مقاتلة من قسد تزور أحد قبور زملائها الذين قتلوا في المعارك الأخيرة ضد تنظيم «الدولة» شرقي الفرات
دمشق – «القدس العربي» : مع نهاية يوم أمس، اكتمل شهر على استعادة تنظيم «الدولة» للمواقع كافة التي خسرها ضمن الجيب الأخير له شرقي الفرات في سوريا، علاوة على توسعة نطاق سيطرته من «هجين» في ريف محافظة دير الزور، نحو الحدود العراقية، رغم الضربات الجوية التي نفذها التحالف الدولي الذي تقوده واشنطن، وفي المقابل لم تنجح قوات سوريا الديمقراطية «قسد» في استعادة زمام المبادرة، في حين يعتبر المدنيون الخاسر الأكبر في المعركة، بعد ارتكاب اطراف الصراع العديد من المجازر بحقهم، وقع غالبيتها إثر الغارات الجوية، فيما يبدو أن ساعة الحسم غير واضحة المعالم، وسط حالة التعب التي اثقلت كاهل قوات «قسد»، وجمود الملف السياسي الذي شتت تركيز الاطراف الدولية والإقليمية على محاربة التنظيم كأولوية قصوى، في ظل اللااستقرار الذي يعصف بمصير المنطقة ذات الأهمية الاقتصادية والاستراتيجية العظمى.
المرصد السوري لحقوق الإنسان ذكر ان تنظيم «الدولة» اعتمد على الهجمات المعاكسة والمضادة، لاستعادة المناطق التي خسرها لصالح «سوريا الديمقراطية»، بالإضافة للأنفاق والمفخخات، بهدف تشتيت القوات التي تهاجمه، مستغلاً الأحوال الجوية التي أبعدت سلاح جو التحالف الدولي عن مشهد المعركة في أحيان كثيرة. كما وثق المرصد مقتل 612 شخصاً ضمن المواقع التي ينتشر فيها تنظيم «الدولة»، شرق الفرات، بينهم 232 مدنياً بغارات التحالف الدولي، بينهم 133 سورياً، بالإضافة إلى مقتل 243 من عناصر تنظيم «الدولة»، و137 من قوات سوريا الديمقراطية، قتلوا خلال الاشتباكات، والهجمات المتبادلة.
الهجوم الأخير
وشهدت «قسد»، خلال اليومين الماضيين حالة من الارتباك بين عناصرها، بعد الهجوم الأخير الذي نفذته مجموعات تابعة لـ «تنظيم الدولة» ضدها في محيط جيبه الأخير في ريف دير الزور الشرقي، حيث التفت مجموعات التنظيم بدعم من خلاياه المنتشرة في المنطقة، على قوات تابعة لـ «سوريا الديمقراطية»، واسفرت هذه العملية – وفق المرصد السوري – عن دخول التنظيم إلى الصحراء، وقطعه لطرق قوات «قسد» الواصلة للجبهة، مما أدى إلى حالات انسحاب وفرار لعناصر «قسد» خشية محاصرتهم أو قتلهم. فيما يبدو أن تنظيم «الدولة» يعتمد على خلاياه النشطة في ريف دير الزور، لضرب «قسد»، من الخلف، ومن محاور عدة ، بالإضافة إلى هجمات مركزة على مواقع معينة.
الباحث المختص في شؤون المنطقة في مركز عمران للدراسات بدر مصطفى، قال لـ «القدس العربي»: لا يمكن الجزم بالأسباب الفعلية الكامنة وراء تأخر السيطرة الكاملة على الجيب الأخير لتنظيم «الدولة» شرقي الفرات متعددة، ولكن يمكن تأطيرها بمجموعة من 4 عوامل.
1- الجغرافيا والمناخ: منطقة ريف دير الزور، هي منطقة ذات طبيعة صحراوية وأراض زراعية مفتوحة الإتجاهات، بدون حدود طبيعية حادة تُسهل عملية السيطرة عليها، وكونها تقع على نهر الفرات وهذا أمرٌ يوفر للتنظيم إمكانية التزود بالمياه وبالمواد الغذائية المحلية والخارجية. كما تمكنه هذه العوامل من مواجهة «قسد»، التي أصبحت تسيطر على مساحات واسعة من الآراضي المفتوحة، والمناخ المتقلب في المنطقة وهبوب عواصف رملية، أدت لاستفادة التنظيم منها في القيام بهجماتٍ خاطفة أسر من خلالها العشرات من عناصر قسد.
«قسد» منهكة وتتكبد خسائر فادحة والجغرافيا والمناخ عملا لصالح التنظيم
2- الخبرة القتالية: قام تنظيم «الدولة» بتغيير نوعية الهجمات، من سيطرة على المدن الكبيرة إلى الإستهداف عبر العبوات الناسفة والمسدسات ذات الكواتم الصويتة. ويمتلك عناصر التنظيم المتبقون في جيبه الأخير، وفق الباحث، خبرة قتالية تزيد عن خبرة معظم عناصر «قسد» الذين يتألفون من منضمين لاجل الراتب منذ ما يقل من سنة، وقسمٌ آخر يتمثل بالمجندين إلزامياً، وفيما يخص وحدات حماية الشعب فهي موزعة على كامل مناطق سيطرة الإدارة الذاتية.
ونوعية المقاتلين في صفوف التنظيم، هي أحد الأسباب الهامة المؤثرة، فقد لوحظ خلال الفترة الأخيرة، زيادة أعداد المقاتلين الأجانب ممن يحاولون الفرار إلى خارج سوريا سواءً من قبل «الإدارة الذاتية» أو من قبل بعض فصائل «درع الفرات»، وهؤلاء الباقون هم من الصفوف الأولى للتنظيم من قادة وعناصر. وفي هذا الخصوص تم الإعلان قبل أيامٍ، عن تمكن قوات سوريا الديمقراطية مدعومة بقوات التحالف الدولية من إلقاء القبض على شخصية «تُعتبر الرجل الثاني في «تنظيم الدولة» بعد زعيمه أبو بكر البغدادي، وهو «أسامة العويد أبوزيد» في مسقط رأسه ببلدة الطيانة بريف دير الزور. ونوه المصدر، إلى أن القوات المواجهة «لتنظيم الدولة» لا تدعي صفةً قومية، فلا هي تدعي تمثيلها للكُرد، ولا الكُرد متفقون على تمثيلها لهم، بالإضافة لحقيقة أن ما يقارب نصف تعدادها من القومية العربية وبعض السريان.
3- دروع بشرية: عاملٌ آخر يؤثر في مجريات المعركة، ويتمثل في احتجاز تنظيم «الدولة» للكثير من المدنيين داخل البلدات في المنطقة، وهو ما يصعب من عملية الاستداف لتجمعاتهم، وأدى لحدوث مجازر عدة ضمن صفوف المدنيين.
4-معركة مفتوحة وإنهاك «قسد»: أدت المعارك في شرقي الفرات حسب الباحث، والتي امتدت إلى ما يقارب العام في ريف دير الزور، شرقي سوريا، لإحداث تعبٍ ضمن صفوف قوات «قسد»، بالإضافة لعدم حدوث أي تقدم في الملف السياسي السوري، والذي من شأنه أن يدفع بتركيز الاطراف كافة في سوريا على محاربة التنظيم، وهذا ما نراه من التزام كل طرفٍ بجبهاته مع التنظيم.
ضغوط تركية
على الصعيد الدولي، تعهد الرئيس التركي رجب طيب أردوغان – الثلاثاء – باستئصال بقايا تنظيم «الدولة» بالكامل في غضون بضعة أشهر، وقال: «نحن من بدأ بتركيع داعش، بعدما أصبح من أكبر التحديات التي تواجه الإسلام، أما من يدّعون مواجهته فلم يبذلوا أي جهد حيال ذلك»، وأضاف «لم يكن هناك داعش في سوريا، وإنما عصابات صغيرة كانت تنتظر على دكة الاحتياط، تم تدريبها وتجهيزها لزعزعة ذلك البلد والمنطقة تحت اسم داعش».
وفي هذا الصدد، رأى مصطفى، أن تركيا تحاول أن تثبت أن لديها الأمكانية البشرية والعسكرية التي تمتاز بها الدول، بالمقارنة مع ما تمتلكه قوات سوريا الديمقراطية من أعدادٍ أقل ودعمٍ يتوقف وفق سياسة التحالف الدولي، وهي برفع هذا الملف تعيد التركيز على نقطة لحليفتها «واشنطن» وبأنها الخيار الافضل للتعاون في سوريا إذا ما قورنت بتنظيم «ما دون الدولة»، وإشكالي للعلاقة التركية – الأمريكية. كما أن تركيا تحتفظ بأعداد كبيرة من المقاتلين المنتمين إلى المنطقة الشرقية وهم على استعداد للقتال إلى جانبها في معركة تعيدهم إلى مناطقهم، وتنهي «مشروع الإدارة الذاتية» في شمال شرقي سوريا.
شرق سوريا إلى أين؟
وفي هذا الصدد، قال الباحث المختص لـ «القدس العربي»: لا يمكن التكهن بمصير شرقي الفرات، وهي منطقة مفتوحة على الكثير من الإحتمالات، فسياسة الولايات المتحدة الأمريكية المتحكمة فيها غير واضحة المعالم، وتتغير باستمرار، وتتعرض أمريكا لضغطٍ كبير من تركيا، في وقتٍ تحاول واشنطن تضييق الخناق على إيران. وضمن سياق المساومات السياسية بين الأطراف الدولية يمكن توقع إما انسحاب أمريكي لصالح سيطرة تركية، أو لصالح النظام وهو مُستبعدٌ حتى الآن، والخاتمة الأكثر إيجابية لشرق الفرات تبدو من خلال احتمالات عدة أهمها:
حدوث اتفاق سياسي في سوريا، يتم منح الإدارة الذاتية مشروعية دستورية مقابل إعادة سلطات معينة للمركز، وحماية مصالح الولايات المتحدة، أو نجاح مشروع واشنطن في الفصل بين حزب العمال وأحزابٍ من الإدارة الذاتية، بما يطمئن تركيا من زوال خطر تحول شرق سوريا إلى منطقة آمنة لنفوذ حزب العمال الكردي.