شبكة الديمقراطيين العرب تنتظر الاتهامات المعتادة لاثبات نجاحها

حجم الخط
0

د. عبدالوهاب الافندي

لم أتمكن بسبب ظروف قاهرة من حضور الاجتماع التأسيسي لشبكة الديمقراطيين العرب الذي انعقد في كانون الاول (ديسمبر) الماضي في الدار البيضاء ونتج عنه الاعلان عن الشبكة التي حددت من ضمن أهدافها نشر ثقافة الديمقراطية والحكم القائم علي سيادة القانون، وتوفير الدعم والتضامن للنشطاء ودعاة الاصلاح في الوطن العربي، وتسريع وتيرة الاصلاح باتجاه التحول الديمقراطي، والتأثير في السياسة الداخلية والدولية بما يخدم الشعوب العربية ويحافظ علي استقلاليتها وسيادتها.

وقد تم انشاء الشبكة بمبادرة قادها مركز دراسات الاسلام والديمقراطية (مقره واشنطن) الذي يشرف عليه الأستاذ رضوان المصمودي بالاشتراك مع مؤسسة شركاء من أجل التغيير الديمقراطي (وهي مؤسسة دولية مقرها واشنطن وسان فرانسيسكو) ومركز الدراسات والأبحاث الانسانية في المغرب. وقد تداعي الي اللقاء (الذي كان قد سبقه اجتماع تحضيري عقد في العاصمة الأردنية عمان في ايلول (سبتمبر) من عام 2005) حوالي ستين ناشطاً من السياسيين والمفكرين وناشطي المجتمع المدني من عدة دول عربية ينتمون الي مختلف ألوان الطيف السياسي. وكان من بين الحضور السيد الصادق المهدي، زعيم حزب الأمة السوداني، والدكتور سعد الدين ابراهيم، رئيس مركز ابن خلدون، والسيد صلاح الدين الجورشي، المفكر والاعلامي التونسي، وسعد الدين عثماني أمين عام حزب العدالة والتنمية في المغرب. ومن اليمن حضر عزالدين سعيد الاصبحي مدير مركز المعلومات والتأهيل لحقوق الانسان، كما شهد اللقاء التأسيسي أيضاً عضو مجلس بلدية القطيف المنتخب جعفر الشايب من السعودية، اضافة مشاركين من الأردن والجزائر وليبيا والعراق ولبنان وعمان، وبالطبع المغرب. وقد منع الدكتور عصام العريان القيادي في جماعة الاخوان المسلمين من الحضور من قبل السلطات المصرية مما أثار انتقاد المجتمعين.

ولأن الشبكة تحالف بين قوي من تيارات متباينة، فقد ثار جدل واسع بين المشاركين حول مرجعية الشبكة وتوجهاتها، حيث حاول البعض ادراج بنود حول الشريعة الاسلامية بينما سعي آخرون لاعتماد مرجعية المواثيق الدولية لحقوق الانسان، قبل أن يصل الحاضرون الي حلول توافقية تضمنت الاتفاق علي اعتماد العهود والمواثيق الدولية لحقوق الانسان والتراث الانساني قاسما مشتركا بينهم، الي جانب مبادئ الاسلام ومقاصده، وما دعت اليه الأديان من قيم سامية كالتسامح والتعايش.

وكانت القضية الأخري التي أثيرت هي العلاقة مع الأجندة الأمريكية، خاصة وأن مركز دراسات الاسلام والديمقراطية مؤسسة أمريكية تتلقي التمويل من جهات رسمية وشبه رسمية. وبالمثل فان مؤسسة شركاء من أجل التغيير الديمقراطية تمثل تحالفاً بين عدة مراكز أمريكية وغربية. وقد سعي المشاركون لتبديد الشكوك التي ثارت في هذا الصدد حول المشروع بمجرد الاعلان عن انشاء الشبكة، حيث أكد السيد الصادق المهدي، أحد الناطقين باسم الشبكة، بأن التطلع نحو الديمقراطية كان أملا عربيا سابقا للمشروع الأمريكي في المنطقة، وأن قيام أمريكا بمراجعة موقفها من دعم نظم الحكم الاستبدادية في العالم العربي يجب أن يكون محل ترحيب، بالرغم من أن الاصلاح ينبغي أن يكون مبادرة داخلية تتحمل فيها الشعوب العربية أعباء النضال. وركز الحاضرون علي ضرورة استقلالية الشبكة عن كل المشاريع الدولية، الا أنهم قبلوا مرحلياً أن يتولي مركز دراسات الاسلام والديمقراطية قيادة التحركات العملية وتوفير التمويل لنشاط مركزيها في عمان والدار البيضاء الي حين تتمكن الشبكة من الوقوف علي قدميها.

شبكة الديمقراطيين العرب ليست أول شبكة من هذا النوع، فقد سبقها انشاء شبكات لحقوق الانسان، أبرزها شبكة الأورو-متوسطية، وشبكات لدعم نضال المرأة العربية. ويعتبر انشاء مثل هذه الشبكات من جهة تعبيراً عن الحلم القديم بوحدة الساحة العربية وضرورة التضامن العربي، ومن جهة اعترافاً بواقع ارتباط مصير النضال من أجل الديمقراطية وحقوق الانسان في مختلف أنحاء الوطن العربي، مع ضرورة الاستفادة من التفاوت في الحريات المتاحة في كل بلد عربي، بحيث يستطيع النشطاء في البلاد العربية التي تتمتع بحرية نسبية في التعبير والتنظيم أن يدعموا اخوانهم في تلك البلدان التي تتزايد فيها شراسة القمع. من جهة أخري فان هذه الشبكات التي تتلقي في الغالب دعماً من الدول الغربية تسعي للاستفادة القصوي من الدعم الغربي وقدرة الدول الأوروبية والولايات المتحدة علي الضغط علي الأنظمة العربية للتخفيف من غلوائها وتقليل شراسة قمعها للمعارضين وناشطي حقوق الانسان.

وفي حين أن التطلع الي التضامن العربي لا يعتبر موضع خلاف، فان الاعتماد علي الدعم الأجنبي يثير حساسية كبيرة، خاصة في ضوء سياسات بعض الدول الغربية المعادية لتطلعات الشعوب العربية في الاستقلال، وقيام بعضها باحتلال دول عربية واجماعها علي دعم التطرف الاسرائيلي والتحامل علي الفلسطينيين. من جهة أخري فان الأنظمة الاستبدادية القائمة تستخدم حجة الدعم الأجنبي للتشنيع علي المعارضين ودمغهم بالعمالــــة، في حين أن هذه الأنظمة لا مزايدة عليها في الــــولاء الكامل لحلفائها الغربيين، كما أنها بحســـب التجربة لا تقلل من قمعها للناشطين الا تحت الضغوط الأجنبية، خاصة في حق الشخصيات المرضي عنها خارجياً. هذه الاعتبارات وضعت ناشطي حقوق الانسان ودعاة الاصلاح والديمقراطية في وضع لا يحسدون عليه. فمن جهة يطلب منهم التبرؤ من الجهات الغربية التي تدعمهم (أو تتظاهر بذلك) لصالح الأنظمة التي تقمعهم. وتتخذ هذه المعضلة شكلاً أكثر حدة في حالة الدول التي تمارس القمع ولكنها تواجه ضغوطاً غربية قوية مثل سورية والسودان والي درجة أقل السعودية. ولكنها أيضاً قائمة في حالة الدول التي تتلقي دعماً غربياً سخياً مثل مصر وتونس، ويمكن أن يضاف اليها ليبيا الآن. مهما يكن فان أعضاء شبكة الديمقراطيين العرب اختاروا الطريق الأسلم وأكدوا علي خيار الاستقلالية رغم اعتمادهم في هذه المرحلة بصورة شبه كاملة علي التمويل الغربي. ولكن مشكلة الشبكة في الوقت الحالي تتمثل في أن الاتهامات المعتادة بالعمالة والتواطؤ لم تكل باتجاهها كما كان الحال في شأن مبادرات أخري مثل تقرير التنمية الانسانية العربية. فالاعلام العربي قابل المبادرة بما يشبه التجاهل الكامل، وهو أسوأ بكثير من كيل التهم. لأن هذا يعني أن المبادرة لم تسجل نفسها بقوة في الوعي العربي بعد، وهو أمر لن يتأتي الا باثبات النفس في ساحة النضال العملي بما يزعج سدنة الاستبداد الذين سيتطوعون بدورهم بالقاء الاتهامات المعتادة.

فكرة قيام شبكة للديمقراطيين العرب فكرة صائبة حان وقتها، وهي تستحق كل دعم وتشجيع، لأن التضامن العربي في كل مجال مطلوب ومحمود، وهو في مجال دعم الديمقراطية أكثر الحاحاً. فالديمقراطيون العرب يحتاجون الي توحيد جهودهم وصفوفهم وأن يشدوا من أزر بعضهم بعضاً في وجه شراسة قمع الأنظمة. وانه من المؤسف أن تأتي المبادرة بانشاء مثل هذه الشبكة من واشنطن وليس من القاهرة أو تونس أو عمان مثلاً. وهذا بحد ذاته واحد من علامات الأزمة. فالساحة العربية تعاني من ضمور في القدرات وجدب في المبادرات. وفي ظل هذا الضعف فان الشعارات المتكررة المرفوعة بضرورة الاعتماد علي الداخل تفقد قدرتها علي الاقناع. فلو كان الأمر كذلك، فلماذا ينتظر الناشطون المبادرات القادمة من الخارج في كل مرة؟

هذا الضعف العربي لا يمكن أن يفسر فقط بشراسة قمع الأنظمة. فالشعوب العربية لا يمكن أن تكون أضعف من شعوب دول مثل النيبال التي لم تنتظر قوي المعارضة فيها دعماً أمريكياً ولا أوروبياً حين قررت مواجهة تعسف النظام الملكي الحاكم. المسألة تتعلق فيما يبدو بضعف الارادة عند قوي المعارضة وافتقادها للعزيمة وتشرذمها وتناحرها الذي تستفيد منه الأنظمة. فلو أن قوي المعارضة وحدت صفوفها حول برنامج عملي وواقعي متفق عليه وشددت عزيمتها لمواجهة لا تلين مع أنظمة القمع فان هذه الأنظمة لن تصمد ساعة من نهار.

هناك نقطة لا تقل أهمية، وهي أن ساحة النضال الديمقراطي هي كل قطر عربي علي حدة. ولهذا فان التضامن العربي، مع أنه مطلوب ومحمود كما أسلفنا، الا أنه لن يكون العامل الحاسم في الانتقال الديمقراطي. فلو كان الدعم الخارجي من أمريكا وأوروبا لا يجدي كثيراً في حسم الصراع الديمقراطي كما يؤكد قادة الشبكة، فمن باب أولي أن الدعم من قبل ناشطين قلة يواجهون بدورهم الاضطهاد والتهميش في بلدانهم لن يكون عوناً كبيراً للمطاردين من مناضلي الديمقراطية في بلد عربي آخر. ولعل الادراك لهذه الحقيقة يكون الخطوة الأولي باتجاه اتخاذ الخطوة الحاسمة المطلوبة لتحقيق التحول الديمقراطي في أي بلد عربي. فلو تيقن المطالبون بالديمقراطية أن بحر الاهمال واللامبالاة من القوي الخارجية من ورائهم، وأن العدو المستبد الغاشم من أمامهم، لربما كان هذ الحافز للثبات في المعركة حتي النهاية بدون تلفت في انتظار مدد لن يأتي. وهذا هو بالضبط ما حقق النجاح لانتفاضات النيبال وغرقيزيا وأوكرانيا وجورجيا، وقبل ذلك انتفاضتي السودان والفلبين واندونيسيا وغيرها. فلييأس الناشطون من دعم الخارج، وليؤمنوا بقدرة الشعوب علي النهضة دفاعاً عن حريتها وكرامتها وحقوقها. عندها فقط يأتي الفتح الديمقراطي الذي طال انتظاره.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية