ورد إسم ‘الجزيرة’ في التغطية الموسعة للنبأ المخجل ‘رئيس كتائب الصحابة.. فلان الفلاني’يزني بحفيدته’.
الشريط راج بقسوة على مواقع التواصل، وإحتفل به كل أزلام وأنصار النظام السوري واللقطات الغامضة تظهر رجلا مسنا في حفرة وسط سلسلة من الأحجار في إحدى القرى يتم ضبطه متلبسا في حالة حميمية مع فتاة صغيرة بالسن يفترض أنها حفيدته.
الفضول بمثل هذه الحالات يدفع المرء للمشاهدة، خصوصا وأن المقدمة المرافقة للمادة المعروضة تتحدث عن العجوز الماجن بإعتباره أحد قادة كتائب الجهاد وسقط قتيلا بيد قوات النظام.
دققت كغيري بالتفاصيل واشتممت بوضوح رائحة ‘فبركة مخابراتية’ وإنتهازية للمغامرة الجنسية المفترضة على قارعة الطريق.
الرجل بصراحة عجوز جدا ولا يتمتع بأي وسامة ولا يشكل التواصل معه مطمعا لأي فتاة وقدراته البدنية أشك في انها تخدمه في حفرة وعرة ومليئة بالصخور والتراب.
والضحية – أقصد الفتاة – من الواضح أنها ساذجة جدا.. الأهم مكان العملية فأنا لا أعرف كيف يضمن رجل عجوز التعامل في الأثناء مع الحشرات والأفاعي والعقارب، التي تستوطن سلاسل الصخور بالعادة.
الشريط لم يقدم دليلا على أن الرجل المقصود هو نفسه القائد المقاتل ولا على هوية وطبيعة الرجال المسلحين، الذين كشفوا المسألة وهاجموا الرجل والفتاة ولا يقدم دليلا على مصير الإثنين.
في زمن الحرب والمذابح والبراميل المتفجرة وقطع الرؤوس من الصعب علي تصديق أن عجوزا شاذا ومجرما ينتهك شرف حفيدته على هذا النحو وفي العراء العام وفي حفرة بجانب القرية.. فيلم هندي مفبرك بإمتياز برأيي الشخصي والله يعلم الحقائق.
المعلم والأردن الضعيف
نفس الوصلة من الفبركة يمكن تلمسها عندما يتعلق الأمر بالصور المتكررة التي بثتها الفضائية السورية لوليد المعلم وهو يلقي خطابه الشهير في قمة جنيف الثانية فالرجل جاء بأجندة واحدة: بقاء الرئيس الإله بشار الأسد.
يمكن ببساطة جمع أطنان من الفبركة في حديث المعلم، لكن ما يصل إلى مستوى الإستفزاز حصريا موقفه من دولة مثل الأردن ‘ضعيفة وتؤمر فتأتمر’، ولو كنت مكان وزير الخارجية ناصر جودة – لا سمح الله- لقلت للمعلم: كلنا ذلك الرجل يا أخونا.
لا يعجبني كثيرا أداء وزير الخارجية الأردني، لكن الحق كان إلى جانبه عندما ذكر المعلم بأن هذه الدولة الـ’ضعيفة’ لا يوجد فيها سلخ وذبح وإقتلاع حناجر وبراميل متفجرة وقطع رؤوس وتسعة ملايين سوري بين قتيل وجريح وأسير ومشرد ولاجىء، فهي مهما إختلفنا معها دولة آمنة لشعبها وتحترم فيها ولو نسبيا كرامة الإنسان.
ساعة مع لونا الشبل!
حسنا فعل زميلنا وصديقنا خفيف الظل نادر خطاطبة عندما إختار صورة بعينها ملتقطة من الفضائية السورية لعقد مقارنة في مؤتمر جنيف بين المجالسين للوزير جودة والمجالسين لنظيره السوري المعلم.
الصورة تظهر بوضوح رجلا يجلس خلف جودة من النوع الذي لا يضحك للرغيف السخن.. على طريقة البيروقراطيين الأردنيين ولوازم ‘الكشرة’ والتجهم الأردني بإمتياز.
خلف المعلم وقفت لونا الشبل وهي توزع إبتسامه عريضة للكاميرا بكل تفاخر.. شخصيا لا أعرف على ماذا تضحك الزميلة مستشارة الرئيس السوري بصورة محددة وهي تستمع لبان كي مون يتحدث عن تسعة ملايين مشرد وجائع وسجين وقتيل من أبناء شعبها؟!
ما الذي يدفع للإبتسام فعلا في مؤتمر جنيف؟ الدمار.. الدم والقتل بالجملة.. الجوعى.. قطع الرؤوس وإقتلاع الحناجر.. تدخلات وأجندات لافروف وكيري؟ لماذا إفترضت زميلتنا العزيزة مذيعة ‘الجزيرة’ سابقا لونا الشبل أن الرسالة الأهم لنظامها البائس تتمثل في أن تكثر من توزيع الإبتسامات والضحك في مناسبة مؤسفة ومخجلة من نوع جنيف 2؟!
للتذكير فقط سبق للزميلة نفسها أن أبلغتني شخصيا أيام ‘الجزيرة’ أنها لا تجد وقتا للضحك وللإبتسام ولا حتى للبيت والعائلة أو الأكل.
لونا الشبل جلست معها لمدة ساعة في قفص الإستديو الخاص بـ’الجزيرة’ وإستضافتني للتعليق على مجريات قمة الخرطوم، ولسبب أو لآخر بقيت معلقا بضيافتها مع تعطل متواصل في كابل الكهرباء.
بصراحة تحدثنا كثيرا عن العديد من الأشياء وتحديدا عن السبب الذي دفعها لمغادرة الإعلام الرسمي السوري والبحث عن رزقها في قطر.
لا يحق لي أن أطرح التفاصيل هنا، لكن يحق لي أن أقول بأن تلك المرأة المتباسمة التي جلست خلف وليد المعلم وخطفت أضواء الكاميرات من كثرة الغمزات والإبتسامات، ليست هي نفسها، التي إستضافتني في قفص زجاجي بالخرطوم لمدة ساعة.. يبدو أن ما يحصل للذكور عند الدخول لعرين السلطة يحصل أيضا للنساء!
السيسي وشرعية ‘فوتو شوب’
ثلاث ملاحظات سريعة وخاطفة يمكن تسجيلها عند مشاهدة التغطية المتواصلة في فضائية ‘سي بي إس’ المصرية لإحتفالات الذكرى الأولى للإنقلاب العسكري الذي إكتسى أو ألبسوه ثوب ‘الشرعية الثورية’.
أولا- تكاد الوجوه في ميدان التحرير على الأقل تكون نفسها بلا منازع.. نفس الذين نزلوا مصفقين لمحمد مرسي، وقبل ذلك تحشدوا ضد حسني مبارك، ولاحقا تحشدوا للمطالبة بإعدام مبارك ثم لإعدام مرسي.
حتى باعة الترمس والمياه المثلجة والآيس كريم والمارة.. كذلك العابرون والمتفرجون ظهروا في زوايا الكاميرا.
ثانيا- اللافتة العملاقة جدا التي ظهرت على صدر الكاميرا، وفي قلب الميدان تحمل صور سبعة زعماء عرب متحالفين مع الإنقلاب ووقفوا مع السيسي.. خمسة من هؤلاء على الأقل لا توجد في بلدانهم أي من مظاهر الديمقراطية والحرية، والمواطن في هذه البلاد الخمسة وتحديدا المفعمة بالنفط من النوع الذي لا يفتح فمه إلا عند طبيب الأسنان.
فقط قولوا لي: كيف لشرعية تدعي أنها ‘ثورية’ أن تؤيد انظمة رسمية عربية تذرف دموع التماسيح على الثورة المصرية، التي إختطفها الاخوان المسلمون؟
ثالثا- أجزم بان 27 كاميرا زرعها صاحب المحطة الفضائية،وهو بكل الأحوال رجل أعمال ممول للإنقلابيين على الشاشة تعتمد بصورة أساسية على تقنية ‘فوتو شوب’.
شخصيا، أحسد رواد ميدان التحرير على قدرتهم على النزول بكل الأحوال والمواسم، لكني لا أفهم إطلاقا كيف يمكن تأييد إنقلاب وضابط عسكري مع ممارسة الإدعاء بأن المسألة تتعلق بـ’الشرعية الثورية ‘!؟
* مدير مكتب ‘القدس العربي’ في عمان