شح الورقة الخضراء تهديد وجودي… وتوفيرها يحتاج تضحيات من الحكومة قبل المواطن

حسام عبد البصير
حجم الخط
0

القاهرة ـ «القدس العربي»: على مدار الأيام الماضية شكل الشيخ الشعراوي بالإضافة للمطربة شيرين وزوجها وكذلك الممثلة التي نجت من السجن منة شلبي واللاعب الهارب من نادي الزمالك، الخلطة الجهنمية لإلهاء الرأي العام. وبدوره حذر الرئيس السيسي من التأثر بالشائعات مشددا على أن العالم، وفي القلب منه مصر، يواجه أحداثا عصيبة وقال: الرئيس السيسي، إن الظروف الحالية صعبة جدا على الدنيا كلها وأضاف: “الأزمة الحالية مش بتاعتنا الحرب الروسية الأوكرانية مش بتاعتنا والموقف خلال أزمة كورونا في العامين والأزمة الروسية مصر معملتهوش ولكن بتدفع ثمن زي كل الدول ما بتدفع”. وتابع السيسي في كلمته خلال المؤتمر الأول للتحالف الوطني: “أي اجتهاد من الآخرين مرفوض، ولكن قد يكون يعمل بلبلة ويزعج المواطنين أكثر من الظروف، والتي تعتبر ضغط على الناس، ولكن لو خوفنا الناس أكتر النتيجة مش هتكون لمصلحتنا”. وأردف: “هقول تعبير جايز الكثير مينسهوش.. بطلوا هري بقى”.
ومن أبرز القضايا التي تحظى بالمتابعة من قبل الإعلام، مصير قناة السويس وحديقة الحيوان، وبدوره نفى الدكتور محمد القرش المتحدث باسم وزارة الزراعة، الشائعات التي ترددت عن بيع حديقة الحيوان في الجيزة، وإقامة أبراج في موقعها، وقال القرش، إن حديقة حيوان الجيزة شهدت حالة من الإهمال خلال العقود الماضية، وأضاف أنه لم يتم غلق حديقة حيوان الجيزة أمام المواطنين، مشيرا إلى أنه سيتم الحفاظ على المباني الأثرية في حديقتي الحيوان والأورمان. مؤكدا أنه تم استبعاد حديقة الحيوان من التصنيف الدولي عام 2004؛ لأنها لم تقدم الشكل الذي يحافظ على الحيوانات، لافتا إلى أن هناك آلية لتطوير حديقة الأورمان، أيضا. وأكد أنه يتم العمل على زيادة أعداد الحيوانات في حديقة حيوان الجيزة.
ولفت إلى أنه إذا استدعت الحاجة إلى غلق حديقة حيوان الجيزة لمدة عام؛ فإنه ستتم دراسة هذا الأمر. ومن الأخبار العامة: كشفت الدكتورة هايدي شلبي أستاذة الحفاظ العمراني ورئيسة الإدارة المركزية للشؤون الفنية في الجهاز القومي للتنسيق الحضاري، تفاصيل الانتهاء من توثيق 400 مبنى تراثي لضمها لأرشيف المباني ذات الطابع المتميز، وبينت: “الأرشيف القومي للمباني التراثية موجود في الجهاز القومي للتنسيق الحضاري ومهمته جمع قاعدة بيانات غزيرة بالمعلومات عن المباني التراثية المسجلة في مصر كلها”.
ملك المصريين

أشاد سليمان جودة الكاتب في “المصري اليوم” بوجود السيد القصير وزير الزراعة، في الاجتماع الذي دعا إليه الرئيس السيسي للنظر في تطوير حديقة الحيوان. فالحديقة تتبع وزارة الزراعة إداريا، ولا بد من أن تكون وزارته حاضرة في القلب من كل أمر يخصها، ولا يجوز أن يظل الإعلام يتحدث عن عملية التطوير، ثم نقرأ لإدارة الحديقة ما يفيد بأنها لا علم لها بالعملية، ولا بملامحها، ولا بأبعادها، أو حدودها. وأهمية وجود وزارة الزراعة في القلب من كل ما يتعلق بهذه الحديقة الفريدة، أن تطويرها ليس شأنا إنشائيا فقط، لكنه شأن يدخل في الاختصاص الأصيل لخبراء الزراعة، والنباتات، والحيوان.. وجميعهم متوافرون في الوزارة، وجاهزون وعندهم ما يقدمونه، ولا مفر من أن يكونوا شاهدين على عملية التطوير، وأن يكون لهم رأي، وأن نحترم ما يقولون في الموضوع. ولا تزال الدكتورة سهير حواس تنتفض كلما أحست بأن القيم الجمالية العامة في المجتمع مهددة، وبأن ما يشكل وجدان الناس يتعرض لخطر. وهي تفعل هذا بصفتين، إحداهما أنها أستاذة في هندسة القاهرة، والثانية أنها عضو مجلس إدارة جهاز التنسيق الحضاري.. ولأن كلية الهندسة ملاصقة للحديقة، فالدكتورة سهير تمر عليها في الذهاب وفى الإياب، وتراها ربما كما لا يراها كثيرون منا، وتخاف عليها كما تخاف على بيتها، وتغار عليها كما تغار على كل شىء له قيمة حقيقية في البلد. وفي رسالة منها أرفقت صورا جوية للحديقة.. ومن فوق تبدو الحديقة في الصور مساحة مملوءة باللون الأخضر، وتصفها الدكتورة حواس بأنها «واحة خضراء وسط العمران» وأنها «خط سماء أخضر» ولأنها كذلك، فعملية تطويرها لا بديل عن أن تراعى هذا كله، فلا تقفز فوقه، أو تتجاهله، أو تراه على غير حقيقته. جهاز التنسيق الحضاري لا بد من أن يكون طرفا في القضية، إلى جانب وزارة الزراعة سواء بسواء، ولا بد من أن نسمع صوته، ولا بد من أن يشارك ويقول، لأن الحديقة ليست مجرد مكان يحيط به سور، لكنها ساحة يتنفس فيها الجمال بكل معانيه، قبل أن تكون ركنا للنبات والحيوان.

معضلة الدولار

تبقى القضية الأساسية المطروحة الآن، من وجهة نظر جلال مصطفى السعيد الكاتب في “المصري اليوم”، عما يتعين اتباعه في المدى القصير لتوفير العملة الأجنبية لتلبية عدة متطلبات، وأهمها تسديد الدفعات المستحقة من القروض الخارجية ومواجهة الفروق السنوية، (هذا العام والسنوات المقبلة)، بين العوائد والمتطلبات الدولارية، وهو الأمر الذي يجب أن يشغل أصحاب الخبرات في مجالات الإنتاج والتصنيع والتصدير والاستثمار والسياحة والزراعة والنقل والتعليم وغيرها. والحديث هنا ينصب على المدى القصير، حيث إنه في المديين المتوسط والطويل لا بديل عن اتباع حلول مطروحة وعديدة، وأساسها في المدى المتوسط هو جذب الاستثمارات وزيادة حجم الإنتاج، بحيث يلبي متطلبات السوق المحلية لتقليل الاستيراد، والتوجه نحو التصدير ببضائع ومنتجات قابلة للتصدير، وفى المدى الطويل لا بديل عن وجود برنامج وطني للتنمية البشرية، ولا بديل عن أن يصبح التعليم تحديدا هو مشروعنا الرئيسي، مع ترسيخ المفاهيم الخاصة بالتعليم أكثر من التعليم وتنمية المعرفة والقدرة على استخدام المعارف والبحث العلمي في الإنتاج وتعظيم القيمة المضافة في منتجات قابلة للتصدير، مثلما فعلت كل النمور الآسيوية من قبل. من المناسب الاتفاق، بداية، على أهمية ترشيد الاستيراد وإعطاء الأولوية للسلع الغذائية ومستلزمات الإنتاج والأدوية والمُعَدات الطبية توفيرا للعملة الأجنبية، التي ينبغي أن تُنفق في تدبير الكماليات والسلع غير الأساسية. هناك أفكار أخرى منها توسيع دائرة السماح للمصريين في الخارج بشراء وحدات سكنية بالدولار في تجمعات سكنية جديدة ومتميزة، وقد نجحت الفكرة، وهي الآن آخذة في الانتشار بشكل سريع، وهي فكرة قابلة للتجويد والبناء عليها وتطويرها، وجذب شرائح جديدة للاستفادة منها. كما أن فكرة تسهيل إدخال سيارات المصريين في الخارج مقابل ودائع بالدولار تُسترد بعد خمس سنوات تبدو واعدة، إلا أن اكتمال نجاحها يحتاج بعض التعديلات التي أصبحت معروفة، والتي تضمن نجاحها وتسرع من وتيرة التنفيذ على أرض الواقع.

الدفع مقدما

تابع جلال مصطفى السعيد البحث عن موارد للورقة الخضراء قائلا: قرأت مؤخرا اقتراحا آخر، للاقتصادي هاني توفيق، يتضمن تشجيع المصريين في الخارج على شراء شهادات الاستثمار الجديدة ذات العائد 25%، تحويلا من الدولار من الخارج، مع ضمان تحويل قيمة الشهادة وفوائدها إلى الدولار مرة أخرى، بسعر التحويل نفسه عند شراء الشهادة، ويكون هذا الضمان مقابل خصم 15% من العائد ليصبح الأمر كما لو كان هذا المواطن قد اشترى شهادات دولارية بعائد قيمته 10% سنويّا، وهو عائد أعلى بكثير مما يمكن أن يحصل عليه من أي بديل آخر، ويقدر صاحب الاقتراح الحصيلة المتوقعة بحوالى 10 مليارات دولار. وفي الإطار نفسه، فإنه يمكن النظر في اقتراح آخر، أسوقه من جانبي، وأدعو الصديقين العزيزين الدكتور محمد معيط وزير المالية، والفريق أسامة ربيع رئيس هيئة قناة السويس، إلى النظر في وجاهته، من الناحية التطبيقية، ويتمثل في إبرام اتفاقيات ما بين هيئة قناة السويس (إيراداتها السنوية 8 مليارات دولار) وخطوط الملاحة العالمية، وتتضمن الدفع المُعجَّل، من قِبَل هذه الخطوط الملاحية، لجزء من رسوم العبور المتوقعة في السنوات الخمس المقبلة، بحيث يتم تحصيلها من الآن، ويتبقى الجزء الآخر ليتم سداده في مواعيد العبور الفعلية، وتصوري أنه بهذا الاقتراح يمكن تدبير من 5 إلى 10 مليارات دولار بشكل عاجل بواقع مليار إلى 2 مليار دولار عن كل عام من الأعوام الخمسة المقبلة، وفي ظنى أنه اقتراح قابل للتطبيق، خاصة أن خطوط الملاحة العالمية تسيطر عليها حاليا ستة أو سبعة تحالفات كبرى، من السهل التفاوض معها مجتمعة، ولا أتصور وجود صعوبات كبيرة في إقناعها، ولا أتصور أيضا الحاجة إلى ضمانات حكومية (من الخزانة العامة) إنما تعهدات فقط من قِبَل هيئة قناة السويس بأنها تسلمت جزءا من رسوم العبور مقدما، وتتم التسوية في السنوات اللاحقة.

زيارة ملهمة

ما هو المعنى الحقيقي للحوار المباشر بين الرئيس السيسي وشباب محافظة سوهاج، الذي لم يكن مجرد حوار بين قائد وشعبه، وإنما كان أكثر من هذا بكثير؟ معناه من وجهة نظر مرسي عطا الله في “الأهرام” أن هؤلاء الشباب «ذكورا وإناثا» كانوا يبحثون عن رئيس يعكس صورة رب الأسرة، فلما التقوه وجها لوجه تفجرت مشاعرهم وأحلامهم وأفكارهم بكل الصدق وبكل التلقائية. إن ما طرحه شباب سوهاج على الرئيس من أفكار مدهشة بمثابة تأكيد جديد على أن محافظات الصعيد، لم تفقد القدرة على الحلم، والتمنى في أن يعود العز والمجد لربوع مصر، كما كانت في الماضي البعيد، بل أكثر مما كانت عليه هذه الأرض الطيبة جنوب الوادي عندما صدرت الحضارة إلى كل شعوب العالم قبل آلاف السنين. كانت أفكار شباب سوهاج بمثابة ميلاد جديد لروح جديدة تسكن في عقل وصدور أهل هذه المحافظات التي استبشرت بالالتقاء برئيس يمسك بيدها، وبمقدوره أن يقودها إلى ما تحلم به، رغم الأنواء والعواصف التي تضرب العالم كله في هذه المرحلة الصعبة من تاريخ البشرية. كان إحساس الشباب بزيارة السيسي لهم في عقر دارهم أن قائد معركة البناء والتنمية رأى أن يذهب إليهم باعتبارهم خط القتال الأول والأهم في معركة البناء والتنمية التي تتصدر أولويات العمل الوطني في هذه المرحلة. لقد وصلت الرسالة الرئاسية لمحافظات الصعيد عبر بوابة سوهاج، ومفادها أن خريطة التنمية في مصر وضعت محافظات جنوب الوادي على صدر أولوياتها، ولن يطول الوقت اللازم لكي تستعيد محافظات الصعيد كامل عزها ومجدها، وتطوى صفحات الظلم والظلام التي مرت بها، ولكنها ـ والحمد لله – لم تسلبها أحلامها المشروعة في حياة كريمة.

عودة القاتل

عاد نتنياهو يتصدر المشهد رئيسا للحكومة الإسرائيلية، وبين نتنياهو والشعب الفلسطيني، كما أوضح فاروق جويدة في “الأهرام” تاريخ طويل من الإرهاب.. فقد مارس في سنوات سابقة كل ألوان القتل والطغيان ضد الأبرياء في الأرض المحتلة، وبينه وبين الشعب الفلسطيني عداء قديم.. وقد عاد لكي يمارس مسلسلا جديدا ضد كل محاولات السلام.. وكان أول مؤشرات هذا العدوان المقبل اقتحام وزير الأمن الإسرائيلي بن غفير للمسجد الأقصى مع قوات الشرطة، في مشهد حرك الشارع الفلسطيني.. وعادت مرة أخرى دعوات للخروج والمواجهة في كل الأراضي المحتلة، ويبدو أن عودة نتنياهو للسلطة سوف تعيد المواجهة إلى صورتها الأولى وقد تكون بداية الانتفاضة الثالثة، خاصة أن اقتحام المسجد الأقصى شهد في سنوات مضت أعنف المواجهات بين إسرائيل والشعب الفلسطيني.. ورغم بيانات الشجب والإدانة التي صدرت من حكومات عربية ضد اقتحام المسجد الأقصى، إلا أن هناك تغيرات حادة في الموقف العربي تفرض على الشعب الفلسطيني أن يواجه إسرائيل وحده، ما يجعل الموقف الإسرائيلي أكثر عنفا وتشددا.. نتنياهو يختلف كثيرا عن القادة الإسرائيليين فهو يكره كل ما هو فلسطيني، ويرفض إقامة الدولتين، ولا يعترف بحق العرب في أرض فلسطين بما في ذلك المسجد الأقصى، وهو يخص العالم الإسلامي كله وليس الشعوب العربية فقط.. لم تكن المرة الأولى التي يقتحم فيها وزير الأمن الإسرائيلي المسجد الأقصى، ولكن الجديد في الأمر أن الشعب الفلسطيني يقف الآن وحيدا في المعركة.. وقد اتفقت كل الفصائل على أن تنهي خلافاتها وتوحد كلمتها وتعيد للمقاومة شرعيتها ووجودها أمام إصرار إسرائيل على رفض إقامة الدولتين والاستيلاء على القدس بما فيها المسجد الأقصى. لقد أدرك الشعب الفلسطيني أن المقاومة هي حقه المشروع في استرداد أرضه وإقامة دولته.. ويبدو أننا أمام عالم جديد سوف يفرض على الشعب الفلسطيني أن يعيد ترتيب مواقفه، ويفتح الأبواب أمام قوى المقاومة لأن العالم مشغول بقضايا أخرى ولن يسمح الشعب الفلسطيني أن تدخل قضيته في دائرة المؤجلات مرة أخرى.
الشيخ وخصومه

أن تنتقد أعمال أي شخص، هذا حقك، أما أن تتطاول عليه وتسبه وتحقر من شأنه فهنا تدخل تحت طائلة القانون والعقوبات الجنائية، لأنك وفق ما يرى الدكتور محمد حسن البنا في “الأخبار” خرجت عن النقد المباح، إلى السب والتجريح. هذه قاعدة أخلاقية ويؤكد عليها الدستور والقوانين المصرية. وأضم صوتي لصوت الشيخ العاقل الدكتور أسامة الأزهري في ما قاله في القضية المثارة على السطح حاليا، بشأن الهجوم على فضيلة الإمام الشيخ محمد متولى الشعراوي. على الرغم من مرور 25 سنة على وفاته. ليست لدينا قداسة في الإسلام سوى لله وكتابه الكريم ورسوله صلى الله عليه وسلم، إنما لدينا احترام وتوقير لكل مجتهد ولكل رمز من رموز الدولة. وكما روى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم (إذا اجتهد فأصاب فله أجران وإن اجتهد فأخطأ فله أجر). ومن وجهة نظرى فضيلة الإمام الشعراوي، رحمات الله عليه اجتهد وكان عالم عصره الأول، واستطاع أن يقدم للناس أوجه التفسير السليم للقرآن الكريم، كما ساهم في وأد الحركات المتطرفة، وأشهد له بأننا في سبعينيات القرن الماضي تحدث بقوة ضد التطرف والمغالاة في الدين في محاضرته الشهيرة في قاعة الاحتفالات الكبرى في جامعة القاهرة، حيث كانت الجماعات الإسلامية تدعو للتطرف. وكان رحمة الله عليه وسطيا، يقدم الفكر الديني بأسلوب السهل الممتنع. وإذا كانت للإمام الراحل آراء مختلفة عما يراه البعض، فإنها ليست محصنة. وللناس أن تقبلها أو ترفضها. أنت ستقف امام الخالق وحدك، يحاسبك عما تعمله أو تفكر فيه، أو تضمره في قلبك. كما ستحاسب عن نواياك في تقليب الامة على فكر رجل اجتهد بقدر علمه ورحل منذ ربع قرن. أما قلة الأدب والتطاول على الناس بمن فيهم الإمام الشعراوي، فهذا تحكمه سيادة القانون. ولا تنس إنك حين تهين رمزا من رموز الأمة، فأنت تضرب القوة الناعمة المصرية في مقتل. وتحط من رموزها أمام الخارج. وتزعزع الثقة في ما تقدمه مصر من علماء ومفكرين ومبدعين. أرجو أن يتغلب صوت العقل والقانون في هذه القضية.

خليفة بوتين

ما المستقبل السياسي لرجل الكرملين القوى فلاديمير بوتين؟ السؤال كما طرحه عبد الله السناوي في “الشروق” كامن في الجو السياسي تحت نيران الحرب الأوكرانية المستعرة. هناك رهان غربي على إطاحته وإذلال روسيا نفسها، لكنه شبه مستحيل. قرب نهاية العام الماضي كانت لافتتا التصريحات غير المعتادة في درجة تشددها وحدة لغتها، التي أطلقها الرئيس الروسي السابق دميتري ميدفيديف عن مسار الحرب ومستقبلها والاستراتيجية التي ينبغي أن تتبعها موسكو وتنبؤاته لما قد يحدث في المستقبل. بالنظر إلى موقعه الحالي نائبا لسكرتير مجلس الأمن القومي الروسي، الرجل الثاني بعد بوتين، في أعلى وأقوى هيئة سياسية وأمنية روسية، فإن تصريحاته تكتسب أهميتها ورسائلها. خروجه إلى الضوء مجددا بدا مثيرا بذاته، وتصريحاته المتشددة استدعت تساؤلا غربيا عن دواعى تحولاته من «تكنوقراطي لطيف ودود مع الغرب، إلى صقر حرب مجنون؟» بتعبير مجلة «فورين بوليسي» الأمريكية. لم يكن من الصعب استنتاج أنه يهيئ نفسه لدور في المستقبل بعد أكثر من عقدين لبوتين في السلطة. إذا وضعنا في الاعتبار أن بوتين يفكر حسب تقارير أولية في عدم التمديد لرئاسته بالانتخابات المقبلة عام (2024) واستحداث منصب جديد تعلو كلمته فوق كلمة الرئيس دون أن يكلف نفسه مهامَّ تنفيذية، فإن ميدفيديف هو خليفته المنتظر. نحن أمام إعادة تأهيل جديدة لميدفيديف ودوره والصورة التي يجب أن يكون عليها، صقرا جديدا في الكرملين، يضمن استمرار «البوتينية السياسية» تحت قباب الكرملين. ميدفيديف آخر غير ميدفيديف القديم.. مخالب الصقر لا أجنحة الحمام. في المرة الأولى، التي تولى فيها الرئاسة الروسية بين عامي (2008 ــ 2012) بدا خيارا مأمونا للزعيم الروسي لتجاوز العائق الدستوري الذي لم يكن يسمح في ذلك الوقت برئاسة ثالثة على التوالي. أدى دوره بانضباط كامل تحت ظل بوتين، لكنه أعطى رسالة للغرب أنه أميل إلى علاقات أفضل معه، وأكثر سماحة وليبرالية.

البوتينية السياسية

هذه المرة والكلام ما زال لعبد الله السناوي ربما يفكر بوتين في إسناد الرئاسة إليه لكن بصورة مختلفة، تحت سقف البوتينية لا في شراكة شكلية كما جرى سابقا. نحن أمام صقر جديد، يتحدث بأكثر مما هو معتاد من رجال الكرملين الآخرين، يرسم خطوطا عريضة في إدارة الصراع على وجهيه العسكري والسياسي، ولم يكن ذلك ممكنا دون أن تكون هذه هي أفكار بوتين نفسه. مالت تصريحاته عن صورة العالم (2023) إلى التشاؤم المفرط فنحن «على شفا حرب عالمية ثالثة، أو كارثة نووية». كان ذلك تلويحا جديدا بالخيار النووي، بعدما توقفت موسكو عن الإشارة إليه تصريحا أو تلميحا. الكلام فيه تشدد غير معتاد من صاحبه وطلب ضمني بالتهدئة للتوصل إلى حلول سياسية وأمنية، لكنه أكد حتى لا تفهم رسالته على نحو خاطئ، أن أهداف العملية العسكرية الروسية، التي أطلقت قبل نحو عام، سيتم تحقيقها. «النظام الحالي في كييف لن يكون له وجود». كان ذلك التصريح داعيا للتساؤل عما إذا كان ورقة تفاوضية، أم خيارا استراتيجيا. «الاتصالات مع أوكرانيا عبثية»، بدا ذلك التصريح كأنه يغلق باب التفاوض. هذا استنتاج متسرع، فموسكو المنهكة تحت ضغط الحرب وخسائرها والعقوبات المفروضة عليها تطلب التسوية، لكنها لا تريد أن تتراجع عن مطالبها الأمنية التي دعتها للتدخل. الأمر نفسه على الجانب الآخر، فالولايات المتحدة غير مستعدة لأي تراجع عن مطالبها. «أوكرانيا بلد ضائع يبحث عن هويته، وقياداتها أشخاص لا يتمتعون بهوية ذاتية مؤكدة».. «يجهلون أصولهم التاريخية ومن أي أعراق انحدروا، حائرون أمام احتمالات أن يكونوا أوكرانيين، أم أوروبيين أم تتارا أم مجريين أم يهودا». «أوكرانيا سوف تختفي». كان ذلك توقعا أقرب إلى نوع من التعسف في قراءة التاريخ الأوكرانى وتعقيدات الموقف الحالي. أراد بتصريحاته أن يثير قدرا من الرعب الفكري والسياسي والاستراتيجي متوقعا في السياق انهيار الاتحاد الأوروبي ودخول الولايات المتحدة في حرب داخلية. هناك أساس ما يسند توقعاته، لكنه حملها على أمنيات مفرطة. يتوقف الصعود المحتمل لميدفيديف على تطورات الحوادث في الحرب الأوكرانية. إذا ما صبت نتائج الحرب بدرجة أو أخرى لصالح بوتين فإن صعوده سوف يأخذ مداه تحت سقف «البوتينية السياسية».

سؤال أزلي

ثمة سؤال أزلي، يراود مصطفى عبيد في “الوفد”: منذ الصغر، يُشاكسني كل هُنيهة، وما زال يزورني وأنا أعبر نحو ضفة الشيوخ الحكماء، ما سر تخلفنا: شرقا، عربا، مصريين؟ ليس أدل على صحة السؤال من نظرة سريعة على قوائم الحاصلين على جوائز نوبل في الطب، الفيزياء، الكيمياء، والآداب لنُدرك أننا بعيدون. وليس أكثر إقناعا من أن علماء العرب والمسلمين العظام مثل البيروني، وابن الهيثم، وابن سينا لم يتكرروا على مدى ثمانية قرون. وليس أوضح من أن الابتكارات والاختراعات العظمى والاكتشافات العظيمة كافة، لم تولد في بلادنا. يتعدد السؤال المطروح ويتشعب ليأخذ صيغا أكثر شمولا من نوعية: لماذا نعاني انهزاما دائما؟ ولماذا لا ننعم بالرخاء والتقدم؟ ولماذا لا نتمتع بالعدالة؟ ولمَ تنتشر الخرافات لدينا، ويتسع الفساد، ويسود الظلم، ونخسر في الميادين كافة؟ انظروا إلى ترتيب الجامعات في العالم، واسألوا أنفسكم أين جامعات العرب؟ اسألوا عن أفضل مناهج التفكير، وابحثوا عن شخص عربي شارك في وضع أي منها؟ لاحظوا معي أن العرب لم يصنعوا القنبلة الذرية، ولم يقدموا للإنسانية عطاء حقيقيا في مجال الطب، ولم يضعوا نظريات وأفكارا ومناهج علمية، وظلوا مقلدين تابعين مُكررين، مُنشغلين بالصغائر، ومُهدرين أوقاتهم في معارك الكلام. لا أظن أن الأمر مجرد حظ، ولا أصدق أن المناخ الحار في نصف العالم الجنوبي يقود نحو التخلف، ولا أعتقد أن ثمة مؤامرة دائمة لتقزيم العرب وقهر المسلمين، ولا أؤمن بأن الجينات الموروثة بين أجناس العرب تدفعهم إلى الاستكانة والتبلد، ولا أقبل ما يطرحه البعض من أن التراث الديني الذي يحض على الزهد وازدراء الدنيا هو الذي يُجمدنا في أماكننا. كذلك لا أتصور أن قضاء الله وقدره أراد لنا التخلف الدائم، لأن هناك أمما ومجتمعات وشعوبا تبدلت وتغيرت وتطورت وانقلبت أحوالها.

تحالف مشؤوم

مصطفى عبيد انتهى لما يلي: كل ظنوني آثام لأنني أفكر ـ فإن الاستبداد والأحادية السائدة والشائعة هي التي حكمت على كل طارح فكر أو رأي يبدو مخالفا للقطيع بالمروق والخيانة والكفر. وهذه الاحادية ولدت تقريبا قبل ألف سنة عندما قرر الخليفة العباسي القادر بالله إغلاق باب الاجتهاد تماما، لأنه رأى أن هناك تشتتا في المذاهب واختلافا في الآراء الفكرية، وهكذا تحالف الاستبداد السياسي، مع التعصب الديني لوأد العقل العربي تماما، رغم أن الخطاب القرآني عاب على الأمم السابقة مقولة «وجدنا آباءنا لها عابدين». وهذا ما يطرحه كاتب أمريكي فذ من أصول تركية، يعمل أستاذا للعلوم السياسية في جامعة سان دييغو، اسمه أحمد كورو في كتاب صدر حديثا بعنوان «الإسلام: السلطوية والتأخر»، إذ يشير بوضوح إلى أن السر في تأخر العرب والمسلمين هو ذلك التحالف المشئوم بين رجال الدين ورجال السياسة. لقد رسخ الإمام أبو حامد الغزالي فكرة أن الدين والحكم توأمان، واستغلتها السلطة الحاكمة، وحولتها الدولة العثمانية في ما بعد إلى واقع عملي لغزو الأرض وإقامة الإمبراطورية. والحل طويل المدى لكنه ممكن، وهو مهمة أجيال من المفكرين والباحثين والساسة المؤمنين بضرورة التغير ويتمثل في غرس بذور مقاومة الأحادية في الأجيال القادمة، وكسر هذه الأحادية سواء الحاكمة للفكر السياسي، أو للفكر الديني. إن إرساء التعددية هو الطريق لمغادرة التخلف.

نساء مقاتلات

يدخل بعض النسوة السنة الجديدة وفق ما ترى خولة مطر في “الشروق” بكثير من التفاؤل غير المبرر، بل تصر على ذلك التعلق بأن المقبل أجمل وأكثر إشراقا ثم تنهار الرسائل بعد انقطاع من الصديقات.. نعم تلاحظ أن معظمها من صديقات لا أصدقاء. إحداهن في العقد الثالث وأخرى في الرابع أو الخامس أو حتى السابع، تتفاوت الأعمار والتجارب والخبرات والاهتمامات والظروف المحيطة، حتى الجغرافيا مختلفة إلا أن الشكوى أو الحسرة، أو سمها ما تشاء تبقى متشابهة حد التطابق. هن نساء يقلن إن الساعات والأيام والسنين تجري بين أصابع اليد، وتبقى مسؤولياتهن كما هي، بل هن يقلن إن التوقعات منهن تكبر مع الوقت وتتسع معها المسؤوليات أو العتاب إذا تقاعسن أو تعبن أو حتى قمنا بالمسؤولية المطلوبة نفسها، ولكن على طريقتهن. الأصغر تردد تعبت من التوقعات وكثرة المسؤوليات فقط لأنني مطلقة، والثانية ترسل من بعيد رسالة تبدو وكأنها تستنجد «هل أنت في المدينة؟ أردت فقط أن أتحدث لك عن تعبي المستمر الذي أصبح غير محتمل، كم يتوقعون مني، وإلى متى؟ لقد كبرت وأشرفت على الدخول لخانة «العجزة» وما زلوا يطلبون ويطلبون دون مقابل». وتردد «إلى متى؟ لقد تعبت وأتمنى أن تنتهي حياتي هنا». أما الثالثة فتقول «ربيت وعلمت وكرست حياتي لأسرتي والآن بعد أن كبروا ما الذي جنيته؟ وأين هم مني؟». الرسالة الموحدة بينهن جميعا مع اختلافات التفاصيل أنهن تعبن من المسؤوليات وتحمل المزيد، دون أي كلمة شكر أو امتنان، ثم يضاف لكل ذلك الإحساس الدائم بالتقصير. هي الأكثر انخراطا في مجال العمل النسوي تفسر كل ذلك. «هو مجتمع ذكوري حتى النخاع حتى إن أنكر أو تنكر من ذلك». وهي التي منذ سنين عبرت عن أن الرجل مهما تقدم في الفهم واحترام المرأة إلا أنه يبقى ذكوريا يتوقع الكثير منها مقابل فقط وجوده في الحياة، أو حتى أن يكون لها ربما كما كانوا يرددون على مسامعنا في أفلام الأبيض والأسود «ظل راجل ولا ظل حيطة».

حمالة الحطب

النساء اللواتي تهتم بحالهن خولة مطر كلهن متعبات بأحمال شديدة وكلهن مختلفات لا لون ولا فكر ولا شكل ولا سن ولا جغرافيا تجمعهن، إلا ذاك الحمل الثقيل من المسؤوليات والإحساس بأنهن في ساعة العوز لا سند لهن، وحدك تبقين أيتها المرأة في هذا الوطن الممتد. وحدك تحملين تسعة أشهر وتتحملين عناء الولادة الصعبة وآلامها، ثم التربية والمشاركة في توفير احتياجات الأسرة، بل العائلة الكبيرة، أما إذا لم تتزوجي أو كنت مطلقة أو أرملة فاحذري ثم احذري أن تتحولي إلى «حمالة الحطب». نساء في مهب العادات والتقاليد والتوقعات المتراكمة، مطلوب أن تكونى أما وزوجة أو ابنة أو جدة أو موظفة وزميلة في العمل، أو حتى صديقة وعليك أن تكوني على قدر هذه الصفات التي تمنح لك وأن تكوني فوق مستوى الشبهات وإلا فسقوطكِ حتمي ولا ينالك بعد طول تضحية وعناء ونكران للذات سوى مزيد من اللوم أو العتب، وربما كثير من الكلام الأكثر ذبحا من الخنجر. الأم تقول ربيت وتعبت والآن أنا وحيدة إلا عندما يحتاجني أولادي للاعتناء بأطفالهم أو تقديم بعض العون وربما الدعم المادي والمعنوي، والأخت تقول كلهم يرددون لماذا لا تعتنين أنت بوالدنا ووالدتنا فأنت الوحيدة غير المتزوجة أو المطلقة أو الأرملة؟ يحملونها ذنبا لم ترتكبه هي. أما الابنة فويل ثم ويل لو لم تترك عملها وعائلتها ومسؤولياتها وتتفرغ لكل مريض أو متعب أو مهموم وإلا فهي المقصرة، فيما إخوتها الصبيان يستمتعون بحياتهم وإجازاتهم وأوقات راحتهم ووو.

بسبب الحكومة

حالة من الذعر انتبه لها حمدي رزق في “الوفد” سادت خلال الأيام القليلة الماضية في الشارع المصري، حول ما أثير وذكر ونقل عن قانون الأحوال الشخصية الجديد وبعض المطالبات الجديدة على المجتمع المصري. آباء وأمهات وأبناء وبنات وعائلات يسألون عن لجنة الزواج الطبية ولجنة الزواج القضائية، وصندوق دعم الأسرة بمبلغ (حسبما أشيع) من 20 ألفا حتى 30 ألفا، وغيره من بنود ومواد القانون الذي لم يصدر حتى الآن، ولم تتم مناقشته. ولم يتوقف الأمر عند السؤال والجدل، بل شهدت مكاتب المأذونين الشرعيين في أرجاء مصر حالة من التزاحم لحجز مواعيد عقد القران، حتى لمن لم يكن قد فكر في الزواج من الأساس، وبالفعل تضاعفت حالات عقد القران في الأيام الماضية، والكل يحاول تفادي الوقوع تحت طائلة المصاريف والرسوم التي تم الحديث بشأنها لصالح صندوق الأسرة، وهي إن تمت ستكون زهيدة جدا، كما أكد وزير العدل. مشروع القانون حتى هذه اللحظة لم يخرج للنور، حيث تم تكليف لجنة من رئيس الجمهورية لمراجعته ومناقشته، وبعدها ينقل إلى مجلس الوزراء والوزارات المعنية، العدل والأزهر والأوقاف ومجلس الدولة، ثم إلى مجلس الشيوخ للمناقشة وإبداء الرأى عليه، ثم إلى لجان مجلس النواب للمناقشة ثم إلى قاعة مجلس النواب للمناقشة والموافقة ثم إلى رئيس الجمهورية للتصديق عليه، ثم النشر في الجريدة الرسمية، ثم اللائحة التنفيذية للقانون. هذه الأمور تأخذ وقتا طويلا جدا، نعم ولا ننكر، إنه من الممكن سلق القانون، ولكن قانونا مثل هذا لا يمكن تمريره قبل حوار مجتمعي ونقاش مطول، لما له من أثر كبير في المجتمع. ولا أنصح بالعجلة والتعجل والمسارعة للعقد خوفا من القانون حتى لا ننشر الذعر بين الناس. ولا يمكن أن نعفي الحكومة من المسؤولية في انتشار الذعر بهذه الطريقة، فمنذ الحديث عن فكرة صندوق الأسرة واتساع دائرة الجدل، كان يجب أن تصدر الحكومة بيانا توضيحيا شاملا لطمأنة الشارع. وحتى عندما تحركت الحكومة، وكان تحركها متأخرا على لسان وزير العدل، لم تنل توضيحات الوزير ووسائل الإعلام ثقة الشارع، بل استمر الجدل وزاد.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية