلى الوطن شهداء أو أحياء.. .وبلحظة فرقت بين زمنين … تمزقت شباك العنكبوت… . وتراكض الشبان كفراش يحترف الموت احتراقاً… تدافعوا إلى سهل الاقحوان ومروج السوسن غير آبهين بالصرخات والألغام … مروا في برزخ يقف فاصلاً بين سنوات عاشوا فيها ذل الهجرة إلى فضاء الوطن والكرامة… قطعوا برزخاً يمتد لأكثر من ستين عاماً حين غابت يافا وحيفا وعكا وصفد… برزخاً يفصل بين مجدل شمس وكناكر… بين ترمسعيا وبيت جن.. برزخاً عمره أربعون عاماً وأكثر… برزخاً صنّعوه ليفصل الوطن عن الوطن.. ويصبح المواطن نازحاً في وطنه يعيش فيه على أطراف الكرامة …لم يكن اللغم إلا أسطورة حيكت بكلمات الممانعة، حيكت بذلك الخيط الوهمي من شعارات إعادة توازن القوى حتى شعار الرد بالوقت المناسب، غابت الجولان، غابت قبلها فلسطين وراء ذلك السياج الوهمي من كلمات الصمود والتصدي…لم يكن اللغم إلا هواء محملاً بالخوف الذي زُرع في القلوب، لم يكن اللغم إلا انكسار الذات تحت شبح الخوف من عسس الليل…سقطت كل أقنعة الممانعة والمقاومة في لحظة التحام الدم بالدم، واحتفال الأرض بفراشاتها، بضعة شبان أزاحوا الأسلاك الشائكة بأيديهم وكأنهم يزيحون غشاوة الوهم أمام أعيننا.. يزيحون كتب القومية وكلمات ‘القائد الخالد’ وشعارات الصباح، يزيحون جبالاً من الشعارات والأوهام خيمت في وجداننا على مدى ستين عاماً وأرست حاجزاً بيننا وبين الوطن… لقد سقطت كل الأقنعة والألقاب حين عبرمجدل شمس في ذلك اليوم ‘عاشق من فلسطين’ ليصل إلى يافا وتكتحل عيناه برؤياها …. لو عرفت دلال المغربي أن العبور إلى الوطن من وطن الممانعة كان سهلاً لما أبحرت أياماً بلياليها لترفع علم فلسطين في حافلة صغيرة وتحتفل بالنصر بلحظة سريالية في الطريق الواصل بين حيفا وتل أبيب… في الطريق الواصل بين الموت والحياة الآخرة… بشعاراتهم سدوا منافذ الوطن عنا، بنوا مجدهم من خيامنا، من جوعنا، من فقرنا، من نكبتنا ونكستنا وكل مآسينا، من حلمنا، من دمنا المستباح من كفر قاسم إلى تل الزعتر حتى صبرا وشاتيلا مرورا بكل المجازر والدماء… بنوا بلاطهم من دماء أبنائنا ودماء أبنائهم وضربوا البسطاء بصولجان المقاومة …. رفعوا سوط الممانعة فوق رؤوسنا، وكموا أفواهنا بأبواقهم التي مازالت تبحث عن اللحظة المناسبة لرد الكرامة والذود عن الوطن المستباح ….تلك اللحظة التي أتت أسرع من لمح البصر عندما كان الهدف عش العصافير وسرب الحمام في بابا عمر….عندما كان الهدف تلك الأصابع الغضة التي نقشت اسم الحرية على جدران المستقبل في درعا…علمتني كسرة الخبز التي تقاسمها معي أهل الشام أن رائحة الموت واحدة سواء كانت في جنين أو في بابا عمر لكن ظلم ذوي القربى أشد غضاضة… علمتني لحظة الخوف من عيون العسس والمخبرين أن طعم مرارة الاعتقال والتنكيل تتشابه سواء كانت في نابلس أو في حماة، هناك من أجل حرية الوطن وهنا من أجل وطن حر…. علمني انعدام المسافة بين المخيم وحارات الشام أن الوطن واحد….علمني التناغم بين رائحة الزعترالبري والياسمين الدمشقي كيف يتشكل فسيفساء الوطن…. تعلمت أن القهر واحد حين يقتل فلاح على مرمى حجر من أرضه سواء في ظل زيتونة في طولكرم أو على حائط معصرة زيتون في إدلب…. امتلأت يا شام حباً وعشقاً بك وأنت ترسمين شكلاً جديداً للحرية….. فأنا أفخر بأني ابنتك بالولادة والرضاعة والحب…و حبل وريدي يمتد من دمشق إلى يافا… سامحيني يا شام فقد جعلوا من دمائي خيمة تجلل الجريمة…. سامحيني يا دمشق فأنا بريئة من دم إخوتي… سامحيني فأنا لن أصمت كي لا يصبح صمتي وساماً على صدر جلادك… سامحيني فأنا لن أجعل من صمتي نكبة أخرى … وصدقيني لن أكون ما حييت إلا شجرة برتقال كبرت في أفياء دمشق… أو شجرة نارنج تلقي بعطرها على يافا… صدقيني… أنا لم ولن أرم بإخوتي في البئر…. وذات يوم قريب سننفض غبار الذل والنكبة ونمشي سوياً في طريق العودة…..