شبه الحداثة العربية!

حجم الخط
0

خيري منصور

قد يبدو الالحاح على هذه الظاهرة نوعاً من التزيُّد أو الافراط في توصيف السلبي، لكن تفاقم ظاهرة ما واصابتها بالعدوى أنشطة الحياة كلّها أمر لا يحتمل الملامسة العابرة، فالواقع العربي الآن كما تصفه تقارير محلية غير رسمية واقليمية ودولية تعنى بشؤون التنمية على اختلاف حقولها تحول الى مستنقع تفتضحه رائحته، وما يطفو على سطحه من عطن، سواء في السياسة وما افرزته النظم التي تراوح بين الباتريركي والاوتوقراطي والثيوقراطي من تشوهات لم تسلم منها حتى الأجنّة في الأرحام او في الاقتصاد الذي اصبح حاضنة بامتياز لفساد متعدد الرؤوس او الثقافة التي ارتهنت لناشر تاجر وصحافي مقاول وناقد سمسار! ولا اظن ان هناك عربيا يؤرقه شجن الحداثة بإمكانه ان يقول حداثتنا كما قال هنري لوفيفر مثلا عن الحداثة الفرنسية، لان المحاكاة والتلفيق والافتتان بكل ما يصدر عن الغالب بالمفهوم الخلدوني ليست الأقانيم الصالحة لتحقيق حداثة ذات مفاعيل وليست مجرد استبدال العباءة بالجينز او خيمة الخيش بخيمة الرخام، وبإمكان أي باحث في هذا الموضوع ان يضيف الى ما سمّاه ادونيس اوهام الحداثة الخمسة عشرين وهما آخر خصوصا اذا تجاوز حدود مدار الادب حسب تعريفه الضيّق، فالحداثة ليست تقنية اسلوبية او اجراء جراحات تجميلية لمن يعانون من جملة شيخوخات عمرانية وفكرية وسياسية وفنيّة، لهذا ليس غريبا ان تكون المفارقة الآن هي تداخل ما قبل الحداثة مع ما بعدها، تماما كما يزوّر الاعلام الرسمي صورة ما قبل الدولة ويقدمها بقناع يتيح لها او تؤدي دورا ولو عابرا في الحفلة التنكرية للمجتمع الدولي، فالاناشيد والاعلام لا تصنع استقلالا، وأوسمة الجنرالات المهزومين لا تغيّر فاصلة واحدة في كتاب التاريخ، والحداثوية الشكلانية القائمة على التماهي والتصادي الببغاوي ليست حداثة على الاطلاق، وربما كانت اسوأ من أية اتباعية، لأنها تقدم تقارير مزورة وكاذبة عن عافية المريض العربي بحيث يركن الى هذا الوهم ويتفاقم مرضه حتى يلقى حتفه!

ان قرائن شبه الحداثة هي على التوالي: شبه الدولة، وشبه السيادة وشبه الاستقلال وشبه المدينة وشبه الصناعة، والعربي المحكوم بقطع الغيار في المجال الصناعي وما يتعلق بأجهزة التكنولوجيا، محكوم ايضا بكل ما يصدر عن حداثات لم يسهم في انتهاجها، بل كان ولا يزال يحترف الاستهلاك لما يصل اليه، وقد لا يصعب علينا ان نقشر هذه البصلة بحيث نكتشف بأن المدينة العربية هي عنقود والدولة هي القبيلة، والاعلامي هو شاعرها ابن غزيّة الذي يغزو اذا غزت، وقد لا يرشد اذا رشدت لأنه يفرط في التزلف والاسترضاء، وهذا ما يفسر لنا علاقة الاعلام الرسمي والثقافة الداجنة في اسطبلات السّلطة، وهي علاقة الدب بصاحبه النائم الذي حامت على انفه ذبابة فرماها بحجر ثقيل.. اصاب رأس صاحبه فقتله، اما الذبابة فقد نجت وفرّت تبحث عن أنف آخر تبيض عليه!* * * * * * * * احيانا يحظـّر استخدام دواء ما لأن اعراضه الجانبية تتجاوز الدّاء، وقد يتلف اعضاء اخرى سليمة في جسد المريض، ويبدو ان نمط الحداثة المستعارة ومنزوعة المفاعيل وذات الحضور الطقسي والموسمي كان له من الاعراض غير الجانبية ما أتاح لأردأ نماذج التخلف ان تعود مدججة بمصطلحات وخطاب مرصّع بالحجارة الكريمة، فما من تقاليد نشر في عالمنا العربي تحول دون اصدار اي أمي او نصف أمي موسر عشرين كتابا في السنة، ولن يعدم الصحف التي تمتدحه والفضائيات التي تنشر له ثيابه الداخلية بكل ما علق بها، فالسوق الان تتسع لكل شيء، وعبارة ديستويفسكي الشهيرة تأخذ منحى آخر.. وهو ان لم يكن الحياء موجودا فكل شيء مباح ومُتاح! وبعد نصف قرن من التبشير بالحداثة وتداول مصطلحاتها وأقنعتها التنكرية في عالمنا العربي لا يزال شاعر الرومانسية في القرن التاسع عشر يحمل ألقابا ينوء بها فريق من الشعراء تماما كما اعتذر سارتر عن الألقاب التي اضافها اليه العرب في ستينيات القرن الماضي واستغاث بفرانسيس جانسون كي يساعده على حمل بعضها. ولو قال الشاعر العربي شبه الحديث وشبه الرعوي وشبه المواطن ما قاله اليوت مثلا وهو انه كلاسيكي في الأدب وكاثوليكي في الدين ورجعي في السياسة لالتمسنا له عذراً، لكنه يريد من خلال خيمياء وليس كيمياء قومية ان يكون الحطيئة وتشوسر وبودلير وعنترة في جسد واحد… لهذا فالغراب كان اسعد حالا منه لأنه فقد مشيتين فقط، وليس أربع مشيات!* * * * * * *غالبا ما يخطر ببالي مثال روسي عن الحداثة كرؤيا وحساسية والحداثوية المغالية في الانقطاع عمّا قبلها، هو مثال ماياكوفسكي الشاعر الخالد الذي كان يتلذذ بهجاء بوشكين وكل شعراء الماضي ثم انتهى الى مؤلف لوصفات الطّبخ، تتسلى بحداثويته ربات البيوت!

وذات يوم سمي السجال بين الاتباعيين العرب ومن ينزعون الى الحداثة باسم له دلالات قابلة للمراجعة والتفكيك.. الفريقان هما المطربشون والمعممون، والحوار هو بين الطربوش والعمامة لكأن الدماغ داخل الرأس يتغير تبعا لغطاء الرأس، ومن يقفز من العمامة الى القبّعة متجاوزا الطربوش هو رائد الحداثة بامتياز!

لم يتغير واقع الحال كثيرا منذ ذلك السجال، واذا كان هناك من تظاهروا ضد تسمية الجامعة لأنها تأنيث غير مسموح به للجامع فإنهم يتظاهرون الان من أجل أمور اكثر طرافة وامتاعا لمستشرق اذا قرر ان يدوّن يومياته في هذا السيرك المجاني المفتوح على مدار اللحظة….* * * * * * * * هل تعرّضت موجات الحداثة الى اجهاض كما حدث لموجات النهضة في القرن التاسع عشر؟ أم ان ما توهمناه غيوما كان مجرد سحابات من غبار؟

؟ الاجابة محفوفة بمحاذير لا آخر لها، لأن الغربال الذي احتكمنا اليه كان واسع الثقوب ومهترىء النسيج بحيث تسقط منه حبوب بحجم البرتقال او البطيخ، اذن لا بد من البدء في المراجعة كي تحرر الحداثة المختطفة، ورهائن الثقافة من القراصنة الجدد!

والتحالف الان بين الأشباه بدءا من شبه الدولة حتى شبه المثقف مرورا بشبه المواطن يتطلب تحالفا مضادا من الدولة المُختطفة والمثقف المغدور والمواطن الذي أعلن القطيعة مع القطيع والرعية!!

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية