يَحدثُ أن تتابع عملاً تمثيليا، سواء كان مسرحية أو فيلما أو مسلسلاً، فتثيرك إحدى الشخصيات! واردٌ جدّا أن يكون أداء الممثل للدور الذي يؤديه هو ما أعجبك! أو قد تكون أبعاد الشخصية هي من ألهمَتْك! أو ربما تلامس شبهًا بين أحداث جرت معك في الواقع وبين ما يحدث في العمل الذي تتابعه.
والدراما التركية في مجملها دراما واقعية تحاكي أحداثا جرت أو تجري في الواقع؛ ذلك ما يلاحظه متابع هذا المسلسل الاجتماعي العائلي ذو الثلاثة أجزاءٍ، المذبلج للهجة العربية السورية، كتبته السيناريست التركية «يلديز تونيك» وأخرجه الثلاثي «جودت مرجان» و«ألتان دونمز» و«أوركون شاتاك» وأنتجته مؤسسة « إنديمول شابن تركي».
باختصار شديد يتلخص سيناريو المسلسل الطويل المثير للعواطف والمؤججة للمشاعر في خطأ نادر وخطير حدث في المشفى، التي وُلِدت فيها بنتان في اليوم نفسه والساعة نفسها، وتشاء المصادفة أنّ لَقَبَيْ عائلتيهما متشابهانِ حدَّ التطابق؛ فلقب عائلة البنت الأولى «غصون» هو « ُولبِنار» ولقب عائلة البنت الثانية «هزار» هو « ُوربِنار» فتقوم الممرضة –مخطئةً – بتبديل البنتين بسبب هذا التشابه لتمنح عائلة «ُوربِنار» المولودة غُصون، وتعطي عائلة «گُولبِنار» المولودة «هزَار».
يتطلب اكتشاف هذا السّر مرور خمس عشرة سنة حتى يتم إخبار كل عائلة أنها رَبّـَت بنت الأخرى؛ عائلة «گُولبِنار» تعاني التشتت والظروف المعيشية القاسية، بعد أن تخلى عنها الأب الأناني المستهتر وهاجر إلى ألمانيا هربا من المافيا التي تطالبه بتسديد ديونه المتراكمة بالفائدة، الديون التي ستسدّدها الأم الشابة «ياسمين» عن طريق العمل لساعات طويلة كل يوم تاركة بنتها «هزَار» لوحدها أغلب الأوقات، ما سيؤثر على شخصيتها سلبيًا حتى أصبحت تعاني من اضطرابات نفسية تدفعها لارتكاب حماقات كثيرة. أما عائلة «گُوربِنار» فهي إحدى أغنى العائلات الاسطنبولية وتنتمي للطبقة المخملية الثرية جدا، بأبٍ مثالي «جهاد» وأم كذلك «ديالا» بالنسبة لابنيهما «غُصون» و»غسّان».
بسبب خطأ الممرضة إذن! تنقلب حياة العائلتين جذريا ويصبح مصيرهما مرتبطا إلى الأبد رغم أنهما عائلتان تنتميان لعالمين منفصلين، وهي القضية التي أثارت فضول وشغف المشاهدين وشدّتهم لمتابعة المسلسل ليعرفوا كيف ستتعامل الأسرتان مع هذا المستجد الطارئ.
رجل أعمال
كما بدأنا الكلام عن الشخصية الملهِمة التي تثير المتلقي، فإننا سنخصص ما يأتي لنتحدث عن أبعاد شخصية الأب «جهاد گُوربِنار» الذي أدّى دوره الممثل التركي «إركان بيتيكايا؛ رجل أعمال ثري يملك سلسلة فنادق ومطاعم فاخرة منتشرة في العالم باسم «أسود أزرق» صادقٌ طيّب متسامح مُحِب للجميع خاصة أولاده الذين لا يتوانى للتضحية بنفسه فداءً لحياتهم واستقرارهم. هو ناجح في عمله ولكنّه غير سعيدٍ في حياته الشخصية بعد انهيار زواجه.
كان أبًا لفتاة واحدة وفتى واحد، فأصبح أبا لفتاة أخرى هي «هزار» التي حرص على ألّا يراها تشعر أنها غريبة عن العائلة بالرغم من المشاكل الكثيرة التي اصطنعتها بسبب غيرتها من «غصون» المدلّلة لدى أبيها بحيث يناديها (أميرتي الحلوة، أجمل بنت في العالم…) لكنه كان يحرص دائما على المساواة بين الفتاتين؛ فأول ما فعله بعد اكتشاف سر تبديل البنتين هو البحث عنها أي «هزار» ومن ثم ألْحَقها بالمدرسة نفسها التي تدرس فيها «غصون» وقدم لها بطاقة الهوية الجديدة بعد أن قام بتسجيلها في القيْد المدني على اسمه ونسبه.
تستمر البنت «هزار» بافتعال الأزمات والمشاكل ويستمر الأب «جهاد» في حلّ تلك المشاكل التي ما فتئت تنتهي حتى بعد أن استنفد جميع الحلول الممكنة لإصلاحها؛ ومنها أخذها إلى الطبيب والخبير النفساني ليساعدها في تجاوز صعوباتها النفسية لتطمئن وتتأقلم مع الحياة الجديدة، وهو ما سينجح هذا الأب فيه أخيرا بعد أن يُخلِّصها من تهمة قتل رفيقها «خلدون» إذ ستشكل هذه التهمة صدمةً مروِّعة لها، ستدعو الله أن ينجّيها منها لتصبح بعد ذلك فتاة أخرى نموذجية في التصرف مع كل من هم حولها، حتى أنها أصبحت رئيسة قسمٍ في أحد فروع الشركة وصارت تُبلي جيدا في منصبها.
خطأ «غصون»
أما «غصون» الفتاة الهاوية لرياضة ركوب الخيل، المحبوبة المطيعة فستبقى كذلك إلى أن ترتكب غلطة فادحة بزواجها من رفيقها «عزيز» الذي يرفضه «جهاد» بسبب مشاكله مع المافيا وحمله المسدس رغم كونه شابا خلوقا ونظيف القلب. بعد عودة «جهاد» من عُزلته وسفره بداية الجزء الثالث ستحاول «غصون» أن تطلب الصفح والسماح منه، ولكنه يرفض ولَوْ بعد معرفته أنها حامل! لأن جُرحه لم يلتئم بعد؛ فقد شعر بطعنة غائرة في ظهره فُطِر قلبه على إثرها، إنها حرمته من أكبر فرحة يفرحها أيّ أبٍ بزواج ابنته بعد موافقته طبعا.
يشاءُ القدر أن تُصاب «غصون» بمرض نادر، فتتحرك الأبوّة الراكدة في وجدان «جهاد» الذي سيسامحها ويضمها ضمة أبٍ متعاطفٍ خائفٍ على حياة ابنته، ثم يبدأ في جمع معلومات عن داء «باركنسون» ليصل إلى أفضل طبيب يمكن أن يعالجها.
«غسّان» الابن البكر لـ «جهاد» مراهق متوتّر، لذلك يبدو دائما على خلاف مع أبيه؛ غير أنه كلما أخطأ لا يجد من يُخرجه من مآزقه إلا أباه المتعاطف دائما معه، لا يوبّخه بسبب أغلاطه ولكنه يعاقبه أحيانا بمنعه من الخروج ليلا أو بسحب البطاقات المصرفية منه لمدّة محدّدة.
الأجزاء
في الجزئين الأول والثاني «غسان» يقضي وقته بين الجامعة والأصدقاء ولا يهتم للمال والثروة التي يملكها والده، لأنه تربّى على أن كل شيء ملكه، وفي الآنِ ذاته يتعين عليه الاعتماد على نفسه وعلى مؤهلاته ولا يستعلي على العمل مهما كان دخله بسيطا، سيّما وأن أباه لا يؤمن بالواسطة وقد بدأ من الصفر ولم يكن يملك سوى العزيمة وإرادة النجاح وتجاوز الفشل.
في الجزء الثالت ستتخذ علاقة «جهاد» و»غسان» منحى جديدا؛ فالابن نال ثقة أبيه الذي منحه أسهما بنسبة 10 في المئة في مجموعته السياحية وبدأ يتحمل مسؤوليةً بصفته مديرا تنفيذيا، بمساعدة المحامي صديق العائلة «عصام» وبتوجيهات من «جهاد» فيما يخص التحديات الكبرى. وبالرغم من الأزمات الكثيرة التي حدثت بينهما إلا أن الأبَ دائما ما سعى إلى استعادة ودِّ ابنه وتلطيف الجو وتقوية الروابط العاطفية بينهما، فهو يكرر دائما في مشاهده مع صديقه «عصام» أن هذا الولد هو حياته ولا يقوى تخيُّلَ أنه قد يضِيع منه.
من صفات الأب المثالي «جهاد گُوربِنار» أنه ورغم تمزّقه وأحزانه الشخصية، لا ينسى أولاده فهو يحاول باستمرار الاعتناء بهم ومساعدتهم على تحقيق أحلامهم، مُبديا رأيه المبني على تجارب وخبرة حياتية طويلة. مشاهدٌ عديدة يتحدث معهم ويُنصت إليهم ويوجّهُهُم إلى تصويب أخطائهم. ولأنه يَعلم أهمية حرص الأبِ على إدخال الفرح والسُّرور على قلوب أبنائه، فإنه يسعى لأن يكون عادلاً بينهم؛ يتجلى هذا عندما اقترب «غسان» من بلوغ ثمانيَ عشرة سنة حيث أهداه سيارةً أعجبته كثيرا، لكنه اشترط عليه عدم قيادتها قبل الحصول على رخصة قيادة. كما أهدى لــ «غصون» خيلا أصيلا فرِحت به جدّا وسمّته «كراميل» بعد أن فقد حصانها «عنبر» الكثير من سرعته في السباقات. أما «هزار» فاشترى لها منزلا سرّها جِدّا كأول هدية من والدها بعد عودته. هي حقًّا علاقة أبوّةٍ شديدة التفرّد والعذوبة في واحد من أهم أعمال الدراما التركية في آخر عشر سنوات.
الممثل الرائع الأنيق «إركان بيتيكايا» في مسلسل «حُطام» لم يكن أبًا فقط، بل كان سندا لعائلته كلّها ومعلِّما حكيمًا لأولاده في العديد من المشاهد، رغم أن أباهُ هو نفسه ليس أبًا جيدا، فليس كل الآباء يطمحون لأن يكونوا آباء مثاليين، لكن!
ما أحوج الأطفال والأبناء لآباء كهذا الأبِ الفريدِ الذي يستحق بالفعل كلمة «أبي».
جامعة ابن طفيل – المغرب