شبكات التجسس في مصر

حجم الخط
4

تنشر بعض الصحف المصرية ما بين شهر وآخر بعض قصص أشبه بالخيال عن لصالح إسرائيل، التي احتلت أرضنا العربية ومقدساتنا الاسلامية. ولاتزال إسرائيل تسعى للتخريب في بلادنا بكل الطرق لا يردعها رادع يردها عن غيها وعن طغيانها المدعوم بالهيمنة الأمريكية والتعضيد الغربي.
قصة رمزي الشربيني من أكبر القصص إثارة وغرابة في هذا المجال. المتهم اتصل بالسفارة الاسرائيلية في روما ليعمل جاسوسا معهم فنهروه أولا، ثم أعاد الجاسوس المحاولات معهم، فوافقوا أمام إصراره على تجنيده بناء على نصيحة الاعلامية المزعومة سحر سلامة التي زعمت خطأ أنها صحافية في جريدة النصر العسكرية التابعة للقوات المسلحة، وهو ما نفاه المتحدث العسكري.
كانت المرحلة الثانية في التجنيد هي زرع سيدة مغربية في طريق هذا الجاسوس الجديد، حيث أقاما علاقات غير مشروعة، من حرام الى حرام وتكبيل بعد تكبيل. الموساد يجري للجواسيس الجدد، كما يتضح من الاعترافات المثيرة اختبارات عديدة، منها اختبارات لكشف الكذب، ويعدون له تدريبات شاقة، كجمع المعلومات عن بعض الأماكن وحتى المباني والمؤسسات حيث يقيم الشخص أو في بلدان اخرى. يقوم الموساد بعد الاطمئنان على صلاحية الجاسوس الجديد، وبعد تلطيخ سمعته، بتجهيزه بمعدات التجسس المطلوبة وحقائب سرية لإخفاء التقارير السرية عن أعين التفتيش في أي مرحلة.
أحد التكليفات للجاسوسة التي تزعم أنها صحافية سحر سلامة، كانت رصد احتفالات القوات المسلحة المصرية بتخريج طلبة الكليات والمعاهد العسكرية واحتفالات القوات المسلحة بذكرى نصر أكتوبر عام 2009، ورصد المشروعات التي يمتلكها الجيش المصري من أندية وفنادق ومصانع حربية ومشروعات صناعية وزراعية، وحتى إجراءات التجنيد في الجيش المصري. طبعا قد تبدو هذه التكليفات بسيطة أو سخيفة أو غير ذي قيمة كبيرة، ولكن القوى المعادية لنا ومنها إسرائيل تريد أن تعرف كل شيء عنا، فالمعلومات والبيانات ضرورية جدا في حسابات الحروب، والمشروعات الاستراتيجية تكون أول أهداف التدمير.
ما أتفه الثمن الذي دفعته أو تدفعه إسرائيل للجواسيس مهما دفعت، وما أغلى المعلومات والبيانات التي قد يراها الجاسوس بسيطة ولكنها لا يمكن إلا أن تكون من أهم المفاتيح لتدمير وطن بأكمله. سحر سلامة كانت ترسل التقارير المطلوبة منها على جهاز لاب توب مشفر، وكانت تتسلم 500 يورو، عن كل تقرير تكتبه وترسله. طبعا الارسال على جهاز مشفر يحتاج الى التدريب الذي تحدثنا عنه في صدر هذا المقال، تدريب على الكتابة المشفرة، وتدريب على قراءة التعليمات المشفرة التي تصل الى مشروع الجاسوس حتى يصبح جاسوسا محترفاً أو حتى يتم هروبه أو القبض عليه أو إعدامه أو الاستفادة منه.
يطلب الموساد معلومات دقيقة حتى لو كانت معروفة للاعلام، أو يستطيع أن يحصل عليها من دولة أوروبية مثل قصة ‘غواصات الدولفين’ الألمانية أو تطوير الدبابات المصرية باتفاقية مع الروس، أو المناورات العسكرية أو تشكيل مجالس الدفاع والأمن القومي والأمن الوطني والمجالس العسكرية بعد الثورة، وما يدور في الشارع المصري، والاحزاب السياسية والقوى التي تؤثر في المجتمع، ومنها التيارات الاسلامية. الغريب في الأمر حسب اعترافات الجاسوس المصري الشربيني، أنه صادف في طريقه الى مصر سيدة مغربية أخرى، أقامت معه في بيته ونشأت بينهما علاقة معاشرة لا ينبغى أن تنشأ إلا بين الزوجين. غريب جدا أن يصادف سيدتين مغربيتين تعملان مع الموساد، وعندهما جاهزيه لأي علاقات غير شرعية. قد تكونان مغربيتين، ولكن من اليهود أو اللاتي لا تهمهن الأخلاق ولا الدين عموما، حتى لو كان الديانة اليهودية لأنها حسب الوصايا العشر، تنهى عن الشرك والقتل والزنا وسوء معاملة الجيران. المتهم او الجاسوس الشربيني أبدى ـ كما جاء في الصحف ـ حبه لاسرائيل في السفارة الاسرائيلية في فيينا بالنمسا. السيدة المغربية الثانية التي التقته في رحلته الى مصر من هولندا كانت مكلفة بمراقبته بعد زيارته للسفارة الاسرائيلية في فيينا، وتم ترتيب السفر له ولها في طريق العودة لتبقى معه في بيته في مصر أربعة أيام قبل السفر مرة أخرى. هكذا نظن والله أعلم، ليس هناك مجال للصدفة في مثل هذه الأعمال الحساسة والخطيرة، التي يتوقف عليها مستقبل أفراد وحركات وجماعات وأوطان.
الغريب في الأمر أيضا أنه قابل سيدة مغربية أخرى تدعى سليمة في فندق ‘كابن سكندنافية’ في كوبنهاغن بالدنمارك، وهي من موظفي الاستقبال بالفندق، واكتشف في ما بعد أنها تعمل مع المخابرات الاسرائيلية. أما الأغرب في الأمر كذلك فان الجاسوس المتهم كان يتنقل في العواصم الأوروبية كلها حسب تعليمات رؤسائه والمسؤولين عنه في الموساد، وكانوا يدفعون له بعد كل لقاء مبلغا في حدود ألف وسبعمئة يورو مصروفات له وبعض المصروفات للجاسوسة سحر سلامة. قام الشربيني وسحر بإعداد تقارير عن ثورة 25 يناير وأسعار السلع الغذائية في مصر. العدو الاسرائيلي يريد أن يعرف عن مصر كل شيء في الصناعة والزراعة والتعليم والاعلام والجيش طبعا، ولذلك يشتري هؤلاء السذج المجرمين بالمال والجنس والاقامة في الفنادق الكبيرة والتنقل في أوروبا، أما أغرب شيء في هذا الأمر أيضا، أنه تلقى تكليفا للالتحاق بالعمل في شركة عبودة العشماوي، كما ذكرت بعض الصحف، وهي شركة أجهزة كهربائية في مدينة أو قرية البتانون، وطلب منه الموساد إعداد تقرير تفصيلي عن الشركة والعاملين بها.
من المقدمة السابقة أو توصيف الجاسوس المصري المتهم الشربيني وسحر سلامة المتهمة بالجاسوسية، نستطيع أن نستلخص النقاط التالية التي ينبغي أن يضعها الشباب أمام أعينهم، أقول الشباب لأنهم بحاجة الى المال والزواج فيقعون بذلك في ما هو حرام أو على الأقل مخالف للأعراف والقيم والمبادئ التي درجوا عليها.
أول تلك النقاط الحرجة أو الحاكمة للمواطنين جميعا في هذا الأمر تتمثل في ضرورة الحفاظ على أمن الوطن وسلامته ووحدته، لا أن يكون الشباب عونا للأعداء في هدم وطنهم وتعريضه للفشل وكشف عوراته أمام الأعداء مقابل مال أو جنس أو أي شيء آخر. النقطة الثانية، ان الذي يسير في هذا الطريق يركبه الشيطان ويسيره وفق هواه، فإذا خان الوطن يمكن أن يخون اي شيء آخر، وإذا باع وطنه بأبخس الأثمان فإن ذلك دليل على الخسة والذلة واللامبالاة. كم من فقير في مصر لا يجد الطعام المناسب، وكم من مريض في مصر لا يجد الدواء اللازم، وكم من عاطل في مصر لا يجد عملا مناسبا له، ولكنهم جميعا لا يفرطون في أمن الوطن بالدنيا كلها.
النقطة الثالثة أن من يسير في هذا الطريق لابد أن يخالف كل الأعراف والأخلاق الحميدة. والنقطة الرابعة أن من يفعل هذا الاثم الكبير يسبقه قدره السيئ مهما حاول أن يبرر أفعاله أو يعترف بعد فوات الآوان.

‘ كاتب مصري

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية