عبد الغني فوزي
يبدو أن تقديم أي عمل شعري للشاعر صلاح بوسريف، يقتضي الإحاطة بأعماله الشعرية وبتأملاته ودراساته في الشعر كفضاء وأفق. إحاطة ستضعك أمام مسار ومشروع شعري ـ له خصوصيته اللغوية والجمالية والرؤيوية ـ المستند على زاد معرفي وتأمل فكري، هذا فضلا عن تجربة ذاتية حاضنة. هنا، لا بد من التنصيص على ملاحظة أساسية مفادها أن الشاعر بوسريف يسعى إلى تحرير نصه من النموذج بمختلف تلاوينه؛ بل تحريره من الشفوي كإطار. وبالتالي ترى الشاعر على صلة قوية بالمكتوب، ليس ككتلة سوداء؛ بل كعلاقات وأنسجة أخرى، تقتضي تمظهرا آخر، مغايرا لمسلكيات الشفوي من حيث التمثل والتخييل.
وعليه، فكل ديوان في مساره يشكل محطة وإضافة نوعية. طبعا لا يمكن التوقف عند ذلك ببساطة الرائي، بل من خلال إصغاء لمعتملات النص ولأفكار هذا الرجل التي تتدفق شظايا ولو في النص النظري؛ مؤسسة لأفقها المغاير، في جدل خلاق مع كل ما قيل في القصيدة والشعر. أستحضر هنا في هذه الورقة ديوانه المعنون بـ’شرفة يتيمة’ في جزئه الأول (الصادر عن دار الحرف بالمغرب) وهو يتشكل من العناوين الآتية: أول الخلق، فسائل الجيرانيوم، سليل الفراشات، خبز العائلة، تخوم بابل، يد تكتب، لا يقين لي. في البدء فعناوين بوسريف تمنحك الإحساس بأنك أمام عتبات تجربة شعرية، لها ميسمها وتقطيعها الخاص للغة والعالم. ولا يمكن أن يتأتى ذلك دون رؤيا تنفذ لباطن الأشياء، وتعيد تشكيلها كعلاقات أخرى. ويتم ذلك ـ في تقديري ـ وفق سياق شعري ولحظة ذاتية، بالمعنى العميق لهذه الصفة. هنا لا بد من هذه الشرفة التي ترقب العالم من نقطة ما، حمالة للقصيدة، كمقتضى حال بين ما هو كائن وما ينبغي أن يكون. وحين تنضاف صفة ‘يتيمة’ كتعريف خبري، يتعمق حال هذه الشرفة التي تتحول إلى حافة وقدر الشاعر، شرفة تبحث عن امتدادها أمام صد العالم وسكنه النمطي. فنخلص إلى أن العناوين بمثابة نصوص صغيرة، لماحة لمعالم ومنجز شعري.
القصيدة في ديوان ‘ شرفة يتيمة ‘، ينبغي أن تقرأ كتشكيل وكعلاقات، منها علاقة السواد والبياض وهي ثنائية لا تتأطر في حدود الصفحة والرؤية البصرية؛ بل لها امتدادها في العالم والحياة، استنادا على منحى ذاتي، يمنحها لمسة ما، وبالتالي، فالشاعر يرسم بالكلمات حالات محكومة بالداخل المرتعش وغير المطمئن لليقينيات، ولو المتعلقة بالقوالب والنماذج الشعرية التي تنمط القصيدة وتخشبها أحيانا. وقد يمتد هذا الاشتغال لمعمارية النص ككل ابتداء من الكلمات التي تغدو لبنات تنثرها الذات في سمائها، وتتلذذ بها كنغمات وحبات؛ وليثبت أنها فاكهة الشاعر، إلى التراكيب اللغوية المدفوعة بشحنات خلاقة عديدة كالحلم والخيال والحرية. الشيء الذي غور اللغة، وذهب بها إلى مدى آخر تتحقق معه علاقات جديدة ووظائف أخرى. وفي المتحقق الشعري، يمكن الحديث عن التصوير الكثيف عبر سرد شعري ذاتي، يحقق الانكسار والغنائية المتشظية. يقول الديوان في قصيدة بعنوان ‘فسائل الجيرانيوم’: وحيدا قادني قدري إلى شرفة يتيمةلمكل إخوتي ذهبوا حول ريح واحدةووحديكنت أراوغ الطرق بخساراتلمأنج بعد من فداحتهاالذات تتألم من العالم كمفارقات؛ لكنه ألم مضاعف، بحساسية أخرى، وأفق رؤيوي يمتد للغة والكتابة بالمعنى العميق لهذه الكلمة. فتكون القصيدة مع بوسريف حمالة كتابة، تذوب الفروق، وتجنح للامتداد. وهو ما حول القصائد في ‘شرفة يتيمة’ إلى ورشات عمل، يدخلها الشاعر ليشذب، ويخلق كونه، في استحضار عميق للمتلقي الذي يذهب إلى حد الذات التي تكتب وتقرأ. هنا تحضرني هذه الملاحظة أن الشاعر يكتب، وهو يصغي لصوته يسري كدبيب في الأشياء (العمق واللامرئي). وبالتالي لا بد من عبور مضايق وكشف مجهولات، بمزيد من السفر الحاذق، والمؤسس دون خبط ونسخ… ورد في نص ‘يد تكتب’: كم سررتحين يدي جاءت بي من بعيدعلمتني أن أسير في الظلم أن أحدس طعم اللغةوأضيء طرقيبما في يدي من شعل الشاعر صلاح بوسريف واحد من الشعراء الذين لا ينامون على اليقينيات. ولعل الدال على ذلك إصداراته الشعرية ـ التي تتخلق في الفرن الرحيم وليس في دوائر اللغوـ المتمثلة في المجاميع: ‘فاكهة الليل’، ‘على إثر سماء’، ‘شجر النوم’، ‘حامل المرآة’ ،’شهوات العاشق’. وبالتالي، فسعيه حثيث، للتحرر من الأوثان التي تقطع وتهيكل وتخلق أتباعا وفرقا تردد ما قيل في خضوع وطاعة عمياء. وفي المقابل، فأشياء كثيرة تحجب عنا المنجزات العميقة والجميلة المؤجلة بتعبير صلاح بوسريف. لذا نرى الكثيرمن النقدة يطلقون الأحكام عن عواهنها في تمجيد فج للأشخاص دون نصوص وسند. وهي دعوة، لنتكلم عن القصيدة والشعر بحذرلأننا نكسر البلور دون أن ندري. وتلك مهة الحكماء خارج أي ارتزاق.
شاعر وكاتب من المغرب