باريس 20 مارس آذار (رويترز: ينفق المتقاعد غريغوريس ليمونيس (73 عاما) المقيم في اثينا معاش تقاعده البالغ 580 يورو (760 دولارا) شهريا على دعم زوجته وأسرة ابنه، وهو طباخ عاطل عن العمل لديه طفلان صغيران وزوجة تعمل أحيانا في الخدمة المنزلية.وتتزايد أعداد الأسر التي تضم ثلاثة أجيال تعيش على دخل واحد في جنوب أوروبا حيث تؤثر البطالة المنتشرة على نطاق واسع على المجتمعات المترابطة ذات النسيج المحكم.وبدأت آليات امتصاص الصدمات الاجتماعية في القارة تئن تحت وطأة الأزمة الاقتصادية التي بدأت عام 2008 وأدخلت منطقة اليورو في أزمة ديون سيادية منذ عام 2010.اقتصادات الرفاهة التي اقامها الأوروبيون بعد الحرب العالمية الثانية ويعتبرها الكثيرون انجازا كبيرا لحضارتهم كانت من الاسباب التي حالت دون تحول الكساد الكبير إلى ثورة أو اضطرابات اجتماعية حادة حتى الآن.وقال ليمونيس وهو عامل دهانات سابق في قطاع الانشاءات ويملك المنزل الذي يقيم فيه ‘الحياة اليومية أصبحت بؤسا حقيقيا.’ واضاف ‘تتراكم علينا الفواتير وعندما نسدد كل ذلك لا يتبقى لنا ما يكفي لحياة كريمة.’ومع وجود أكثر من 26 مليون عاطل في دول الاتحاد الأوروبي الـ27، منهم ستة ملايين في مقتبل العمر، يواجه النظام صعوبات ويفشل في مجاراة الوضع القائم في بعض الأحيان. بل إن العديد من العاطلين استنفدوا المزايا المتاحة لهم.ويقول لازلو اندور مفوض الاتحاد الأوروبي للشؤون الاجتماعية والتوظيف ‘في العديد من الدول يزداد الفقراء فقرا’ مشيرا إلى تباين متزايد بين الشمال والجنوب. وقال ‘النسيج الاجتماعي الأوروبي يتعرض لضغوط واضحة ويتعين اتخاذ اجراء قوي على مستوى الاتحاد الأوروبي وعلى مستوى الدول.’وارتفع الانفاق الحكومي في مختلف أرجاء القارة في المرحلة الأولى من الأزمة، لكن دولا مثل اليونان والبرتغال وايرلندا واسبانيا وايطاليا الأكثر تضررا أصبح يتعين عليها الآن خفض الانفاق على معاشات التقاعد والرعاية الصحية والتعليم وإعانات البطالة.وقال اندور في حديث لرويترز إن الدول التي توجه الاتفاق الاجتماعي إلى تقديم خدمات مثل رعاية الأطفال والتدريب المهني والمساعدة في إيجاد وظائف وتوفير الرعاية الصحية تحقق نتائج افضل من تلك التي توجه أغلب الانفاق إلى مدفوعات نقدية لأرباب المعاشات والعاطلين.وفي حين انفقت كل من النمسا واسبانيا نحو 15 بالمئة من الناتج المحلي الاجمالي على الرعاية الاجتماعية بخلاف معاشات التقاعد، حققت النمسا خفضا بنسبة 55 بالمئة في معدل الفقر في حين تمكنت اسبانيا فقط من خفض المعدل بنسبة 28 بالمئة.وقال اندور إن دولا أخرى مثل ايطاليا وبولندا التي تنفق نسبة أكبر من ميزانيتها الاجتماعية على معاشات التقاعد تبدو أقل كفاءة في مكافحة الفقر، لأن السكان من الفئة العمرية القادرة على العمل هم الأكثر تضررا من الأزمة وهم الأقل تغطية بهذا الانفاق.لكن نظم الرعاية الاجتماعية تخدم جماعات المصلحة الخاصة بها ويصعب تغييرها.ويشعر الساسة بالقلق بشأن قدرة النموذج الاجتماعي الأوروبي على الاستمرار في عهد الدين العام المرتفع والنمو المنخفض وارتفاع عدد كبار السن.وقالت المستشارة الألمانية انغيلا ميركل في حديث لصحيفة (فاينانشال تايمز) في كانون الأول/ديسمبر الماضي ‘إذا كانت أوروبا اليوم تضم ما يزيد قليلا على سبعة بالمئة من سكان العالم وتحقق نحو 25 بالمئة من الناتج المحلي الاجمالي العالمي ويتعين عليها تمويل 50 بالمئة من الانفاق الاجتماعي العالمي، فمن الواضح أنه يتعين عليها العمل جاهدة للحفاظ على ازدهارها واسلوب الحياة فيها.’وقالت منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية التي تضم ديمقراطيات صناعية منها 21 دولة عضو في الاتحاد الأوروبي إن الانفاق الاجتماعي كنسبة من الناتج اصبح الآن أعلى بنسبة ستة بالمئة مما كان عليه في 2007 في المتوسط في الدول الأعضاء في المنظمة وعددها 34 دولة. واضافت المنظمة أن ارتفع متوسط الاعمار من شأنه دفع تكاليف معاشات التقاعد والرعاية الصحية للارتفاع في السنوات القادمة.وقال ويلم اديما خبير التوظيف والعمل والرعاية الاجتماعية بالمنظمة إن غالبية حكومات الاتحاد الأوروبي استغلت الأزمة كسبب لرفع سن التقاعد ليتمشى اكثر مع ارتفاع متوسط الأعمار.ويميز خبراء علم الاجتماع بين ثلاثة نماذج للرعاية الاجتماعية الاسكندنافي والأوروبي والأنغلوساكسوني.فدول الشمال الاسكندنافية تقده مستوى مرتفعا من الرعاية الاجتماعية ‘من المهد إلى اللحد’ مع التركيز على رعاية الأطفال قبل سن الدراسة ويعمل على إبقاء النساء وكبار السن في سوق العمل.أما النموذج الأوروبي فيتميز بنظم تأمينات اجتماعية يقوم على مساهمة العاملين فيه تقدم حماية قوية للمشتركين، في حين يواصل هذا النموذج تنظيم العمالة وسوق العمل.ويميل النموذج الانغلوساكسوني لجعل مدفوعات الرعاية الصحية أقل وأكثر انتقائية ويشجع الاقبال على نظم الرعاية الصحية والتعليم والمعاشات الخاصة للميسورين.وبدا ان النظام الاسكندنافي اثبت اعلى كفاءة في خفض معدلات الفقر دون ابعاد الناس عن العمل غير انه يأتي مع اعلى مستويات ضريبية.وتدفع بريطانيا وايرلندا مخصصات نقدية للامهات العائلات للبقاء في المنزل، على عكس ما تراه منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية والاتحاد الأوروبي من ان هذه الأموال من الأفضل ان تنفق على توفير رعاية عامة للاطفال. وفي المانيا تخطط حكومة ميركل لتقديم هذه الميزة هذا العام.وقال أديما من المنظمة ‘من المنطقي بدرجة اكبر ادخال الناس في سوق العمل بدلا من التركيز على دفع أموال لهم للبقاء في المنازل … لكن من المثير للعجب أن بعض الدول تخفض من الانفاق على رعاية الأطفال قبل سن الدراسة.’ووجدت الحكومات الأوروبية ان تخفيض الانفاق على مجالات معينة في نظم الرعاية الصحية القائمة أسهل من إجراء إصلاحات جذرية على النظام برمته.وعلى وجه الخصوص فإن انفاق المزيد على الاطفال وعلى من أنهوا تعليمهم لتعزيز العمل والمهارات وانفاق أقل على كبار السن يعد مسألة صعبة سياسيا. فكبار السن يصوتون في الانتخابات بنسب أكبر من الصغار.وكتب المحللان السياسيان باتريك دايموند وجي لودج في ورقة بحثية لمركز دراسات بوليسي نتورك ‘في العديد من الدول تكون الطبقة المتوسطة هي المستفيد المباشر من التأمينات الاجتماعية… وذلك يحصن معاشات التقاعد ومدفوعات الرعاية الاجتماعية لكبار السن من المساس بها فعليا.’وهولندا حيث يتمتع المتقاعدون بأعلى قوة شرائية في أوروبا تعد مثالا على ذلك. فحزب 50+ المؤسس حديثا والذي دافع عن حقوق ارباب المعاشات حصل على مقعدين من مقاعد البرلمان وعددها 150 مقعدا لأول مرة العام الماضي.ومنذ أن وافق ائتلاف يمين الوسط ويسار الوسط على رفع سن التقاعد إلى 67 عاما اعتبارا من 2021 تصاعد الدعم لكبار السن وأظهر استطلاع اجري هذا الشهر أن حزب 50+ يمكن ان يحصل على 18 مقعدا إذا ما أجريت الانتخابات الآن ليصبح ثالث أكبر حزب.وقد يدافع كبار السن عن مصالحهم السياسية لكن يتعين عليهم إدراك الحاجة لترك موارد للانفاق الاجتماعي على الصغار. وهذا ما يقوله ليمونيس اليوناني الذي يعول أسرته بمعاشه ‘على الأقل نحن أرباب المعاشات كبار وقد عشنا حياتنا … ما يقلقني هو حال أطفالنا. ماذا سيفعلون عندما لا يكون بمقدورنا مساعدتهم.’qec