‘شبه الجزيرة العربية’: أو الوطن الذي يسكن فينا

حجم الخط
0

باريس ـ من الطيب ولد العروسي: سؤال العودة إلى الوطن حساس وشائك في كتابات المبدعين الذين يعيشون في المنفى، خاصة مع بزوغ الثورات العربية التي أعطت لنا نوعا من الأمل، هذا ما تؤكده سلوى النعيمي في روايتها الجديدة ‘شبه الجزيرة العربية’ ‘ليست هناك خطيئة أصلية، هناك حكاية أصلية’، حيث تطرقت وبشكل أعمق من غيرها إلى موضوع العودة في روايتها الجديدة الصادرة حديثا في بيروت عن رياض الريس للكتب والنشر والتي تقع في 162 صفحة وتتوزع على 43 فصلا. ومن بين المحاور التي تناولتها الساردة نذكر:

المحور الأول، نتساءل ونحن نقرأ هذا العمل الجديد في شكله ومضمونه بالمقارنة مع ما كتبت سابقا، هل نحن أمام رواية، أم أمام خواطر، أم قصص قصيرة أم أمام شكل جديد من الكتابة الروائية؟ كأننا أمام مجموعة من الحكايات، تستعمل فيها الساردة الأنا المؤنثة وأحيانا أخرى الأنا المذكر. ولقد ذكرني هذا العمل في رواية ‘نجمة’ لكاتب ياسين إذ حينما انتهى منها نشر أوراقها على خيط ثم جمعها فنسي النظام الذي كتبت به، فقدمها مثلما جمعها، وكانت قد عرفت ذلك النجاح الكبير، وأصبحت من بين أهم الروايات التي ألفت خلال القرن الماضي، هكذا نجد أنفسنا مع سلوى النعيمي وكأنها مشت على النظام نفسه ولكن بوعي، أي أنها هندست عملها بطريقة معمارية، إن صح هذا التعبير، ولعبت عبر هذه الهندسة على تنظيم الأحداث بشكل جديد أو مغاير لما تعودنا على قراءته في النصوص الروائية العربية، فهي لم تكتبها ولم تنظمها بالشكل الكلاسيكي حيث تبدأ الأحداث وتتطور، ولم تتقيّد بنظام الرواية الحديث الذي يراعي تطور الأحداث رغم عدم تتابعها، فهي اختارت عناوين وراحت توهمنا وكأنها تنتقل من حدث إلى آخر، لكننا نستطيع أن نقرأ الرواية من النهاية إلى البداية، كما نستطيع أن نلتمس بعض الأحداث لنلملم ونتابع تطور ها، ولذا فهو عمل روائي بني بكثير من التفكير والتخطيط.

المحور الثاني، هناك خيط واضح يكبر ويتمدد ويربط الأحداث شيئا فشيئا، ونقصد به الغربة، وهو الذي يجعلنا نتساءل هل لنا وطن نحن الغرباء؟ أم أننا موجودون بين الهنا والهناك؟ بين المحل والمكان بين السماء والأرض بين الشرق والغرب؟ ما هو مصيرنا بعد السنوات الطويلة التي عشناها خارج وطن الولادة والنشأة؟ وهل يمكننا أن نفكر في العودة إليه، حيث نحلم بمواكبة الأحداث عن قرب؟ والعيش مع الأهل والأحباب. وهي تؤكد على أن ‘ قانون العودة.. قانون النهر محفورا من منبعه إلى مصبه.. هل قامت الثورات كي تجبرنا على تصحيح المسار.. كي تجبرنا على عيش حكايتنا الأصلية.. على كتابة حكايتنا الأصلية..’. هناك صراع عنيف بين ما نريده ونحلم به وبين الواقع المر، ورغم أن الساردة حسمت الموضوع بوضوح وقررت عدم العودة، إلا أننا نقرأ عذابها وعذاب المحيطين بها وهم يعيشون ويرددون التساؤلات نفسها.

هناك جيل العمال الذي حسم الأمر بترك أولاده في وطن المنشأ وقرر العودة ولو بشكل مؤقت إلى الوطن، لكن السؤال المطروح الآن هو على المثقفين وعلى الذين يملكون تجارب تنفع الوطن، وفي هذا الخضم لا يقف هذا المغترب عن طرح الأسئلة وعن التفكير في بلد المنشأ، وعن الذكريات الملتصقة به، كما تطرقت الساردة إلى ذكرياتها مع الرجال والنساء الذين تعرفت عليهم، ومن ضمنهم عشيقها الذي تزوجت به و رحلا معا إلى باريس حيث استقرا.

كما تطرقت الساردة إلى البيروقراطية في الوطن، ومعاملة البوليس لها، وعن ذلك النظام المبني على إلغاء وإقصاء الغريب ما دام لا يفكر مثله، وهو باق على رأس الناس، كرهوا أم أحبوا، عن علاقتنا نحن الغرباء مع الوطن عندما نرحل منه، ونجبر على البقاء خارجه هاربين من القمع ومن المعاملات الوحشية، وفي الغربة نلتقي من أناس من بلدنا الأصلي، ونكوّن علاقات أخرى مع أشخاص من بلدان العالم، هؤلاء الذين قرروا أو أجبروا على العيش في الغربة لأنهم يعانون الجحيم نفسه الذي نعاني منه، مع هؤلاء نكون وطنا بديلا.

لكن وبعد مرور مرحلة الشباب وتخطي العقد الخامس من العمر، كيف يكون تفكيرنا ورؤيتنا للهناك، إلى بلد المنشأ؟ هذا السؤال الذي تطرحه الساردة بكل عنفوان وهو محل انشغال وتساؤلات كثير من أقرانها، فهل يصبح البلد ملجأ للموت، أي يعود إليه المغترب جثة هامدة ليدفن فيه فقط؟.

المحور الثالث، هناك موضوعة مهمة تطرقت إليها الساردة والمتمثلة في الدين، فهي نشأت في أسرة الأب فيها مسلم والأم مسيحية والساردة ولدت في المدينة، هذا التشابك لم يكن نقمة على الأسرة بل كان رحمة، لأن كل إنسان كان يحترم الآخر، وفي نهاية المطاف اختار الوالد أن يموت مسلما، وماتت الوالدة مسيحية ولم يؤثر هذا الاختيار على العائلة وعلى الأسرة، بل عاشت وتعيش في حب وتناغم، مما يبيّن بأن النظرة النمطية التي يريد زرعها أو تسويقها الآخر، وخاصة الغرب، غير سليمة، وغير بريئة، لأنها لا تمت للواقع بأي صلة، أي أن هناك حوارا بل احتراما كبيرا لدين كل واحد، وأن الأسرة عاشت كغيرها من الأسر المماثلة في وئام ومحبة.

المحور الخامس، هذا العمل قائم أيضا على ثنائيات: البقاء في الغربة، العودة إلى الوطن السؤال الكبير ومن الصعب إيجاد قرار يتبعه كل المغتربين.

الحب الكره، الإسلام المسيحية، الأنثى الذكر، الموت الحياة، الديمقراطية الدكتاتورية، الحرية القمع، التمرد ضد الواقع المزري القبول به، تمنح هذه الثنائيات للساردة سلاحا للتمرد والوعي، كما تمكنها من تطلعها إلى غد أجمل، رغم المعاناة التي عرفتها حينما فقدت والدتها بعد 17 سنة من الغياب مجبرة ‘لا بطلة’، وبعد أن وصلت لتجدها جثة هامدة جاءت فقط لتلقي عليها نظرات الوداع الأخير، هنا نرى جرح الذات وتساؤلاتها وتفكيرها في الماضي حينما كانت الأم تربي أولادها وترعاهم وهم لم يعرفوا إما الغربة الداخلية، أو الغربة الخارجية البعد عن الوطن.

المحور الخامس، بهذا العمل تكون سلوى النعيمي، كما قلت أعلاه، قد برهنت على أنها لا تكتب أو تتناول المواضيع نفسها، بل تجدد في المضمون وفي الشكل، وأن انشغالاتها وآمالها وآلامها تركتها تستمد موضوعات أعمالها من الواقع المعاش، ولا تكرر نفسها، كما نلاحظ لدى العديد من المبدعين والمبدعات، وأن أعمالها يجمعها خيط قوي وهو الذي يربط اختيارات موضوعاتها، تحتفظ به عن وعي وتجذر، وهو المتمثل إما في البحث في التراث العربي لتبيّن مدى ثرائه وتأصيله وتأصله، كما تبين في الوقت نفسه مدى تعلق المبدع العربي عبر الأجيال بالحرية وبالقول، وعن تمسكها أيضا بطرح أسئلة ملحّة وقاسية في المجال الديني والأخلاقي والإنساني والعاطفي، خاصة وأنها تتطرق إلى العلاقة مع ‘المكان الأول، مكان الولادة’ أي أنها تغوص بنا في الحميميات فتربطنا بالماضي وتربطنا بالعلاقات الأسرية، رغم ذلك فهي تقرر وبكل شجاعة عدم العودة إليه، وهو قرار صعب، إلا أنها فصلت في الموضوع وتتركنا نحن نتمعّن في هذا القرار الإنساني والذاتي المحمّل بكثير من الرسائل المستبطنة. كما أكدت على ذلك حينما قالت ‘ أسأل نفسي ولا أجرؤ على أن أسأل الآخرين، هل كنت واثقة أن أحدا لن يجيب عن أسئلتي.. هل كنت واثقة أن أسئلتي لا تسأل ففضلت ابتلاعها والبحث عن الأجوبة بنفسي. تعودت أن أعتمد على نفسي في التعرف على العالم’ مما يظهر جليا أن الساردة فتحت عينيها على مجموعة أسئلة وأنها لم تجد الأجوبة، وهذا ما تؤكده حينما تقول: ‘فتحت عيني على الأسئلة المدفونة في غرف مقفولة بعناد أمام فضول الآخرين. غرف… مقفولة من الخارج مفتوحة من الداخل على بعضها والريح تحمل الكلمات بينها عابثة بتاريخي. لم يهددني احد. لم يحذرني احد. أنا التي أغلقت وانأ التي فتحت’، ‘وأنا التي فتحت لم يحذرني أحد. أنا التي أغلقت’. مما يبيّن شجاعة الساردة في تحمّل مسؤولياتها وأخذ قراراتها، لأنها من تربة لا تنطق بما تحس به، تقاليد يستحسن أن لا تقول بما تفكر وتحس به، ولهذا فإن المخزون أو اللا مصرح به في المعاملات اليومية في الواقع العربي الذي يتصدره الكثير من التناقضات والصعوبات.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية