شبِّه لنا بأنّها ديمقراطية …

حجم الخط
6

في نهاية هذا الشهر الجاري، أكتوبر/ تشرين الأول، سيتوجّه المواطنون العرب مثل سائر المواطنين في مناطق الـ 48 لاختيار ممثليهم في المجالس البلدية.
في أواخر سنوات الستينيات من القرن الماضي، كانت الديمقراطية تحبو بخجل في بلداتنا العربية، لم تكن هناك منافسات حزبية، وكانت الديمقراطية تشبه نظرية حديثة في النقد الأدبي، يطبقها الناقد عنوة على نصٍّ أدبي، والنتيجة أن النقد في واد والنص المنقود في وادٍ آخر.
عموماً، كانت تنتهي وجبات الديمقراطية بالتقيُّؤ والصداع بعد منتصف الليل، أي بعد الانتهاء من فرز الأصوات، حيث ينفجر الصدام في أكثر من بلدة عربية بين عائلتي المرشحين الأساسيين للرئاسة، وذلك لعدم تقبل جمهور الخاسرين للنتيجة، كذلك بسبب الاحتفالات المستفزّة التي يقوم بها أنصار الفائز، يبدأ التراشق بالكلمات ثم بالحجارة.
كانت تُسمع تعابير مثل «الخوَنة والخائنين» وتحميلهم مسؤولية الفشل، صفة الخونة تطلق على من وعدوا المرشّح بأصواتهم ولم يفوا بذلك! وهذه ممكن تصنيفها من باب الخداع السياسي، أما الذين يُدمغون بهذه الصفة لسنوات طويلة، فهم أبناء عائلة المرشح الذين صوتوا إلى مرشح العائلة المنافسة! ولن يكون التحرّر من هذه الدمغة سهلاً لسنوات وعقود!
ولكن كيف يمكن معرفة «الخونة» في نظام تصويت دمقراطي سرّي! الأمر في غاية البساطة.
كانت سجّلات الناخبين بحسب تسلسل أسماء العائلات، فتجد مثلاً عائلة تبدأ بحرف (ع) مثل عبد السلام، تنتخب كلها في صندوق رقم واحد، وعائلات الشيخ وأبو صالح وأبو حشيش في صندوق رقم 2، وهكذا يتضح في الفرز أين صوّت معظم أبناء هذه العائلة أو تلك وهو متوقع أصلاً ومعروف، وممكن تحديد تصويت كل فرد بنسبة خطأ طفيفة. هنالك طرق كثيرة لإبطال سرِّية الانتخابات!
مثلاً وراء السِّتارة حيث أوراق الانتخاب يوجد قلم رصاص وأوراق بيضاء، ممكن للناخب أن يستعملها إذا لم يجد ورقة باسم مرشحه، وذلك للمحافظة على نزاهة الانتخابات فلا يضطر لطلب أوراق مرشحه المفضل كي لا يفتضح أمره. ولكن هذه الطريقة تستعمل كذلك للتأكيد على أصوات بعض المشكوك في ولائهم، فيُطلب منهم أن يصوّتوا كتابة بقلم الرصاص وبخطِّ يدهم، وهكذا يحدَّد عددُ الأصوات التي ستظهر في الصندوق بالرصاص ومن هم أصحابها. ليس هذا فقط، فاسم المرشح على أوراق الانتخاب باللغتين العبرية والعربية، أو على أوراق بالعبرية فقط، وكلتا الورقتين صحيح.
فيجري اتفاق سري بأن عائلة فلان تصوِّت بأوراق عبرية فقط، وقد يسلمونهم الأوراق من قبل دخول غرفة التصويت، وهكذا يُعرف إذا التزمت هذه العائلة أو الأسرة بتعهّدها أم لا، وأي خلل بالاتفاق والعهد يسبب تنافراً وفقداناً للثقة قد يصل إلى حد العداء.
هكذا يُعرف عددُ «الخونة» من كل عائلة.
كذلك يمكن التحايل بإخراج مغلّف مختوم من غرفة التصويت بتواطؤ أحد المراقبين، وهكذا يجري ملء المغلف بالورقة التي يريدونها قبل دخول الناخب، وعندما يدخل الناخب وراء الستار يدلي بالمغلف الجاهز ويخرج ومعه المغلف الفارغ يسلّمه للجماعة، وهكذا يتأكدون من تصويت بعض المشكوك فيهم، أي أن السرّية وحرِّية التعبير كانت شبه معدومة.
بعد انتهاء الفرز، تُسمع صيحات فرح، تليها شتائم هنا وهناك، ويبدأ التراشق بالجَمَش، والجمَشة تكون بوزن وحجم ملائم لرميها بضع عشرات من الأمتار، فلا يصحُّ أن تكون خفيفة قريبة من الحصى، كذلك لا ينفع أن تكون كبيرة فلا تصل بعيداً، ويقول المثل الفلاحي «الّلي جَمْشتُه كبيرة لا يصيب»، يُضرب لمن يطلب أمراً كبيراً فوق طاقته. ويستعمل الفلاحون تعبير «المُجامشة» بمعنى تبادل التراشق بالحجارة. فإذا كنت غير قادر على مواجهة خصمك مباشرة لأنّه أقوى منك أو بسبب كثرة عديده، فبإمكانك أن تجامِشه، وهو ما يفعله كثيرون من أبناء شعبنا خلال انتفاضاته العديدة بمجامَشة الاحتلال.
والجَميش في اللغة هي الأرض الخالية من النَبات، فلا يبقى فيها غير الحجارة، وإذا زادت حجماً تُصبح دَبْشة، والدَّبشة من المصدر ذاته، فهي الأرض التي أتى على نباتها الجراد فلم يبق فيها سوى الحجارة. بعد ساعة أو اثنتين من التراشق المتقطّع، يتدخل رجال إصلاح من البلدات المجاورة، يصلون في شاحنة أو أكثر، يرافقهم شبان مسلّحون بالعصي للتدخل في وقت الحاجة.
كان لرجال الصلح هيبة، وعلى كلِّ واحد من قيادة العائلتين احترام الموقف، بأن يأمر جماعته بالهبوط عن السطوح واستقبال وفد الصلح بالتِّرحاب كما يليق.
يبدأ الشيخ بموعظة عن السِّلم والتآخي ورفض الظلم والعدوان، والدعوة إلى التسامح اقتداء بالسّلف الصالح، ويسوق الشيوخ في حديثهم الآيات والأحاديث الشريفة والشِّعر، ويتحدَّث أكثر من واحد في الاتجاه نفسه، وقبل بزوغ الشمس يحتسي الطرفان المتنازعان فنجان قهوة وينتهي الأمر.
كان الموجّه الأساسي في التصويت البلدي هو الانتماء العائلي باستثناءات نادرة، إلا أن قفزة حدثت بعد عام 1975 حيث انتخب في الناصرة الشاعر توفيق زياد لرئاسة البلدية ممثلاً للحزب الشيوعي في مقابل مرشح حزب العمل سيف الدين الزعبي، ومن بعدها جاء يوم الأرض عام 1976 تلاه تغيُّر تحولات في الانتخابات المحلية لتصبح أكثر تسييساً. إلا أن هذا لم يستمر طويلاً، فما لبثت العائلة أن استعادت قوّتها الانتخابية بسبب أخطاء في العمل الحزبي، منها اختيار حلفاء الحزب ومرشحيهم للرئاسة على أساس من لديه أصوات أكثر في عائلته، وهكذا ارتدى المرشح العائلي قناع السياسي في كثير من المواقع.
هذا أدى إلى استعادة العائلة لدورها في الانتخابات المحلية في البلدات العربية، باستثناء المدن الكبيرة، مثل الناصرة وشفا عمرو، التي يتراجع فيها تأثير العائلة وقدرتها على إدخال مرشح منها.
لو حسبناها جيِّداً، فإن الديمقراطية الغربية لم تستطع إثبات أفضليتها على الشّورى في المجتمعات القروية، فلو ذهبنا إلى التشاور بدون انتخابات، فأكثر الظن أننا سنخرج بنتيجة التصويت الديمقراطي نفسها، فالشورى تقسم الوظائف القليلة بحسب حجم كل عائلة وعدد أفرادها وبالتشاور، فالجميع في النهاية أهل بلد وأنسباء وأقرباء.
التحالفات العائلية أقوى بكثير من الأطر الحزبية في الانتخابات المحلية، فالحزب الذي يحصل في البرلمان على بضعة آلاف من الأصوات في البلدة نفسها، بالكاد يستطيع العثور على مئات الأصوات لعبور نسبة الحسم وضمان تمثيل له في عضوية المجلس البلدي، فليس سهلاً أن تنزع أحداً من عائلته للتصويت إلى حزب ما بينما ابن عائلته مرشّح في العضوية، إلا إذا كان متحزِّباً ومنظّماً، في هذا تصطاد الأحزاب أصوات الزعلانين من عائلاتهم.
هذه المرة تجري الانتخابات في ظل تفاقم جرائم القتل في المجتمع العربي التي وصلت حتى الآن حوالي مئتي جريمة قتل منذ بداية العام، حتى إنّ مرشحين لرئاسة وعضوية انسحبوا بعد تهديدهم، بل وإصابة بعضهم مثل أحد مرشحي الرئاسة لبلدية الناصرة الذي أعلن انسحابه، وغيره من مرشحين انسحبوا نتيجة تهديدات بالقتل، وطبعاً تحت رعاية ونظر الشُّرطة المعادية لجماهيرنا.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية