شخصنَة المفاهيم

حجم الخط
0

خيري منصور

لاحظت في أكثر من مناسبة، أن هناك ميلا عربيا لا يخلو من افراط نحو شخصنة الأفكار والمفاهيم، بحيث يبدو المستوي التجريدي لأية ظاهرة ملتبسا، وملغوما بامكانات التأويل والتقويل الي ما لا نهاية، وهنا سأورد مثالا قد يصلح مفتاحا لهذا القفل الذي أوشك الصدأ أن يسمل عينه الوحيدة، فقبل فترة ساهمت في ورشة عن الراحل ادوارد سعيد، ولأن الرجل ليس أكاديميا لامعا فقط، بل هو مثقف موسوعي بالمعني الدقيق كان لا بد لمقترباتي من أعماله أن تتسلح بمعرفة تحررني من الوقوع في شرك القراءة الأفقية لصالح استقراء به قدر من التفكيك الذي طالما مارسه سعيد نفسه في كتابات مضادة للامتثالية والسائد والمقرر، ثم فوجئت بأستاذة جامعية تسألني عما اذا كنت مع ادوارد سعيد أم ضده؟ وكان صعبا علي أن أجيب علي نحو مباشر، وأدركت علي الفور لأن ظلال المانوية الفكرية وامتداداتها لا تزال ماثلة في الوعي واللاوعي، وأن الثنائيات الداجنة وغير الجدلية تمارس سطوتها القديمة، وكان علي من باب اللياقة علي الأقل أن اهتدي الي اجابة مجازية، وقلت للسيدة بأن احترامي لها ولمن معها من الحضور دفعني الي أن أقول بأن الجو بارد جدا خارج القاعة، لكنني لم أضف، ناصحا باستخدام المعاطف، أو التريث قليلا قبل الخروج الي الشارع، وبدت الاجابة ضربا من الاستطراف الذي لا يليق بالمقام، وكان علي أن أذكر أبناء وبنات جيلي علي الأقل من الحضور بثقافة الستينات والسبعينات من القرن الذي سقط ولم يسقط، وهو القرن العشرون أقصر القرون في التاريخ بمقياس وأطولها بمقياس اخر.

انها ثقافة أنصار عبد الحليم حافظ وفريد الأطرش كما كانت ترسخها مجلات وصحف واذاعات عربية، وهي ثقافة المباريات الرياضية بين الأندية التي تحولت علي أحزاب ومن ثم علي أيديولوجيات، وسقط من سقط في الاشتباكات التي كانت تعقب المباريات.

انها أيضا ثنائية اليسار واليمين والشرق والغرب والرجل والمرأة والبحر والصحراء والملوك والصعاليك، والجمال والقبح، الخ، فالبعد الثالث محذوف بالسيف الأصدق انباء من الكتب حسب المفاضلة التمامية الشهيرة في ذاكرتنا الأدبية!

هذه الثنائيات وظلالها وتجلياتها عبر الأزمنة هي حاضنة الشخصنة بامتياز، وقد تكون ثقافة النميمة قد ترعرعت أيضا فيها، لأن حذف البعد الثالث يحول الاخر الي صديق كامل أو عدد كامل، مثلما يحول المرأة الي حبيبة تنوء بقصائد المديح الذكوري أو عدو له مكر ثعبان!

ان التجريد مرحلة عليا من الافراز الذهني لأنه تقطير لكثافة الخبرة، وبالتالي تجاوز الاحاد المبعثرة والي الظاهرة، وقد تكون حتي التقارير التي يكتبها الأطباء عمن يموتون تحت أيديهم قد بلغت مستوي من التجريد لم تبلغه بعض مستويات الثقافة، لأن الطبيب لا يقدم قائمة طويلة تتضمن موت الأعضاء كلها بدءا من الدماغ مرورا بالقلب وليس انتهاء بالبنكرياس ولو شاء طبيب أن يكتب تقريرا مفصلا عن ميت لقدم ألفية أبو قراطية توازي ألفية ابن مالك لأنه سيذكر الأصبع الميت والأذن الميتة والأمعاء الميتة والكلي الميتة الي آخر هذه المتوالية التي قد تستغرق مجلدا كاملا، وحين احتج كاتب واقعي علي طريقته علي واقعية الأسود والأبيض، طلب من قارئه أن يتخيل شخصا يحمل كاميرا من طراز سحري، تصور الانسان وهو يتنفس وتصور تلافيف دماغه وأعصاب أعصابه، لهذا لم تكن هناك واقعية واحدة، بل عشرات الواقعيات، بدءا من الطليقة التي سماها غارودي بلا ضفاف الي تلك الفوتوغرافية المشلولة التي تحول الكائن الحي الي دُمية!

وأذكر أن بيكاسو رسم بورتريه لسيدة فاحتجت قائلة أنه لا يشبهها، فأجابها بيكاسو، انه يشبهك تماما، بل هو أنت لكن من الداخل!

هذه الأمثلة وسواها تقفز الي الذهن كلما أثارت مناسبة ما هذا النزوع الشديد نحو الشخصنة، والضيق بالمفاهيم، لأنها تنحو باتجاه التجريد، الذي لا يتحقق الا في مراحل متقدمة من الحضارات وأنماط التفكير والابداع.

لهذا كان من المتوقع أن تهاجر الشخصنة وثقافة النميمة من مستوي الي آخـــر في حياتنا فهــي ثقافــــــية بقدر ما هي سياسية وايديولوجـــية بحيث ينتهي الحزب الي شخص واحد يجسده ويتحول من خلاله الي طاغية معصوم الي أن تخترق السهام عقب أخيله!

وقد تكون الشخصنة بمعني توثين الفكرة هي توأم الترميز، لا بالمعني الفلسفي بل بالمعني المتداول في عصرنا، اذ سرعان ما يصبح شخص ما في السياسة أو الثقافة رمزا يجب أن يحصن ضد النقد، ويجب أن تتلخص فيه القداسة كلها، ولسنا بحاجة الي البرهنة علي تزاوج الطوطمية مع الفيتشيا في هذه المقالة ومنذ السطر الأول بطرق باب آخر، يوضح الفارق المعرفي بين الشخصنة والمفهوم فالموسيقي فن زماني بامتياز بقدر ما هو مجرد، ومن ترتب آذانهم علي موسيقي مقترنة بالكلمات، بل خادمة لها قد يعسر عليهم التدريب علي الاصغاء للموسيقي الخالصة، تماما كما أن الجمهور الذي لا تشكل الثقافة الفنية بعدا جديا في ثقافته يسأل الفنان ما الذي أراد أن يقوله في هذه اللوحة أو تلك!

واذا كانت أفضل وسيلة لشرح معزوفة موسيقية هي اعادة عزفها فان أفضل وسيلة للتعامل مع لوحة هي اعادة النظر اليها وعدم ترجمتها من تجريد لوني الي كلمات!

يقدم التاريخ أيضا أمثلة عديدة علي الانزلاق نحو الشخصنة، بحيث تتحول الوقائع المعقدة الي سرديات تختزلها، لهذا كان قراء التاريخ لفترة طويلة من الوقت يصدقون ما سمي نظرية لو في التاريخ، كالسؤال مثلا عن أحداث النصف الأول من القرن العشرين لو كان تشرتشل قد مات بحادث سير وهو طفل، أو لو أن الفلاحين الفرنسيين لم يلقوا القبض علي لويس أو لو مات ماركس طفلا بالحصبة الألمانية؟ وثمة اختزالات أخري حولت التاريخ الي مجرد حكايات ترويها الجدات لأحفادهن قبيل النوم، منها أن حربا دامت سبعين عاما اندلعت بسبب قصة حب، أو استعمالا دام أكثر من قرن كما حدث في الجزائر بسبب ضربه بمروحة ورقية.

والناس مفطورون علي هذا النزوع للتلقي الاستهلاكي السهل، لهذا فان كتب التاريخ المبسطة والمشخصنة، هي الأكثر تداولا لأن هناك من يفضلون سببا واحدا لسقوط الامبراطورية الرومانية وهو عدم اكتشاف البنسلين كي لا يورطوا أنفسهم بعدة مجلدات كتبها المؤرخ جيبون عن سقوط تلك الحضارة!

وأذكر أن مدرسي التاريخ في مدارسنا الابتدائية كانوا يكتبون بالطبشورة البيضاء علي اللوح الأسود خمسة أسباب لسقوط الدولة الأموية، ومثلها لسقوط العباسية، وما نخشاه أن تستمر الذهنية ذاتها، فلا يبقي من أسباب سقوط بغداد سوي سببين أو ثلاثة لا علاقة لها بأي سقوط أو نهوض.

وبالرغم من عدم تقبلنا للتفسير الذي يقدمه غروبنادم لغنائية المؤرخين العرب، والاسقاطات التي ساهمت في الحذف والاضافة والشخصنة الا أن بعض الأمثلة التي يوردها ومنها مثال ابن الأثير تبدو قابلة للفهم او لاثارة الأسئلة في الأقل!

ان الافراط في الشخصنة والادبار عن المفاهيمية هو دفاع عن كسل ذهني وتفكير رغائبي، وطلب ايمان العجائز قد يليق بقلوب يفعمها الرجاء بالعثور علي علة لهذا الوجود كما هو الحال لدي الغزالي، لكنه لا يليق بمن يتناولون ظواهر انسانية، واشكاليات متعلقة بعلمي النفسي والاجتماع وبالفكر السياسي ايضا!

والبحث عن معادلات حسية لأفكار مجردة هو مهمة مبدع لا باحث، وربما كان العكس هو الأصح قدر تعلقه بالتحليل والاستقرار فالابتداء من جذر الشجرة ينتهي الي الأغصان والعناقيد والأعشاش، لكن الابتداء المعكوس باتجاه الجذر يخلق أشجارا شروشها تتأرجح في الهواء.

سيكون مجرد رجاء عقيم انتظار ذهنية غير مدربة علي التجريد كي تحول الفحم الي ماس، والرمل الي زجاج، فالأمر ليس مجرد انتقاء هذا النمط، أو ذاك من التفكير لأن لكل عقل عاداته ايضا، وقد يصبح أسير عاداته الي الحد الذي يفقده أي هاجس للمغامرة أو اجتراح طريق آخر غير الطريق العام والمعبد والذي وقعت فيه الحوافر علي الحوافر حتي حجبت حقيقته وتضاريسه!

وثمة سؤالان يتكرران يوميا وعلي مدار الساعة هما، قل لي ماذا تقصد، ولماذا لا تبدأ من الأخير؟

انهما يفضحان تربويات النميمة وثقافتها التي تأسست علي التلصص والانتهاك، ونفاد الصبر الذي يؤدي الي ادمان كل ما هو فج ونيء! المفاهيمية، تقطير، واستنباط لأنها تجوهر العارض، وتحرر الذهن من فلول الشخصنة وأشباح العهود الرعوية!

وهي وحدها التي تحل النزاع المزمن بين الثنائيات المتقابلة لأنها تضيف بُعداً ثالثا لا يكون فيه الانسان خيرا خالصا ولا شرا كاملا!

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية