شبح روسيا يخيم على الثورات العربية

لم تكن الشعوب تخادع نفسها عندما خيل لها طيلة عام 2011 أن الأعوام القليلة التي ستعقب ثورة فتيانها وفتياتها على أنظمة الاستبداد ستكون فترة انتقالية من الممكن، بل المحتمل، أن تفضي إلى إقامة نظام ديمقراطي حافظ للحريات السياسية وضامن للعدالة الاجتماعية. ولم تكن النخبة السياسية والثقافية مخطئة عندما ظنت أن تجربة الانتقال الديمقراطي في إسبانيا هي التجربة الأقرب والأنسب موضوعيا لمقتضيات التحول السياسي في تونس ومصر خصوصا. وقد حاول المجتمع المدني في البلدين الاستفادة العملية من خبرات الإصلاح والبناء في بلدان أوروبية شرقية مثل بولندا وتشيكيا، ولكن التجربة الإسبانية ظلت هي التجربة المرجعية. وقد كان للديمقراطيين الإسبان، بمن فيهم رئيس الوزراء السابق فليبي غونزاليث، دور في تدعيم هذا الانطباع.
إلا أن من اللازم الآن مواجهة الحقيقة الكبرى: حقيقة بطلان إمكانية الاستمرار في الحديث عن تحول ديمقراطي في بلدان الثورات الشعبية. ذلك أنه قد صار واضحا أن التحول الديمقراطي على الطريقة الإسبانية أو البولندية قد كان مجرد فرضية سقطنا من عليائها لنرتطم بواقع النكوص التسلطي على الطريقة الإيرانية (بعد ثورة 1979) والروسية (بعد انهيار الاتحاد السوفييتي). حيث لم يعد هنالك شك في أن الانفصال بين حكم النهضة والإخوان وبين معظم فئات الشعبين التونسي والمصري هو بالضبط الانفصال ذاته المستمر منذ ثلاثة عقود بين حكم ‘الجمهورية الإسلامية’ ومعظم فئات الشعب في إيران. وقد بثت القناة الإخبارية الفرنسية حوارا مع الرئيس الإيراني السابق أبي الحسن بني صدر (الذي طواه النسيان الإعلامي حتى لكأن رؤيته تعيدنا إلى زمن سحيق) أكد فيه حقيقة هذا الطلاق البائن بين الشعب والنظام في إيران. انتخابات وإجراءات وشكليات ولكن النظام هو النظام. يسهر على مصالح أهليه الأقربين بيولوجيا وإيديولوجيا، ويقف بالمرصاد كلما أراد الشعب التطفل على شؤون البلاد!
ورغم أن تسخير الدين لأغراض السياسة (بما يسيء للدين ويفسد السياسة) هو عنوان المرحلة الحالية في تونس ومصر، ورغم أن هذه المرحلة تفتح المجال لتوقع انزلاق البلدين نحو نظام شبيه بالنظام الإيراني، خاصة أن في كل من البلدين مرشدا غير منتخب يتحكم في السلطة الفعلية على نحو قريب مما يفعل آية الله خامنئي في إيران، فإن شدة سوء الأوضاع الاقتصادية تجيز التوقع بأن البلدين سوف يصلان إلى حالة من اليأس الاجتماعي الذي قد ينتهي بنسف أسس اللعبة السياسية الحالية (ديمقراطية الانتخاب المفضي إلى فئوية السلطة أو فوضويتها). ذلك أن من طبيعة اليأس الاجتماعي أن يفاقم الحاجة إلى الزعيم المنقذ أو النظام القوي الذي يحقق للناس ـ مقابل الحزم (أو القمع) ـ مقومات الحياة الكريمة في ظل الدولة الحامية: انتشار الأمن، وكفاءة الإدارة، وتوفر الخدمات العمومية والتناسب بين القدرة الشرائية وغلاء المعيشة. وهذه غايات يمكن تحقيقها بمجرد ترميم النظام القديم (ما سبق أن سميناه بالنظام البائد السائد أبدا).
وما يعنيه هذا هو أنه قد لا يكون في نهاية نفق فترة الانتقال الـ(لا)ديمقراطي هذه سوى شبح النموذج الروسي الحاليô بحيث قد تؤول الغلبة لبوتين لا في سوريا فحسب، بل وفي بقية بلاد الثورات العربية!

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية