شرعية عمل الحركة الشعبية في شمال السودان

حجم الخط
0

د. يوسف نور عوض

لم أكن في يوم من الأيام من مؤيدي انفصال جنوب السودان، وما زلت أعتقد أن الخطوة التي قام بها الجنوبيون خطوة لا داعي لها، لكن ما ظل ذلك خيار الجنوبيين فهم أحرار في ما يريدون، بشرط أن يلتزموا الحدود التي تفرضها عليهم ظروف الانفصال وذلك ما يحتمه عليهم وضعهم الجديد، لكن لا يبدو أن الجنوبيين ممثلين في الحركة الشعبية ـ التي حققت الانفصال ـ يقيلون هذا الواقع أو يريدون التعامل معه بصورة موضوعية، ويظهر ذلك جليا في الفكر الذي يحاول ‘ياسر عرمان’ أن يسوقه على اعتبار أن انفصال جنوب السودان هو مجرد مرحلة تتبعها مراحل أخرى، وهو ما يجعلنا نتوقف عند ذلك الفكر الذي يحاول عرمان تسويقه في هذه المرحلة من تاريخ السودان. يقول القائمون على الحركة الشعبية أنهم عقدوا عشرة اجتماعات في الفترة الواقعة بين الحادي عشر من مايوعام 2011، والتاسع من فبراير عام 2012، وهي اجتماعات تركزت في معظمها حول الوضع السياسي والاجتماعي والاقتصادي بين شمال السودان وجنوبه. ويقول القائمون على الحركة الشعبية إنهم أدانوا في تلك الاجتماعات ما سموه اعتداءات الحكومة السودانية على من يطلقون عليهم شهداء المقاومة الذين كانوا يطمحون إلى إقامة مجتمع جديد يسود فيه التآخي والسلام بين جميع فئات المجتمع السوداني، ولا يحدد قادة الحركة على سبيل الوضوح طبيعة ذلك المجتمع الذي يتحدثون عنه، هل هو مجتمع الجنوب أم مجتمع الشمال الذي تطمح الحركة الشعبية إلى ضمه إلى الجنوب من أجل إقامة السودان الجديد الذي رفضوه في صيغة السودان القديم؟

ويقول قادة الحركة إنه بعد انفصال الجنوب كرس قادة المؤتمر الوطني في الشمال كل جهودهم من أجل اقتلاع الحركة الشعبية وقادتها من الشمال وتوعدوا كل من ينتمي إليها بالويل والثبور دون أن يوضح قادة الحركة الشعبية الأسباب التي تجعلهم يواصلون نشاطهم في شمال السودان بعد أن تمكنوا من تحقيق الانفصال في جنوب البلاد؟

، ولكن هذه الأسباب تبدو واضحة في انقسام الحركة إلى قسمين أحدها في جنوب السودان والآخر في شماله، ولا تتحرج الحركة الشعبية قطاع الشمال في توجيه نقدها لحزب المؤتمر الوطني الذي ترى أنه قد أعلن الحرب عليها كما لا تتحرج في أن تعترف بأنها اتصلت بعدد من الدول الأجنبية والمؤسسات خارج السودان من أجل مساعدتها في ما تعتبره تغولا من المؤتمر الوطني ضدها، لكن الحركة الشعبية في كل ذلك لا توضح الأسباب التي تجعلها تواصل نشاطها في شمال السودان مع أنها حركة كانت تعلن أهدافا محددة في جنوب البلاد، وقد توصلت إلى تحقيق تلك الأهداف من خلال انفصال دولة الجنوب ولا شك أن هذا الوضع الذي أوجدته الحركة الشعبية يوجد ظروفا صعبة في شمال السودان خاصة مع إذكاء روح الفتنة في دارفور وفي جبال النوبة وجنوب كردفان ومنطقة النيل الأزرق، وهذه جميعها مناطق ترى الحركة الشعبية أنها تابعة لها، وهي بكل تأكيد لا تكتفي بعودتها إليها بل تطالب باقتلاع النفوذ الشمالي بأكمله من شمال السودان أيضا، وذلك تفكير غير مستقيم ولا يجوز أن تضيع الحركة الشعبية الوقت فيه بكون سكان شمال السودان هم الأغلبية ولن تتمكن الحركة الشعبية في جميع الظروف أن تقتلعهم من بلادهم أو أقاليمهم من أجل تحقيق أهدافها الوهمية، وهي أهداف لا يمكن أن ينظر لها إلا على أنها أهداف عنصرية إذ لو كانت أهدافا سياسية لاكتفت الحركة الشعبية بما تحقق لها في جنوب السودان، لكنها لا تكتفي بذلك بل تريد أن تحقق سودانا جديدا لا وجود فيه للثقافة العربية أو الإسلامية في أية صورة من الصور وذلك هدف مستحيل ولا يمكن أن يتحقق بالسهولة التي يراها بعض قادة الحركة الشعبية، ولو لم يكن الأمر كذلك ما حدثت كثير من المشكلات القائمة الآن بين دولتي الشمال والجنوب، ذلك أن دولة الجنوب التي عاشت متحدة مع دولة الشمال عقودا طويلة تتصنع خلق المشكلات وآخرها مشكلة النفط الأخيرة بين الشمال والجنوب، فقد كان من الطبيعي أن تقدر دولة الجنوب أن مرور النفط بالشمال يتطلب دفع رسوم طالما أن الشمال فقد هذا المورد الهام في ميزانيته ولكن دولة الجنوب لم تشأ أن تتعاون مع الشمال في هذا الاتجاه، وبدأت تتحدث عن إمكان تحويل خط الأنابيب عبر أثيوبيا إلى جيبوتي، فلماذا يكون ذلك بينما التعاون بين الدولتين ضمان لمستقبلهما معا. لكن إذا كنا نتحدث عن سلبيات دولة الجنوب فيجب في الوقت ذاته ألا نتجاهل ما يجري في دولة الشمال، ذلك أن الشمال بوضعه الحالي سيكون على مدى طويل مجالا للمؤامرات الدولية، كما سيكون مجالا للصراع الجهوي الذي تقوده بعض الأقاليم التي قد تختلف في توجهاتها مع توجهات الحكومة في الشمال، وهنا يجب أن تدرك حكومة الإنقاذ أنها جاءت في وقت لم يكن الصراع الجهوي في البلاد قد احتدم على هذا النحو، وبالتالي فقد أعلنت حكومة الإنقاذ أنها بصدد إنشاء نظام إسلامي في البلاد، لكن على مدى ثلاثة وعشرين عاما لم تظهر معالم هذا النظام بل على العكس من ذلك فإن كثيرا من القائمين على النظام والمتعاونين معهم أثبتوا عكس ما يكون عليه النظام الإسلامي، وذلك من خلال استغلال ثروات البلاد وتحويلها للمصالح الِشخصية. وقد أصبح من الضروري الآن أن يعمل الجميع في اتجاه واحد وهو اتجاه الدولة الحديثة، وذلك اتجاه لا يمكن أن يتحقق إلا إذا بدأ السودان خطوات عملية من أجل إقامة نظام الدولة الذي تحدثنا عنه كثيرا، لأنه من الخطأ أن يعتقد الكثيرون أن كل ما يريده السودان في هذه المرحلة هو مصالحة وطنية تعود بها الطائفية والأحزاب التقليدية إلى الحكم، لأن ما يريده السودان حقا هو إعادة التفكير في كيفية بناء الدولة على نحو جديد، ومتى توصل السودانيون إلى هذا التفكير ستتلاشى عمليات الصراع القائمة الآن بكون الصراع القائم أساسه اختلافات عرقية وأيديولوجية، ومتى اتفق الجميع على المصالح التي تتولد من نظام الدولة فإن الجميع سوف يلتفون حول هذه المصالح وسيتناسون خلافاتهم العرقية والجهوية، لكن هذا الوضع يحتاج دائما إلى درجة عالية من الشجاعة، ولا تتحقق هذه الشجاعة إلا حين يدرك الجميع أن مصلحة الوطن تأتي قبل مصلحة الأحزاب والتنظيمات التي ظلت زمنا طويلا تعتقد أن قدرتها على تحقيق أهدافها لا تتأتى إلا بسيطرتها على الحكم.

ويجب هنا أن يوجه الجهد أيضا إلى الجنوبيين الذين عليهم أن يدركوا في هذه المرحلة أن خطوتهم التالية لا تتركز في إنهاء دولة الشمال بل في التعاون معها، إذ من الخطأ أن يتصور الجنوبيون أنه سيكون في مقدورهم اقتلاع الشماليين من مناطقهم أو السيطرة عليهم، ولكن ذلك لا ينفي في الوقت ذاته أن الجنوبيين سيكونون قادرين على خلق كثير من المصاعب والمشكلات في الشمال، وذلك ما أصبح واضحا في الوقت الحاضر من خلال تحريك بعض الأقاليم للوقوف ضد الحكومة في الشمال، وهو تحريك لا يواجه بالقوة كما ظهر في تصريحات أخيرة للرئيس البشير بل يواجه بدرجة عالية من الفهم الذي يجب أن يسبقه الحوار المستنير، وهنا يجب أن نعترف أن السودان بلد فيه تنوع عرقي كبير لكن هذا التنوع العرقي لم يكن في يوم من الأيام سببا في انهيار الدول ولو كان الأمر كذلك ما وجدنا دولا مثل الولايات المتحدة تتميز بدرجة عالية من القوة والوحدة الوطنية.

ومؤدى قولنا أن ما يريده السودان في هذه المرحلة ليس صراعا بين الأقاليم ليثبت الجميع قدرتهم على الإنفراد بالحكم، بل ما يريده السودان هو درجة عالية من الوعي تبعد عنه شبح التفكك والانقسام من أجل بناء الدولة الحديثة التي يرى الجميع أنها وحدها القادرة على تحقيق المصالح العامة لمختلف أفراد الشعب بجميع فئاته وأعراقه وطوائفه..’ كاتب من السودان

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية