لا ينفك المشهد الفلسطيني يزداد تعقيداـ تتسع المتاهة في الوقت الذي يحسب فيه المسير أن مسلكه درب واحد. وبينما يرفع العدو منسوب بطشه تحت مسمى «حكومة مستوطنين فاشية» تتدحرج كتلة اللهب مجددا، فتصيب ما تصيب في طريقها، ويهرع الجميع إلى قرع أجراس أضحت بكماء من كثرة الاستخدام. وهو مشهد باتت تتكرر فصوله ونتائجه مرة تلو الأخرى، حيث تنجو إسرائيل دوما، وتتسع معاناة الفلسطينيين الفرقاء قتلا، وتدميرا.
وفي واقع الأمر يعيش الفلسطينيون شتاتا داخليا إضافة إلى شتات خلقته النكبة عام 1948 والنكسة عام 1967 بين قطاع غزة المحاصر والذي تديره حركة حماس، وبين الضفة الغربية المقسمة بكنتونات تغلقها إسرائيل بحواجز عسكرية وتفتحها متى تشاء، وتفصل عنها القدس الشرقية بشكل كامل.
ولعل ما حدث من المواجهات التي اندلعت في مخيم جنين في شمال الضفة الغربية وانتقلت سريعا إلى باقي مناطقها بين الفلسطينيين من جهة والجيش الإسرائيلي والمستوطنين من جهة أخرى ما يدلل على هذا الشتات الداخلي الذي يتجذر يوما بعد يوم.
هناك مجموعات مسلحة مستقلة، وأخرى تابعة لحركات إسلامية ووطنية، تعمل بمفردها وتتمركز هذه المجموعات في مناطق نابلس وجنين في الشمال، وفي أريحا شرقا.
وثمة مواطنون يحاربون للبقاء والحفاظ على ممتلكاتهم في وجه الهجمات المتصاعدة للمستوطنين، الذين قارب عددهم المليون مستوطن، ويتلقون كل دعم وحماية تلزم من حكومات إسرائيل المختلفة، وعدد المستوطنين هذا، مؤهل للارتفاع كل يوم تطلع فيه الشمس، بل أن عددهم فاق عدد الفلسطينيين في محافظة سلفيت ما بين رام الله ونابلس. وطبعا هناك السلطة الفلسطينية وأجهزتها ومؤسساتها والتي بات تأثيرها يتراجع خاصة في شمال الضفة الغربية.
حماية المدنيين العزل
مشاهد كثيرة يمكن التوقف عندها لاستيضاح هذه الحالة الفلسطينية الراهنة والمعقدة، أحد أمثلة هذا المشهد اللقاء الذي ضم مؤخرا رئيس وزراء الحكومة الفلسطينية محمد اشتية وأهالي ترمسعيا، القرية الواقعة شرق رام الله وتعرضت لهجوم من مئات المستوطنين الإسرائيليين.
وصل اشتية ترمسعيا لتفقد أحوالهم إثر الاعتداء الذي وقع غداة مقتل أربعة مستوطنين برصاص مقاومين ينتمون إلى حركة حماس الإسلامية. أحرقت عشرات المنازل، ومئات المركبات، وسقط شاب من القرية شهيدا. كانت هجمات مماثلة تدور في مناطق قريبة وبعيدة من ترمسعيا التي تبعد كليومترات محدودة عن مستوطنة «عيلي» حيث قتل المستوطنون.
الحديث الذي دار بين اشتية ورعاياه كان محوره «الحماية» حماية الأهالي المدنيين العزل من اعتداءات المستوطنين الذين عادة ما ينفذون هجماتهم بحماية الجيش الإسرائيلي ودعمه.
وحسب إحصاءات محلية، نفذ المستوطنون اليهود أكثر من 300 اعتداء إثر الهجوم الذي أودى بأربعة منهم. وتحدث اشتية عن ضرورة «تشكيل لجان حماية شعبية في القرى والبلدات الفلسطينية».
وقال إن «المجتمع الدولي أعمى لا يرى الفلسطينيين ويرى أوكرانيا» في إشارة إلى غض النظر المتواصل من المجتمع الدولي عن معاناة الفلسطينيين.
لكن الرد جاء سريعا من أحد المواطنين الغاضبين وقال: «هذه مسؤولية الحكومة (الفلسطينية) أولا.. أنتم لا تحمونا ولديكم 70 ألف مسلح (أفراد الأجهزة الأمنية) إما أن تحمونا أو تسلحونا».
وتحدث آخر يطلب الحماية من الولايات المتحدة الأمريكية وقال: «نحن رعايا أمريكيون، 65 في المئة من أهالي ترمسعيا يحملون الجنسية الأمريكية، ويجب على أمريكا ان تدافع عنا في هكذا مواقف».
وبالرغم من انتقاده المجتمع الدولي الذي يتغاضى كما قال عن قتل الفلسطينيين واستمرار إسرائيل احتلالها أرضهم، قال اشتية: «محمكة الجنايات الدولية ليست شعارا، ستحاسب المجرمين».
وطالما قدمت السلطة الفلسطينية شكاوى ضد إسرائيل لدى محكمة الجنايات الدولية، لكن الهيئة الدولية التي تدخلت في قضايا مماثلة في العالم لم تفعل شيئا فيما يتعلق بالقضية الفلسطينية.
موقف ترمسعيا ورئيس الوزراء اشتية يختزل سيريالية الحالة الفلسطينية، ويعكس درجة التعقيد التي آلت إليها القضية الفلسطينية. وهذه ليست المرة الأولى التي يدعو فيها مسؤولون فلسطينيون السكان إلى تشكيل لجان حماية شعبية، وهي دعوات تكررت على مدار العشر سنوات الأخيرة. ولدى السلطة هيئة خاصة بمسمى «هيئة مقاومة الجدار والاستيطان» وتنحصر مهمتها في التوثيق وإصدار التقارير حول انتهاكات المستوطنين في الضفة الغربية وتقديم بعض المساعدات المادية والقانونية للمتضررين.
تغيير قواعد الاشتباك
ما جرى في ترمسعيا وغيرها من قرى وبلدات فلسطينية جاء بعد وقت قصير على العداون الأخير الذي شنه الجيش الإسرائيلي على مخيم جنين قبل أيام، وهو واحد من سلسلة هجمات يشنها الاحتلال الإسرائيلي مستهدفا بؤر المقاومة الفلسطينية في جنين ونابلس وأريحا وغيرها من مناطق الضفة الغربية أدت إلى مقتل أكثر من 170 شهيدا منذ بداية العام الجاري، فضلا عن عشرات الجرحى وهدم منازل وتخريب ممتلكات وطرد تجمعات سكانية، لاسيما تجمع بدو عين سامية قرب قرية كفر مالك القريبة من ترمسعيا.
وفي الوقت الذي كان يتحدث فيه اشتية عن ضرورة تشكيل لجان حماية ضد هجمات الفلسطينيين، كان قياديون كبار في حركة حماس التي تسيطر على قطاع غزة منذ «انقلابها» على السلطة الفلسطينية عام 2007 يتحدثون عن «تغيير قواعد الاشتباك» في الضفة الغربية كما جاء على لسان خالد مشعل، رئيس الحركة السابق، لكن السلطة الفلسطينية تعارض المقاومة المسلحة وتدعو إلى المقاومة الشعبية السلمية.
وخلال السنوات الأخيرة منذ الانقسام، لم تنجح مبادرات صلح واتفاقات عدديدة جرى التوصل إليها في عدة بلدان عربية في وأد الانقسام بين حركتي فتح وحماس. وفي غضون ذلك توقفت مفاوضات التسوية السياسية بين منظمة التحرير الفلسطينية التي تقودها السلطة منذ عام 2014.
وسارعت الصحافة الإسرائيلية بنشر تقارير مفادها أن حماس تقف وراء تصعيد المقاومة في الضفة الغربية، وأنها تقوم بذلك مستغلة وجود حكومة اليمين الفاشي الحالية في إسرائيل، بغية إضعاف السلطة الفلسطينية ودفع الجيش الإسرائيلي إلى شن هجوم واسع النطاق في شمال الضفة الغربية، حيث تتركز مجموعات عرين الأسود ومعها مجموعات تابعة لحركتي الجهاد الإسلامي وحماس.
وخلال السنوات الأخيرة استباحت إسرائيل وجيشها مناطق الضفة الغربية، لاسيما المدن الرئيسية الخاضعة لسيطرة السلطة التامة حسب اتفاق أوسلو، حيث تنفذ فيها اقتحامات، واغتيالات واعتقالات وهدم منازل وطرد سكان. وتقول إسرائيل إن السلطة باتت ضعيفة، في حين لا تملك السلطة إلا التمسك باتفاق أوسلو، لاسيما التنسيق الأمني الذي تردد أن إسرائيل خرقته.
وهددت السلطة بوقف التنسيق مع إسرائيل، بل أنها أعلنت ذلك مرارا، لكن القرار لم يترجم على أرض الواقع.
ولا تجد السلطة الفلسطينية ومؤسساتها من حول ولا قوة، إلا بإصدار بيانات الشجب والاستنكار والنداءات الموجهة للمجتمع الدولي والأمم المتحدة لوقف إسرائيل عن مواصلة اعتداءاتها ولجم هجمات المستوطنين، وتأكيدها انها ستلاحق إسرائيل على جرائمها في محكمة الجنايات الدولية.
بيد أن إسرائيل وإضافة إلى ما قامت به من قتل وتنكيل مع مستوطنيها ضد الفلسطينيين مؤخرا، أعلنت موافقة حكومتها على قرارات جديدة ببناء آلاف الوحدات الاستيطانية في مناطق الضفة الغربية، بل أن مستوطنين من المستوطنات المحيطة برام الله ونابلس غير بعيد عن قرية ترمسعيا، سبقوا تنفيذ القرارات واحتلوا مواقع جديدة ولم تلبث الحكومة الإسرائيلية ان سارعت إلى تزويدها بالحماية وبإقامة شبكة بنية تحتية أولية.