رحيل ناعم وحضور كالمسك القاهرة ‘القدس العربي’ من كمال القاضي:
برغم أن الرحيل جاء مفاجئاً ومتزامناً مع ظرف سياسي بالغ الأهمية والدقة، إلا أن ردود الأفعال تجاه وفاة الفنانة وردة الجزائرية جاءت ساخنة وانفعالية الى حد كبير. فقد أصيب جمهورها المصري العريض بصدمة حال سماعه نبأ الفراق وظل يترقب تكذيب الخبر، إعتقادا منه أن ثمة شائعة مغرضة انطلقت كسابقاتها من الشائعات التي لاحقت فنانات أخريات وثبت كذبها، وربط الكثيرين بين الخبر المؤسف وبين ما أشيع في الأيام الأولى لثورة 25 يناير عن رحيل الفنانة الكبيرة صباح الذي سرعان ما تم نفيه بتأكيد أن الشحرورة لا تزال بخير وتتمتع بصحة جيدة، هذا الأمر جعل الشك يساور الغالبية من الناس في أن يكون خبر وفاة وردة حقيقيا، لذا التف عشاقها حول التليفزيون يقلبون في القنوات الفضائية عساهم يسمعون شيئاً مختلفاً يتجاوب معه إحساسهم الرافض لرحيل آخر وردة في بستان الطرب الأصيل.
لقد تأكد الخبر بعد أن تناقلته جميع وسائل الإعلام فسادت حالة من الوجوم واعتكار المزاج العام في البيوت والشوارع وعلى المقاهي فقد ارتبط الناس بالصوت الشجي المعبر على مدى نصف قرن منذ جاءت الفنانة الشابة إلى وطنها الثاني مصر عام 1960 تخطو أولى خطواتها نحو المجد تتبختر على جسر طويل فرشته الأقدار بالورود كما فرشته أيضاً بالأشواك، صاحب ظهور المطربة الرقيقة الجميلة ضجة فهي الفتاة القادمة من عاصمة الجن والملائكة باريس، المنحدرة من أصل عربي، لأب جزائري، وأم لبنانية ورثت عنها وجهاً جميلاً وملامح جذابة جلبت لها الشقاء طوال رحلتها ووضعتها تحت الأنظار.
فور تقديمها للجمهور ووقوفها تحت الضوء دخلت وردة دائرة التنافس الجهنمية فصوبت عليها السهام وهي التي لم ترتكب جريمة غير كونها جميلة الشكل والصوت، ولكن يبدو أن هاتان الميزتان كانتا كفيلتان بأن تبدأ ابنة الجزائر الباريسية رحلة الشقاء مبكراً، المهم أن شقائها المبكر لم يشغلها عن اهتماماتها ولم يعطل اكتشاف السينما لها بعد أن ذاع صيتها كمطربة لها من السحر والدلال وحلاوة الصوت ما يلفت النظر فقد كانت على موعد مع المجد والشهرة فمن الفيلم الأول الذي قامت ببطولته ‘المظ وعبده الحامولي’ تأكد نجاحها وصارت في غضون شهور أشهر من النار على العلم.
كانت هذه أولى محطاتها الرئيسية في عالم السينما الذي لم تدخله بعد ذلك إلا مرات معدودة وفي تجارب محسوبة بالسنتيمترات، حيث كان أشد ما تخشاه وردة هو الفشل، ولأن الثبات على النجاح مهمة شاقة وصعبة فإنها ظلت متوجسة خائفة من أن تفقدها السينما في غلطة واحدة ما اجتهدت في تحقيقه سنوات طويلة، لذا فلم تكن تأمن مكرها ولو تربعت على عرشها فكما قال لها أحد اصدقائها ‘الغلطة فيها بفورة’ فآمنت بالحكمة وأبقت على علاقتها بالسينما في إطار من الحيطة والحذر الشديدين ولهذه المخاوف السينمائية لدى الفنانة القديرة أصداء أثرت على رصيدها فيما بعد فهي المقلة جدا من الأفلام والأعمال الفنية، أشهرها آه يا ليل يا زمن وصوت الحب وحكايتي مع الزمان وأميرة العرب، هذا بالإضافة الى مسلسل تليفزيوني وحيد هو ‘أوراق الورد’ الذي قامت ببطولته أمام الفنان زين العشماوي والطفل المعجزة آن ذاكح عمرو سهم، حيث كان يقوم بدور ابنها، لقد حملت أعمال وردة بعضاً من ملامح حياتها الشخصية، خاصة فيلم ‘آه يا ليل يازمن’ فقد أدت دور سيدة أرستقراطية مطاردة من السلطات تضطر الى ترك وطنها الأم والسفر إلى جنيف بعد قيام ثورة يوليو وتأميم أملاكها ووضعها تحت الحراسة.
وبغض النظر عن الرأي السياسي في الفيلم، إلا أنه تشابه من حيث التكوين الدرامي مع مسيرة البطلة التي هربت من الجزائر في ظل الاحتلال الفرنسي وجاءت الى القاهرة ثم عادت إلى الجزائر مرة أخرى بعد الاستقلال فتراكم لديها إحساساً مريراً بالغربة وقسوة الحياة بعيدا عن الوطن.
في فيلم ‘صوت الحب’ جسدت النجمة الغنائية الكبيرة شخصية ممرضة أمام الفنان حسن يوسف الذي كان يعد واحدا من أهم نجوم السبعينيات حينئذ وأبدعت في أداء دور الفتاة الفقيرة الممنوعة من حب الشاب الأرستقراطي وهي المتعلقة به والمصرة على حبه بكبرياء وشمم، إذ تدرك بإحساسها الفطري أن المسافة بينهما بعيدة وأنها ليس بوسعها تجاوزها وإن بدا الطرف الثاني مرحباً بها، أشياء من هذا القبيل تنطوي على عذابات ومحن زخرت بها معظم الأفلام التي كان من نصيب وردة القيام ببطولتها وهي تنويع بشكل أو بآخر على أحزان الفنانة وآلامها، لذا فقد صدق حدس المنتج والمخرج حلمي رفلة الذي توسم فيها الصدق فرشحها لأفلامه فجاءت النتيجة كما توقع نجاحاً منقطع النظير ولكن مخاوف الفنانة المرهفة لم تمكنها من تكرار التجارب السينمائية أكثر من ستة مرات فقط هي عدد الأفلام التي قامت ببطولتها وتألقت فيها أمام رشدي أباظة كأحد أبرز الأبطال الذين عملت معهم.
على المستوى الغنائي كانت وردة أكثر استقرارا واطمئنانا فهي تجري في سباق تحترف العدو فيه ولا تخشى على نفسها من السقوط أثناء الجري فهي المتمرسة على الغناء منذ نعومة أظفارها، في محلات باريس الليلة الراقية ومسارح الجزائر والقاهرة وبقية العواصم العربية التي طافتها صغيرة وكبيرة وكونت فيها قاعدة جماهيرية واسعة أهلتها لأن تصبح واحدة من أهم مطربات جيلها، صباح وفايزة أحمد ونجاة الصغيرة وعايدة الشاعر وليلى نظمي وإن كان بعضهن يكبرنها ببضع سنوات لكنها لفرط تميزها ومنافستها لهن حسبت على جيلهن وعرفت كأشهر مطربات المرحلة الثرية اللاتي ملأن الحياة فناًَ وشدوا.
لم تكن وردة تضيق بالمقارنة بينها وبين عفاف راضي أو نجاة أو أي من المطربات الأخريات لكنها على العكس كانت تعتبر ذلك تحفيزا على التميز، ولم يذكر لها خلافا جسيما مع أحد من زملائها خرج عن إطار المنافسة الشريفة، حتى في الواقعة الشهيرة بينها وبين عبدالحليم حافظ والتي قيل عنها إنها استفزت حليم لدرجة أخرجته عن شعوره على المسرح، حيث استأجرت له من يفسد عليه حفلته، هذا الكلم لم تثبت صحته ولم يوجد دليلاً عليه.
إن أثرى فترات وردة الفنية هي التي تولاها بليغ حمدي وصاغ خلالها أعذب ألحانه فأضفى على الصوت النسائي مزيدا من الإحساس والتأثير، لذا فقد عانت كثيرا بعد رحيله وغاب عنها بعض الألق فلم تبدو في طلعتها بهية كعادتها وظلت في اغتراب ووحشة إلى أن رحلت برغم محاولاتها الدئوبة التغلب على الحزن بالغناء حتى الرمق الأخير.
رحم الله شادية الوطنين الشقيقين، الجزائر ومصر.