شرق الفرات في سوريا: هدوء يخفي وراءه حراكا تفاوضيا ودبلوماسيا صامتا

هبة محمد
حجم الخط
0

دمشق – «القدس العربي»: نظرة فاحصة على تصريحات المسؤولين الأتراك القريبين من الرئاسة، حول السياسة الأمريكية، وما يتعلق «بعقدة النجار» في سوريا، المتمثلة في ملف شرقي الفرات، وخاصة بعد تصريحات المبعوث الأمريكي الخاص إلى سوريا جيمس جيفري، وتبادل الزيارات بين مسؤولي البلدين، نجد أن هناك مؤشرات على عدم وجود اي توافق تركي – أمريكي، اذ يتم العمل على تجاوز المحنة أو تحقيقه بثمن ما، فيما يبقى الحل النهائي بيد اللاعب الأمريكي، الذي يقف أمام أي انفراجة او فرص نجاح التسويات الثنائية، لوضع المنطقة، ما لم تحظ بقبول أمريكي، وسط جمود يخفي وراءه حراكاً تفاوضياً ودبلوماسياً مكثفا، يجري في صمت لإعادة ترتيب الأوراق وفق شروط تفاوضية أو عروض صعبة لهندسة خريطة شرق الفرات ذات الأهمية القصوى.

خبير تركي لـ «القدس العربي»:«قسد» ستتحول إلى جسم سياسي

ويدور محور التركيز في التصريحات التركية على اتهام واشنطن بتقديم كمية كبيرة من الأسلحة والمعدات العسكرية الثقيلة إلى الميليشيات الكردية المسلحة، بشكل يفوق متطلبات أي عملية عسكرية ضد فلول تنظيم الدولة، وكان احدث تلك الاتهامات على لسان وزير الدفاع التركي خلوصي أكار، خلال حفل افتتاح المؤتمر السنوي المشترك الـ37 في واشنطن، الاثنين، حيث قال إن «مستوى الدعم العسكري الذي تقدمه الولايات المتحدة لتنظيم «ي ب ك» في سوريا، يفوق بكثير المستوى الذي تتطلبه مكافحة الإرهاب هناك، دون وجود أي تقييم تكتيكي قصير المدى يبرر هذه السياسة».

منطقة آمنة

من جهته، نقل المبعوث الأمريكي الخاص إلى سوريا جيمس جيفري، تفهم إدارة بلاده قلق انقرة حيال الميليشيات الكردية، حيث أعلن، أن الولايات المتحدة الأمريكية تعمل مع تركيا حول إنشاء منطقة آمنة شمال شرقي سوريا، وذلك خلال كلمة ألقاها في المؤتمر السنوي المشترك الـ37، الذي ينظمه مجلس الأعمال التركي الأمريكي .(TAİK)، والمجلس الأمريكي التركي (ATC) في واشنطن
وقال جيفري، إن «تركيا والولايات المتحدة كانت لديهما ولا تزال في الوقت الحاضر، شراكة جيوستراتيجية مهمة، لافتاً إلى وجود الكثير من الأعمال التي يجب القيام بها من أجل العملية السياسية في سوريا، ومنها العمل المشترك مع أنقرة من اجل عدد من القضايا المتعلقة بسوريا.. وأردف: «نعمل مع تركيا بشأن منطقة آمنة لم نتوصل بعد إلى اتفاق تام حولها. تركيا لديها مخاوف أمنية مهمة جدًا».
ورغم كثافة الزيارات والرسمية والتصريحات الأمريكية والتركية، الا ان هدوءا ربما تتبعه العاصفة، يخيم على ملف اهم منطقة غنية بالثروات الباطنية والغذائية في سوريا، اذ يختزل هذا الجمود حسب الباحث لدى مركز عمران للدراسات الاستراتيجية حراكاً تفاوضياً ودبلوماسياً غير معلن بين الفاعلين المعنيين بالأمر، يمكن الاستدلال على ذلك بالتصريحات الصادرة من هنا وهناك والتي تتضمن شروطاً أوعروضاً لترتيب الوضع شرق الفرات.
حيث أعلن مظلوم عبدي القائد العام لما يعرف بقوات «قسد» عن شرطين للتفاوض مع تركيا، في حين أعلن جيمس جيفري عن جهود متواصلة مع الجانب التركي لإنشاء منطقة آمنة لا تحتوي على عناصر من حزب البي كاكا، فضلاً عن حراك روسي مستمر لفرض رؤية موسكو وإعادة ترتيب وضع المنطقة.

لن تبصر النور

وتوقع الباحث السياسي لهذه الجهود التفاوضية أن تأخذ وقتها، دون ان تثمر عن شيء في المدى القريب، وذلك نظراً لتضارب المصالح وتناقض رؤى الفاعلين وأولوياتهم وتصلب مواقفهم، الا ان الدسوقي اعرب عن ان ما سبق «لا يلغي إمكانية حدوث تطورات تتصل بالوضع الداخلي في شرق الفرات والتحالفات داخل قسد وإمكانية تبلور تحالفات جديدة وتشكل قوى جديدة، على خلفية العمل الأمريكي المستمر لفصل حزب «ب واي د» عن ارتباطه بحزب «بي كاكا» فضلاً عن جهود تقودها أطراف إقليمية لبلورة قوى وتحالفات في المنطقة خارج مظلة قسد.
وأضاف الدسوقي لـ «القدس العربي»، «تزايد الانقسام بين المكون العربي والكردي داخل قسد والإدارة الذاتية بخصوص دور وحضور كل منهما في ترتيبات المرحلة المقبلة، ويضاف لما سبق إمكانية كسر الأحداث الأمنية للجمود القائم على خلفية تكثيف بقايا تنظيم الدولة لعملياتها الأمنية في هذه المنطقة، أو لجوء النظام وإيران إلى شن عمليات أمنية ضد القوات الأمريكية والقوى المتحالفة معها للضغط عليها وحثها على الانسحاب المبكر». موضحاً، ان الحل النهائي سوف يبقى بيد الجانب الأمريكي، اذ من المعلوم انه لا فرص لنجاح أي تسوية روسية – تركية للوضع في شرق الفرات، ما لم تحظ بقبول أمريكي وهو ما يدركه جميع الفاعلين.
وتوقع الدسوقي «ان المنطقة الآمنة التي تريدها تركيا لن تبصر النور قريباً» مستنداً على نتائج «خارطة طريق منبج بين الجانبين التركي والأمريكي التي لم تطبق بكليتها لغاية الآن» فكيف بمنطقة آمنة في شرق الفرات حيث الوضع أكثر تعقيداً، كما أعتقد أن الحديث الأمريكي عن المنطقة الآمنة مع الجانب التركي ما هو إلا تذكير الجانب التركي بأن الحل بيد واشنطن وليس بيد روسيا، أي ضبط الحركة التركية تجاه روسيا».
وفي ظل جو سائد من عدم الثقة بين الطرفين التركي والأمريكي، كان الأخير قد قدم اقتراحاً لانشاء منطقة آمنة تشمل مساحات من الشمال السوري، بمحاذاة الحدود مع تركيا، لم يحدد عمقها، بيد انه وبالرغم من اهمية البند الغامض، الا ان مما يؤرق الجانب التركي هو مصير اسلحة الميليشيات الكردية التي تواصل واشنطن تقديمها لقوات «قسد».
ويخشى الطرف التركي من سيناريو يتم طبخه وإعداده على نار هادئة، يقتضي بأن تحتفظ قوات سوريا الديمقراطية التي يرمز لها اختصاراً بـ «قسد» بكامل الأسلحة والعتاد التي قدمتها له واشنطن، وان تقوم قوات اوروبية بحماية «قسد» بينما تفصل قوات امريكية بين مناطق «قسد» ومناطق يزمع ادارتها تركيًا، وهذا يخلص إلى ان امريكا وشركاءها الاوروبيين بصدد انشاء كيان في منطقة شرق الفرات التي تشكل منبع الثروة النفطية من بترول وغاز طبيعي، وهو ما أشار اليه المحلل السياسي التركي محمود عثمان لـ»القدس العربي».
وقال الخبير التركي، إن منطقة شرقي الفرات تحتل مكانة استراتيجية كبيرة بالنسبة لتركيا من حيث التخوف من انشاء كيان لمنظومة البي كاكا «الإرهابية» وان اختلفت المسميات، فيما يحاول الطرف الأمريكي طمأنة تركيا، حول تحجيم «قسد» وعدم تحولها إلى جيش.
وحسب المعلومات المتوفرة لدى الخبير فإن «قسد» ستتحول «الى جسم سياسي، اما القسم العسكري فستتم مشاركة بقية المكونات السورية وخصوصا العشائر، حيث سيتم دمجها مع بقية المكونات وبالتالي إخراجها عن منظومة ميليشيات تابعة لحزب العمال الكردستاني» لافتاً إلى ان تركيا تنظر بعين الشك والريبة إلى هذا السيناريو، لان هذه الوعود قد سبق للأمريكان وغيرهم بان قدموا وعوداً كثيرة للطرف التركي، بقيت في الهواء ولم يتحقق منها شيء.

الأمن الاستراتيجي

منطقة شرق الفرات تحتل المرتبة الأولى بالنسبة لأنقرة، من حيث أمنها الاستراتيجي، حيث يبدي الطرف التركي مخاوفه من إنشاء كيان مستقل يتمتع بخصوصية ما في هذه المنطقة، فأنقرة «تشعر بان المنطقة الآمنة ربما تشكل طعماً لها لكي تقبل تركيا بإنشاء كيان كردي له استقلالية ولو نسبية» حسب المتحدث الذي تساءل «ترى قلقاً نقرأه من خلال التصريحات التركية التي كان آخرها تصريح وزير الدفاع خلوصي اكار، وخاصة بعد نهاية تنظيم داعش، وإعلان الرئيس الأمريكي القضاء على التنظيم، فماذا يعني الاستمرار بتقديم السلاح لمنظومة قسد؟».
واشار وزير الدفاع التركي خلوصي أكار، الاثنين، إلى وجود حوار مستمر بين الرئيسين الأمريكي دونالد ترامب، والتركي رجب طيب اردوغان، لافتا إلى مساعي بلاده الحثيثة لتخطي الخلافات الثنائية، مع مراعاة تهديد المنظمات «الإرهابية للأمن القومي التركي».
واستنتج عثمان ان منطقة شرق الفرات هي عقدة العلاقات التركية الروسية، وهي السبب في التوتر في العلاقات بين الطرفين، وقال «الان هناك وفد تركي في واشنطن يجري مقابلات مع الرئيس ترامب واركان ادارته، فيما ترد الانباء من هناك، وتفيد بقدر من الايجابية والانفراد في العلاقة بين البلدين، لكن تبقى مسألة شرق الفرات اذا لم تحرز أي تقدم ملموس فإن العلاقات التركية الأمريكية سوف يسودها التوتر» إلى ان يتم التفاهم حول هذه المنطقة الحساسة.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية