رفقي عسافإذا كنت من هواة الأفلام التقليدية، ذات الحبكة الاعتيادية، فإنك غالباً لن تستمتع كثيراً بمشاهدة هذا الفيلم، ففيلم ‘شجرة الحياة’ الحائز على سعفة كان الذهبية لهذا العام 2011، فيلم فلسفي، يميل كثيراً إلى التجريب، ويتناول موضوعاً فلسفياً عميقاً، هو حقيقة هذه الحياة، فمن خلال تتبع حياة ‘جاك’ الابن الأكبر لعائلة أميركية اعتيادية، وعلاقته بشقيقه الذي يرحل لاحقاً، وبوالده ووالدته وأسرته. ومن خلال لغة بصرية خاصة، يستهلها تيرانس مالك برؤيته الخاصة للحياة ككل في النصف الساعة الأولى من الفيلم فيما يشبه اللقطات الوثائقية التي من المعتاد مشاهدتها على قنوات كـ ‘ناشونال جيوغرافيك’ و’ديسكفري’ أكثر من فيلم روائي، من خلال هذا التتبع، يأخذنا الفيلم في رحلة ثرية في مضامينها، عن الحياة، والموت، على حد سواء.
السيناريو، الذي كتبه تيرانس ماليك بنفسه، والذي يتمرد على كافة أشكال الحبكات التقليدية، وربما غير التقليدية أيضاً، يسير في خطين في تتبع حياة الابن، يطغى أحدهما على الآخر تماماً، خط الطفولة، وخط بدايات الكهولة، في مفارقة غنية عن استقبال الحياة، ووداعها، ودون تقيد حتى بتكنيك خاص في السيناريو، أو بناء يمكن الإمساك بأطرافه واستخراج نمط معين فيه، بل ميل إلى التجريب قدر المستطاع، وتمرير المعاني والمقاصد الفلسفية والاعتقادية داخل النص، والتركيز في ذلك على الصورة، والرمز، والموسيقى، والحكاية المفرطة في عاديتها.
فمع الأب الجاف القاسي المحب للموسيقى، والذي خسر الكثير في حياته، ويريد تنشئة أولاده ليصبحوا رجالاً أشداء، والذي لعب دوره ‘براد بيت’ بإبداع، ومع الأم الرقيقة الحنون التي لعبت دورها ‘جيسيكا شاستين’ بتميز كبير، ينشا هذا الفتى محاولاً مثلنا جميعاً فهم الحياة، وضدها الأزلي، أو نهايتها المحتومة دائماً، الموت، ويربي في أثناء ذلك الكثير من المشاعر والعقد، وأكثرها موجه ضد والده، إلى أن يصل في لحظة ما إلى التصالح مع ذاته، ومع الحياة.
هل بقي أي لقطات أو زوايا كاميرا لم تستخدم؟
؟ تيرانس مالك ومدير تصويره إيمانويل لوبيزكي الذي سبق وترشح لأربع جوائز أوسكار، يجعلانك تحس بأن هذا ممكن، بكاميرا مجددة ولقطات طازجة، وباعتماد كبير على الضوء الطبيعي، أو على الأقل الإيحاء بذلك، فالشمس جزء لا يتجزأ من صورة هذا الفيلم، بما تحمله من إحساس ومعنى، المونتاج الذي تولاه خمسة مولفين دفعة واحدة!! هانك كوروين، جاي رابينوفيتز، دانييل ريزيندي، بيلي ويبر، ومارك يوشيكاوا، ولا أدري ما سر هذا، ربما يكون ماليك أسند مونتاج كل خط إلى مونتير مختلف! ولكن النتيجة في الحقيقة جاءت مبهرة على هذا الصعيد، أما الموسيقى التي تولى تأليفها في نَفَس أوركسترالي كلاسيكي أليكساندر ديسبلات، فقد شاركت في بطولة هذا الفيلم في دور أساسي.
تيرانس ماليك في فيلمه ‘شجرة الحياة’ يحاول أن يفهم الحياة، تلك المعضلة الأبدية، ويدخل في جدلية خطيرة يعرف بأن لا حل لها، ولكنه مع ذلك يخوض المغامرة، ويقدم فيلماً جميلاً وغريباً ومجدداً، فيلماً يرتكز على الأحاسيس، ويمس لربما بقعة دفينة في نفس كل منا، ويفتح بوابات الأسئلة، وينكأ أكثر ما ينكأ.. منبع الحنين، وكيف أننا في النهاية تصنعنا طفولتنا، بكل براءتها وشقاوتها وتجاربها وربما حتى في بعض الأحيان صفاء شرّها وتلقائيته، وعلاقتنا بآبائنا وأمهاتنا، فيلم متعِب في المشاهدة، ولا يمنحك الكثير لتخرجه به على مستوى العقل الواعي، ولكنه على مستوى اللاوعي، يتركك وقد استعدت أشياء كثيرة، ووجدت نفسك للحظة في مواجهة عقلية، مع حقيقة الحياة.
شاعر ومخرج أردني/فلسطيني