شرق أوسط بدون أمريكا: حرب باردة جديدة أم فوضى؟

حجم الخط
0

■ على الرغم من كل المشاكل والازمات التي اثارتها الولايات المتحدة منذ دخولها في شؤون الشرق الأوسط قبيل الحرب العالمية الثانية، الا انها وبفعل طول تجربتها التاريخية في التعامل مع المنطقة نجحت الى حد كبير في ادارة الامور لصالحها، وتحقيق الهيمنة الاقليمية على المنطقة حتى مع وجود منافس عتيد لها متمثل في الاتحاد السوفييتي السابق. الا أن دخول قوى عظمى بازغة، مثل الصين، للمنطقة ومساعيها لملء الفراغ السياسي والاستراتيجي الذي سيوجد، إثر تراجع الولايات المتحدة واتجاهها لتعميق انغماسها وتركيز قوتها على مناطق أخرى من العالم مثل، الشرق الاقصى والاطلنطي سيترك المنطقة عرضة لتقلبات سياسية واستراتيجية خطيرة، كون الصين ليست لديها الخبرة والحنكة الدولية التي كانت تتمتع بها الولايات المتحدة. وهو ما سيجعل من منطقة الشرق الاوسط حقل تجارب للصين، تماماً كما كانت بالنسبة للولايات المتحدة طوال الحرب الباردة.
مبدئياً، وبالنسبة للوضع المستقبلي للقوة الأمريكية عبر العالم، وعلى العكس مما يعتقد الكثيرون، بسبب التراجع الأمريكي في إدارة بعض الازمات والصراعات الدولية مؤخراً (مثل الأزمة في أوكرانيا والصراع في سوريا وغيرهما) فإن مكانة الولايات المتحدة ونفوذها الحقيقي لم يتضرر كثيراً حتى الان. فالمصالح الامريكية العليا لم تتضرر، والامن الامريكي (أو أمن حلفائها) غير مهدد بصورة خطيرة، والاتهام الذي يوجهه البعض للادارة الامريكية بتعاملها اللين والضعيف تجاه الرئيس الروسي بوتين، على سبيل المثال، ليس صحيحياً. فالولايات المتحدة كقوة دولية عظمى لديها من الالتزامات والواجبات ما يوجب عليها التحرك بتأن وصبر استراتيجي شديد ـ على حد قول وزيرة الخارجية الامريكية السابقة كوندليزا رايس ـ وأن تنظر للصورة الكاملة وعلى المدى البعيد، وليس القصير وعلى المكاسب الوقتية.
الولايات المتحدة تعلم جيداً أين تقع مصالحها القومية الجوهرية، التي تستحق وحدها المخاطرة بالتورط في صراعات مع بقية القوى الدولية في اي منطقة من العالم، مثل حالات دول أوروبا الغربية ودول مثل بولندا في منطقة أوراسيا، السعودية في منطقة الشرق الأوسط، اليابان في الشرق الاقصى، ودول أمريكا الشمالية والجنوبية (وهذا مبدأ سائد منذ القرن التاسع عشر) وعليه، ومادامت أوكرانيا (أو غيرها) لا تمثل مصلحة عليا لامريكا، فإنها لا تستدعي الاهتمام بها، بالدرجة التي قد توصل لحالة الصراع مع قوى نووية مثل روسيا من جانب، وتحميل الولايات المتحدة ودافعي الضرائب الامريكية فاتورة حرب غير ضرورية، في ظل الاوضاع الاقتصادية الصعبة التي تعاني منها الولايات المتحدة وحلفاؤها الغربيون.
وبالتالي فإن التراجع الذي يراه البعض ما هو إلا استراتيجية وتكتيك أمريكيان يندرجان تحت ما يمكن أن نسميه بـ»التقييد الاستراتيجي» بتعبير كل من ستيفن والت وجون ايكنبيري.
بالنسبة للصين، فإن اعتمادها على المنطقة العربية (وتحديداً على دول الخليج العربي) في توريد احتياجاتها المتزايدة من النفط (تستورد الصين حوالي 50% من احتياجاتها النفطية من الخليج العربي) سيجعلها متورطة لعنقها في ادارة شؤون المنطقة، سواء من أجل ضمان وصول البترول الى اسواقها بيسر وبأسعار منخفضة، او الحفاظ على مصالحها الاقتصادية المتزايدة هناك، وهو ما يعني عملها على تقوية علاقاتها مع الدول المصدرة للنفط وبناء شبكة من التحالفات مع القوى الاقليمية في المنطقة، وهي الدول التي لا توجد لديها علاقات عميقة معها، بعيداً عن العلاقات الاقتصادية والتبادل التجاري. وبالتالي سيحد من قدرتها على ادارة الصراعات والازمات التي تعج بها المنطقة، بما قد يجعل الامور غير مستقرة وسبباً في تعثر واعاقة نفوذها الدولي. وهو النمط الذي تمت ملاحظته حتى في مناطق أخرى تتمتع فيها الصين بنفوذ ووجود قديم نسبياً، مثل الوجود الصيني في افريقيا واسيا، حيث لوحظ ان جل اهتمام الصين ينحصر في تدعيم مصالحها الاقتصادية والنأي بنفسها عن التورط في محاولات حل أو ادارة الصراعات السياسية والاجتماعية في هـذه المناطق.
من ناحية أخرى، دخول الصين في حرب باردة مع قوى دولية أخرى تسعى لفرض هيمنتها وتوسيع نطاق نفوذها في المنطقة بعد انسحاب الولايات المتحدة مثل الهند وروسيا، حيث تعمل الهند على توسيع نفوذها الاقتصادي في المناطق المجاورة لها مثل وسط وغرب اسيا وفي الخليج العربي، وبحرياً في المحيط الهندي وبحر العرب والخليج العربي، وهو الشريان الرئيسي (وربما الوحيد) لضمان وصول الامدادات النفطية للاسواق الصينية، وهو ما يعني وقوع الصين تحت رحمة الهند في المستقبل، وحتى الهند نفسها تسعى جاهدة لتعميق ارتباطها الاقتصادي بالخليج العربي والشرق الاوسط، الذي يمثل سوقاً عظيمة للتوسع الاقتصادي الهندي، ومستِقِبلا كبيرا للقوى العاملة الهندية ومصدراً كبيراً للدخل القومي الهندي المتمثل في تحويلات القوى العاملة الضخمة في الخليج العربي، وهو ما قد يساعدها ويجعل فرصها كبيرة في تحقيق نفوذ أكبر من الصين (وغيرها من القوى الدولية البازغة) لعمق الاتصال الثقافي والاقتصادي بينها وبين دول المنطقة، وبفضل جاليتها الضخمة المنتشرة في المنطقة، وبفضل قوتها الناعمة المتزايدة.
أما بالنسبة لروسيا، وتحت قيادة بوتين، فإنها ستسعى هي الاخرى جاهدة لتدعيم وتجديد نفوذها التقليدي في المنطقة، مستغلة ارث سلفها الاتحاد السوفييتي وعلاقاته الممتدة مع قوى اقليمية كبرى في المنطقة مثل، مصر وايران واسرائيل.
حيث لوحظ وجود مساعي حثيثة من جانب روسيا لاحياء الامبراطورية الروسية، كما تجلي ذلك في افتعال ازمات مثل جورجيا (2008) واوكرانيا (2014) واسلوب ادارتها لصراعات اقليمية في الشرق الاوسط وتحدي الهيمنة الامريكية، كما في الازمة السورية، ومن قبلها ازمة البرنامج النووي الايراني، وحتى في حرب احتلال العراق 2003.
ولان الشرق الاوسط كان دائماً يحتل مكانة مركزية في الاستراتيجية السوفييتية، فيتوقع أن يستمر كذلك في الاستراتيجية الروسية، سواء بسبب النفط والغاز الطبيعي، اللذيت تعتبر روسيا من أكبر مورديه العالميين، وهناك حاجة ماسة للتنسيق والتعاون مع الدول العربية المصدرة له، خصوصاً المملكة العربية السعودية، وأيضا لأن روسيا تعتبر نفسها اكثر الاطراف الدوليين فهماً ومعرفة بظروف وحالة وتفاعلات المنطقة، وبالتالي اكثرهم قدرة على حلها وادارتها بصورة افضل من الجميع، وثالثاً لانها أكثر هذه الاطراف تعاوناً مع القوى الاقليمية، وبالتالي فإنها لن تسمح باقصائها وطردها من المنطقة مرة أخرى، كما فعلت الولايات المتحدة والغرب معها اثناء الحرب الباردة.
يرتبط هذا الحديث ارتباطاً جوهرياً بمسألة نظرية متعلقة ببنية النظام الدولي، حيث يمكن القول بأن نوعية القطبية الدولية التي ستبرز خلال النصف الثاني من هذا القرن سوف تؤثر، ليس فقط، على السلوك الخارجي لدول الربيع العربي، ولكن على كافة أفعال وسلوكيات الوحدات الدولية والفاعلين الدوليين الآخرين. فإذا ما تحول النظام الدولي إلى نظام ثنائي القطبية (الولايات المتحدة والصين) فمن المتوقع أن تعود أجواء الحرب الباردة من جديد. مثل هذه البنية الدولية ستعطي لهذه الدول حرية حركة كبيرة نسبياً على المستوى الإقليمي والدولي، بسبب المنطقة الرمادية بين القطبين، التي سيكون الفارق الشاسع في حجم القدرات والامكانيات مطمئناً لها، سيجعل جل تركيزها منصباً على التوازن ضد القطب الدولي الآخر، وإن ظل الاستقطاب الدولي على أشده لضم هذه البلاد إلى أحد القطبين احتمالاً غالباً.. كلا حسب أهمية مركزه الجغرافي ومكانته القيادية في منطقة الشرق الأوسط، التي ستظل دوماً «ذخـراً إستراتيجياً» للقوى العظمى الساعية للسيطرة على مناطق استخراج النفط، والتحكم في أهم طرق المواصلات في العالم، قناة السويس، مضيق جبل طارق، مضيق هرمز. وعليه فإن بعضاً من الدول العربية مثل، مصر والسعودية وإمارات الخليج العربي وسوريا وغيرها، ستكون ساحة للحرب الباردة بين الولايات المتحدة والصين، وربما أيضا روسيا والهند وأوروبا، بصورة ستجبرها على انتهاج سياسات خارجية وتوازنات دقيقة للغاية لتوضيح الحدود الفاصلة بين المصالح الوطنية والقومية، وتلك المرتبطة بالقوى الدولية. ومن جانب آخر الفصل بين سيادتها الوطنية وتحالفاتها وتعاونها مع أحد القطبين. النظام الدولي ثنائي القطبية (كما يخبرنا والتز) هـو أكثر النظم الدولية استقراراً، وهو كذلك أكثر الهياكل الدولية تدعيماً لحركة واستقلال القوى الإقليمية والصغرى.
أما في حال بزوغ نظام دولي متعدد الأقطاب تسوده التنافسات والتحالفات والتحالفات المضادة نتيجة سيادة الشعور بعدم التيقن والشك والارتياب في نوايا وتحركات القوى الدولية، سيجعل النظام الدولي ميالاً للصراعات والحروب وعدم الاستقرار بين هذه القوى الدولية. إن تحول النظام الدولي في منتصف القرن الواحد والعشرين ليكون متعدد القطبية (الولايات المتحدة، الاتحاد الأوروبي، اليابان، الصين، روسيا، الهند، البرازيل.. وغيرها من القوى)، على المستوى العام، وعلى المستوى الفرعي/الإقليمي، هو وضع لم تحيا أغلب هذه البلدان في شكل مماثل له من قبل.
في حال تحول النظام الدولي لوضع التعددية القطبية، فإنه سيتطلب من دول الربيع العربي سياسة خارجية حذرة للغاية، عقلانية إلى أبعد الحدود، وهادئة إلى حد السكون، نظراً لأن طبيعة البنية الدولية المتعددة القطبية تجعل من احتمالية الوقوع ضحية الحسابات الخاطئة والتصورات الخاطئة، نتيجة عدم الثقة وعدم التيقن من نوايا واهداف الأطراف الدولية الاخرى لعدم توافر المعلومات الكافية والمؤكدة عن سلوكياتها ونواياها الحقيقية، وانتقال وتغير تحالفاتها وانحيازاتها من طرف إلى آخر، كون التفاوت النسبي في توزيع القدرات بين القوى الدولية محدود للغاية. وهو ما يعني أن انتقال طرف إقليمي محوري في منطقة مثل العالم العربي (مثل مصر أو السعودية) من تكتل أو تحالف إلى معسكر آخر سيساهم في الإخلال بتوازن القوى بين الأطراف، وبالتالي زيادة قوة كتلة عن اخرى، واحتمال تورطها في حروب مع التكتلات الاخرى من أجل إعادة توازن القوى.
واستمرار هذا التنافس الدولي المستعر سوف يحدد بكل تأكيد مستقبل التوازن الدولي في هذه المنطقة من العالم، ولن يكون مستقبل المنطقة في رأينا واعداً أو حتى مقبولاً كما كان طوال فترة الهيمنة الامريكية على المنطقة، خصــــوصاً في حالة استمرار الاوضاع السياسية والاجتماعية المضــــطربة في المجتمعات العربية، بسبب تعثر الثورات وانتكاسة التحول الديمقراطي وزيادة وتيرة الاعمال الارهابية وحالات الاستقطاب الاقليمية. وهو ما ينبئ بمستقبل مضطرب ومليء بالازمات والصراعات، سواء الداخلية أو الاقليمية أو الدولية.

٭ كاتب مصري

محمد احمد أبو زيد

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية