نطقت ليلى الشيخلي اسمي فهتفت: ‘الليلة عيد’، لأن الاسم خرج ملحناً وكأنه قصيدة شعر على نحو جعلني أقف، ولأول مرة، منذ أن خلق الله آدم، وكنت قبل هذه الليلة المباركة، أظنه غير عاطفياً، فاحتاج عند تعريف نفسي لنطقه أكثر من مرة، فأنطقه بفتح السين تارة، كما يفعلون في الصعيد وفي البادية، وأنطقه بكسرها كما يفعل أهل القاهرة والحضر، ومع هذا فان وقعه على ‘طبلة الأذن’ ليس مريحاً’!.
أرادت المرحومة والدتي أن تثبت انحيازها لأسرتها، فسمّت ابنها البكري باسم جدّها، فإذا به يصبح البكري وآخر العنقود في وقت واحد.
منذ هذا الهبوط الاضطراري على كوكب الأرض قادماً من المريخ، وأنا اشعر بعدم عاطفية اسمي، إلى ان نطقته ليلى الشيخلي، وكريمة الحاج الشيخلي من جيل من المذيعين، يخرج الكلام من افواههم نغماً، كأنه لحن خالد، فرفعت عني حرج عقود مضت، توجت بهروب ضحى الزهيري من نطقه، فكانت تقول ‘محمد عزوز’ فيشد المخرج في شعره من الغيظ، لاسيما وأنه مكتوب أمامها على الشاشة، فتقول ‘علي عزوز’، وليست كل الألسنة يمكنها أن تنطق اسمي بسهولة، ولو فعلت ضحى خبطت لسانها في سقف فمها، وقد يحتاج لإنزاله الى عملية جراحية فليست كل المذيعات ليلى الشيخلي.
ضحى كانت تعمل في فضائية سورية، كانت تذيع نشرة يومية للأخبار من القاهرة وكنت ‘زبون’ فوق العادة على هذه المحطة، قبل ان تتوقف هذه المحطة عن هذا الترف لأتفاجأ بالمذكورة على شاشة ‘الجزيرة مباشر مصر’، فأيقنت ساعتها أن الدنيا حظوظ، لكنها فعلت فيّ جميل اذ كانت من بين المستقيلين من ‘مباشر مصر’، وممن أصدروا بياناً قالوا فيه في ‘الجزيرة مباشر مصر’ ما قال مالك في الخمر، عقب الانقلاب العسكري، الذي أغلق مكتب الجزيرة، وطارد ‘مباشر مصر’، باعتبارها من فضائيات الأعداء، وجاء من استقالوا منها للعزف على هذا الوتر، والمشاركة في حملة الإبادة الإعلامية التي قامت بها فضائيات الثورة المضادة.
المدهش أن معظم ضيوف ‘مباشر مصر’ كانوا من الذين انحازوا للانقلاب، وبعضهم يظهر على شاشتها الآن، ويختلق أسبابا للاشتباك مع المذيعين ومقدمي البرامج التي تستضيفهم، حتى يقولوا لأولي الأمر منهم أنهم يقومون باهانتهم في عقر دارهم.
العلوم السيسية!
يطوع عدد من أساتذة العلوم السياسية علمهم، لإثبات أن ما جرى في مصر يوم
30 يوليو ثورة وليس انقلاباً، وهؤلاء هم الذين وصفهم الدكتور سيف الدين عبد الفتاح أستاذ العلوم السياسية، في برنامج ‘على مسؤوليتي’ بالجزيرة مباشر مصر بأنهم يؤسسون لمنهج علمي جديد وهو ‘العلوم السيسية’ نسبة للفريق عبد الفتاح السيسي.
عملية التطويع يقوم بها أيضاً فقهاء القانون الدستوري، والذين خرجوا من المولد بلا حمّص، فلم يجود عليهم أحد بموقع، لا في لجنة إعداد الدستور، ولا في مجلس حقوق الإنسان، ولا في الأعلى للصحافة، ومنهم من لا يريد إلا أن يكون ضمن ‘الحضرة الكريمة’ فأبو سفيان يحب الفخر، وهؤلاء أيضاً.
أحد هؤلاء كان معي على قناة ‘الحرة’ واستمعت إليه وهو يطلب من مقدم ‘ساعة حرة’ أن يكتب في تعريفه أنه خبير في القانون الدستوري، وقد أفزعني ما قاله ليس لغرابته، ولكن مرد فزعي أنني خشيت على الأجيال الجديدة من طلاب القانون من إبداعات هؤلاء الأساتذة، لاسيما وأن الرجل أوشك أن يقول أنه بحسب القانون الدستوري فلا شرعية لصناديق الاقتراع لأنها اختارت الدكتور محمد مرسي، وقال بالفعل أن القانون الدستوري يعترف بشرعية الحناجر التي تجلت يوم 30 يونيه، وتحرك على أثرها الفريق عبد الفتاح السيسي، على قاعدة ‘دعاني لبيته’، فأقال الرئيس المنتخب بإرادة الشعب المصري صاحب السيادة، وعين رئيساً ‘بقوة البيادة’.
بعد أن انتهت حلقة ‘ساعة حرة’ تلقيت سيلاً من الاتصالات الهاتفية، يفيد أصحابها أن صاحبنا ليس متخصصاً في الفقه الدستوري، فتخصصه الدقيق في القانون التجاري، لكن خبراء القانون الدستوري صاروا هم ‘الموضة’ في مصر بعد ثورة يناير، فنسب الرجل نفسه اليهم، ومؤخراً علمت سر هذا الرجل الذي يقف منذ سنوات في احد الشوارع، لقد مات ابنه في هذا المكان في حادث سير، فأصيب بحالة نفسية جعلته يقف في نفس المكان لينظم حركة المرور فيه.
الجميع يسأل عن ‘الجزيرة’
أساتذة القانون الدستوري في كل واد يهيمون، وهم فتنة الحياة السياسية، وكان الرأي الدستوري يأتي مدفوعاً بقوة المصلحة أو بالموقف السياسي فبدوا ليسوا كفقهاء ولكن كنشطاء سياسيين، ولأن الإخوان ليسوا مؤهلين نفسياً لاحتواء الآخر، لذا فقد كان طبيعياً أن أكثر هؤلاء كانوا معاول هدم لحكمهم، ولم يحتويهم الانقلاب العسكري، لكن ليس بإمكانهم ان ينطقوا ببنت شفة وهو يخرج على القيم العليا للدستور، ولم نسمع لأحدهم رأيا في الخطيئة الدستورية الخاصة بوضع نص في مشروع الدستور الجديد لا وجود له في أي دستور في أي مكان وعلى مر التاريخ، يجعل منه فرعوناً مكتملاً، فليس من سلطة رئيس الدولة إقالته، وليس من سلطة رئيس الحكومة تعيينه، وليس من سلطة الشعب المصري أن يزحزحه من مكانه، فهذه سلطة معقودة للمجلس العسكري وحده لا شريك له.
الوحيد الذي تمت الاستعانة به منهم، هو جابر نصار، المدلل في كل العصور، فقد تم اختياره في لجنة الخمسين، المكلفة بإعداد الدستور، ربما للتأكيد على أننا عدنا إلى زمن مبارك والسيدة حرمه، وسوف يرد علينا أحدهم بان مرسي اختاره في لجنة المائة قبل ان يستقيل، وسنرد بأنني شخصياً حملت على هذا الاختيار، وحملت على مجمل اختيارات مرسي بما فيها اختياراته للحكومة، وان كان هناك فارق بين اختيار واختيار، فمرسي اختاره باعتباره فرد، وقادة الانقلاب اختاروه باعتباره أمة، وفي لجنة مرسي كان من ضمن ‘المعازيم’، وفي هذه اللجنة هو من أصحاب الفرح، ولا يغرنك بعد ذلك أن الدكتور عبد الجليل مصطفى احد المنتمين لثورة يناير ترأس الجلسة الافتتاحية، فهذا لزوم إدخال الغش والتدليس على الرأي العام.
في اليوم الأول لثورة، 25 يناير، كان سؤالنا إلى كل داخل لميدان التحرير، عن أخبار الجزيرة هل اهتمت بأمرنا؟ وكانت الردود مخيبة للآمال، فهناك ‘خناقة’ محدودة في لبنان بين الفصائل هي الخبر الأول، كان هذا يوم الثلاثاء، وفي يوم الخميس كتبت هذه الزاوية ‘فضائيات وأرضيات’ لتنشر يوم السبت، لكن بعد يوم جمعة الغضب 28 يناير، كنت في مقالي غاضباً من الجزيرة، لكن الجزيرة كانت في هذا اليوم واليوم السابق له، معنا على خط النار، فلما كان يوم الأربعاء التالي إلا وجرت موقعة الجمل، وقد حمت كاميرا الجزيرة الثورة وهي التي نقلت جريمة أهل الحكم للعالم اجمع، فكان طبيعياً ان يكون مقالي التالي بعنوان: ‘الجزيرة عندما أصبحت صوت الثورة المصرية’، وكان تكرار بثّ بيان الشيخ يوسف القرضاوي دافعاً لأن يغادر الناس بيوتهم لحماية الثورة والميدان، هذا الخروج الذي اعتبره بيان الشيخ فرض عين على كل قادر.
قبل أيام أرادت احدى الفضائيات ان تحرك بداخلي حمية الجاهلية الأولى، عندما جاء السؤال لي محرضا على الدفاع عن شيخ الأزهر في مواجهة القرضاوي، وقلت ان الأخير كان معنا في أيام الثورة، في حين أن الأول كان مع حسني مبارك.
مجاملة مقدمي البرامج لضيوفهم
بعض مقدمي البرامج يجاملون ضيوفهم بلقب ‘دكتور’ وان لم يكونوا حاصلين فعلاً على درجة الدكتوراه، وقديماً خاطبتني مذيعة بالدكتور، فاعتبرت ذلك فأل طيب، وعلى أثر نطق اسمي مسبوقاً بلقب ‘الدكتور’ التحقت بالدراسات العليا في ذات التخصص لجمانة نمور ‘الانثروبولوجيا’ قبل ان اكتشف أنني لست رجل علم.
لا أذيع سراً إذا قلت انه بدا لي أن اسمي خرج من فم ليلى الشيخلي بشراً سوياً، وان كان قد قلل من سعادتي في هذا اليوم التاريخي هو حكم البراءة على المتهمين بقتل الثوار في السويس التي كانت قلب الثورة المتفجر، وعبرت عنه بعد ذلك فاطمة التريكي في تقريرها الذي جاءت كلماته وصوتها المعبر اقرب الى أنشودة حزن، اذ قالت تعبيرا عن الأمهات الثكلى: ‘للوهلة الأولى لا يستوعبن ما قاله القاضي.. يسألن بلهفة فيأتي الجواب كالصاعقة نعم براءة.. وكأن القتلى قتلوا للتو..وكأن وقتاً لم يمر .. يفقدن وعيهن وسط صراخ هستيري.. يبحثن في وجوه المارة عن رجاء أو عزاء’.. ‘هذه هي مصر إذن في موسم العدالة الانتقالية التي صار لها وزارة’.
نعم يا فاطمة هذه هي مصر في زمن الانقلاب العسكري، التي يحدث فيها هذا فلا نجد رفضاً من الثوار الذين زينوا للانقلابيين سوء أعمالهم، لو كان مرسي هو الرئيس لوجهوا له الاتهام بالتنكر لأهداف الثورة، والتنازل عن مبدأ القصاص للشهداء.
‘ كاتب وصحفي مصري
[email protected]