عاد الخلاف على المصادر الطبيعية في منطقة شرق المتوسط من جديد، بعد تراجعه بين تركيا من جهة واليونان وقبرص ومصر، بشأن حقوق أنقرة في التنقيب عن الغاز الطبيعي في المناطق التي تعتبرها جزءا من منطقتها الاقتصادية. وتحاول اليونان وقبرص استغلالها دون الاهتمام بالحقوق التركية، وخاصة في قبرص الشمالية، الدولة التي لا يعترف بها أحد سوى أنقرة.
ولا يزال التوصل إلى تسوية وحل المشاكل العالقة صعبا أن لم يكن شبه مستحيل في ظل التوتر المتزايد والسياسات الأمريكية، وخاصة تلك التي انتهجتها إدارة الرئيس السابق دونالد ترامب التي اتخذت موقفا واضحا ضد تركيا، واعتبرت اليونان، عضو الناتو مثل تركيا، حليفا استراتيجيا، وأعلنت في الأشهر الأخيرة من عملها عن مساعدات عسكرية، كما بدا في الزيارة الاستفزازية التي قام بها مايك بومبيو إلى اليونان واسطنبول بدون أن يلتقي بمسؤول تركي.
لا أمزح
وفي الأونة الأخيرة احتدم النزاع بين أنقرة وأثينا بشأن ما تراه الأولى محاولة يونانية تجاه الحدود البحرية في بحر إيجة. وكان الرئيس التركي رجب طيب اردوغان واضحا في حديثه أثناء مناورة عسكرية ضخمة «أفس 2022» بولاية أزمير، حين دعا اليونان التحلي بالحكمة والابتعاد عن التصرفات والأحلام التي «ستؤول للندم». وجاء التحذير التركي وسط اتهامات بتسليح الجزر غير العسكرية وعدم اختراق القوانين الدولية «أنا لا أمزح» قال اردوغان. وأضاف أن تركيا لا تنتهك حقوق أي دولة ولن تسمح لأحد بانتهاك حقوقها وقوانينها. وتظل تركيا حساسة من محاولات دول الحوض متابعة مصالحها بدون أن تشملها فيها وما تراه أنقرة تعديا على حقوقها، وخاصة أن الترتيبات البحرية التي تم الاتفاق عليها بعد هزيمة الدولة العثمانية في الحرب العالمية الأولى انتقصت كثيرا من حقوق تركيا وفضلت اليونان التي كانت لديها في ذلك الوقت طموحات في إرث الدولة العثمانية. ومن المعروف أن العلاقة بين البلدين لم تكن أبدا جيدة ويسودها الشك والترقب، رغم توصلهما لعلاقة عمل في السنوات الماضية، إلا أن الأوضاع توترت في ظل الحكومة الحالية بأثينا وعدم تعاونها في تسليم ضباط أتراك فروا بعد المحاولة الانقلابية الفاشلة في تركيا عام 2016. واستبعد منتدى غاز الشرق الأوسط تركيا من تشكيلته. وكان التحالف في منطقة شرق المتوسط ضد تركيا سببا في توقيع أنقرة في تشرين الثاني/نوفمبر معاهدة ترسيم الحدود البحرية مع ليبيا وكجزء من تفاهمات أمنية وعسكرية مع حكومة فائز السراج في حينه. وجاءت ضمن محاولات طرابلس التصدي للحصار الذي فرضه أمير الحرب خليفة حفتر، وانتهى بتدخل تركيا عسكريا لصالح حكومة الوفاق السابقة وانسحاب قوات حفتر والمرتزقة الذين كانوا معه. وانتقدت مصر المعاهدة، خشية أن ترجح كفة طرابلس ضد حفتر الذي كانت القاهرة تدعمه. إلا أن الخلاف التركي مع اليونان بشأن الجرف القاري وطرق استخدامه طغت على العلاقات نهاية عام 2020 وذلك عندما أرسلت أنقرة سفينة التنقيب عروج ريس إلى مناطق تقول اليونان وقبرص أن لهما حقوقا فيها.
وفي ظل الأزمة الحالية للطاقة وتكالب دول أوروبا والبحث عن مصادر بديلة للغاز والنفط الروسي، بعد قرار دول الاتحاد الأوروبي تقليل اعتمادها على الطاقة الروسية بسبب غزو أوكرانيا، بات الغاز المسال بضاعة ساخنة. وتداخلت في موضوعه المسائل الجيوسياسية، كما هو واضح في العلاقة الجزائرية-الإسبانية، حيث قررت الحكومة الجزائرية تعليق معاهدة صداقة عمرها 20 عاما مع إسبانيا بسبب المواقف من الصحراء الغربية التي تدعم فيها الجزائر مقاتلي جبهة البوليساريو ويعتبرها المغرب تحت سيادته. وأشارت صحيفة «فايننشال تايمز» (9/6/2022) إلى أن إسبانيا القلقة عبرت عن أملها ألا يؤثر إلغاء المعاهدة على التزامات شركة الطاقة الجزائرية سوناطراك بعقود توريد الغاز عبر أنابيب تحت البحر، بعدما أوقفت الجزائر قناة تمر عبر المغرب بسبب الصحراء والعلاقات المغربية-الإسرائيلية التي ترى فيها الجزائر تهديدا لها.
قضايا أساسية
ومن هنا تلعب الخلافات السياسية والمصالح الإستراتيجية دورا في تأجيج النزاع على المصادر الطبيعية، فالخلاف التركي-اليوناني مثلا يدور حول عدد من القضايا التي من الصعب التوصل فيها لحلول وتعتبر مكلفة سياسيا للبلدين، فكما أشرنا بداية فالوضع هو نتاج لمرحلة ما بعد الحرب العالمية الأولى ويدور حول الحدود البحرية للبلدين وملكية اليونان لجزر في بحر إيجة، وكذا حدود المناطق الاقتصادية الخاصة بكل منهما إلى جانب الأزمة القبرصية التي لم تحل بعد. وترفض اليونان المطالب التركية وتعتبرها خرقا لسيادتها. وفي الوقت الذي تفضل فيه تركيا حلا ثنائيا للمشاكل تفضل اليونان التحكيم الدولي، ولكن في قضايا محددة وليس كل ما تريده تركيا.
وأخذت الخلافات بين البلدين وبلدان شرق المتوسط بعدا جديدا بسبب الطاقة والاكتشافات الأخيرة من الغاز الطبيعي إلى جانب الأزمة في ليبيا التي أدت إلى نزاع القوى الإقليمية على البلد الغني بالنفط، فقد اصطفت مصر والإمارات العربية المتحدة وفرنسا مع حفتر ودعمت تركيا حكومة الوفاق، وانعكس هذا الوضع على الخلاف على مياه شرق المتوسط. وفي ظل الأخطاء الأمريكية وتراجعها من المنطقة وعدم توافق الاتحاد الأوروبي على سياسة واضحة من المنطقة، فإن الخلافات التركية-اليونانية ستظل قائمة والحل يبدو مستعصيا، حيث هي جيوسياسية الطابع ولا علاقة لها بالطاقة بل بالحدود البحرية والمناطق الاقتصادية الخاصة وأزمة قبرص، حيث تطالب أنقرة بحقوق متساوية بين القبارصة الأتراك واليونانيين. وربما كانت اكتشافات الغاز الإسرائيلية، حقل تمار وليفاثيان، 2009-2010 وقبرص 2011 وحقل ظهر المصري في 2015 محفزا للأزمة. وعليه بات ملف الطاقة عاملا في تحفيز النزاعات الإقليمية القائمة منذ وقت.
لبنان وإسرائيل
والنزاع بين تركيا واليونان حول الحقوق في شرق المتوسط، ليس الوحيد، فقد اتسم النزاع اللبناني-الإسرائيلي حول حقل كاريش المكتشف في 2013 وباحتياطات تقدر بـ 1.3 تريليون قدم مكعب بالحدة. وهدد زعيم حزب الله، حسن نصر الله بالتحرك حال بدأت إسرائيل استخراج الغاز من الحقل قبل حل الخلافات بين البلدين، إلا أن وزير المالية أفيغدور ليبرمان رد على تهديدات نصر الله بالسخرية وطلب منه البقاء في مخبئه، مؤكدا سيادة إسرائيل على الحقل. وحلل الخبير في شؤون الطاقة سايمون هندرسون معالم الأزمة بمقال نشره موقع معهد واشنطن (6/6/2022) قال فيه إن وصول سفينة متخصصة إلى شرق المتوسط لإنتاج الغاز من الحقل أوصل الخلاف إلى درجة الغليان. واستخدمت قاطرتان لنقل سفينة «إنرجان باور» وهي وحدة عائمة لإنتاج الغاز الطبيعي المسال وتخزينه. ويرى لبنان أن كاريش يقع في منطقته الاقتصادية، أي المنطقة التي يمكن للبلدان الساحلية في المنطقة المطالبة بها والتي تمتد إلى مئتي ميل بحري فيما يتخطى الاثني عشر ميلاً بحرياً من المياه الإقليمية العادية. وحذر لبنان في 5 حزيران/يونيو إسرائيل من أي عمل عدواني. ودعا في 6 حزيران/يونيو المبعوث الأمريكي الخاص لشؤون الطاقة عاموس هوشستين لاستئناف دوره في الوساطة بين لبنان وإسرائيل، على الرغم من فقدانه الأمل سابقا. وفي ظل تهديدات حزب الله من مغبة أي عملية إنتاج للغاز قبل التوصل لحل نهائي، قررت إسرائيل تزويد سفينة «إنرجان باور» بحماية من القوات البحرية تشمل على غواصات وبطاريات القبة الحديدية المضادة للصواريخ التي ستنقل إلى البحر.
ويرى هندرسون أن الحل الأفضل للمحادثات البحرية التي باءت بالفشل حتى الآن التوصل إلى اتفاق على ترسيم الحدود البرية عند وصولها إلى البحر. ويقول إن إسرائيل كانت مستعدة لتقديم تنازلات بشأن المنطقة الاقتصادية التي قدمتها قبل أكثر من عقد إلى الأمم المتحدة، إلا أن لبنان قدم عام 2020 بيانات جديدة ونتائج دراسات مسحية لشركة بريطانية وآراء خبراء دوليين وبضغط من الجيش اللبناني. وبدلا من اعتماد خط قريب من الحقل غير المستغل حتى الآن، طالب لبنان بخط أبعد جنوبا، وهو أمر لن تقبل به إسرائيل.
خلط أوراق أم قرصنة؟
وهناك مشكلة تقف أمام حل الأزمة الحالية هي أن لبنان يتعامل مع الخلاف من خلال الأمم المتحدة، لأنه نظريا في حالة حرب مع إسرائيل. وطرح لبنان مسألة أخرى تتعلق بتأثير الخط البحري الذي يفصل بين الجزر الصغيرة. والمشكلة الأهم هي أنه لم يتم بعد ترسيم الحدود البرية بين لبنان وإسرائيل، ما يجعل من الصعب تحديد النقطة التي توازي الحدود البرية في البحر الأبيض المتوسط. وفي ظل الأزمة المالية والاقتصادية التي يمر بها لبنان، فأخبار وصول وحدة عائمة لإستخراج الغاز الطبيعي المسال وتخزينه أثارت البلد الذي يعاني من انقطاع دائم للتيار الكهربائي حيث يعتمد معظم اللبنانيين على مولدات خاصة. ورغم توصل الإدارة الأمريكية لاتفاق من أجل نقل الغاز المصري عبر الأردن وسوريا إلى لبنان إلا أن الخطة لم تنفذ بعد. وتزيد محاولات إسرائيل الأخيرة من مخاطر المواجهة، وإمكانية تنفيذ هجوم على الوحدة العائمة، فقد هدد نصر الله بأن المقاومة مستعدة ماديا وعسكريا، ومع أن الحزب وإسرائيل تجنبا المواجهة العسكرية التي ستكون مضرة لهما، بعد آخر حرب بينهما عام 2006 إلا أن ما يراه لبنان «قرصنة» إسرائيلية ضد مصادر طبيعية يعتبرها واقعة ضمن مناطقه سيزيد التوتر. ويواجه لبنان مشكلة نابعة من أن العقود التي أبرمها مع شركات للتنقيب عن الغاز لم تبدأ بإنتاج شيء والكميات التي عثر عليها ليست كبيرة. وبالمقارنة فقد أبرمت إسرائيل مع «إنرجان باور» عقودا تقضي بتوفير الغاز لمحطات الطاقة الإسرائيلية. ويظل حقل كاريش إلى جانب حقلين حصلت «إنرجان باور» على تراخيص لهما، أصغر بكثير من حقلي «لفياثان» و«تمار» وهما يضخان حاليا الغاز الطبيعي في إسرائيل، ولكن باستخدام وحدة عائمة لإنتاج الغاز الطبيعي المسال وتخزينه، تكون الحقول الثلاثة مجدية تجاريا كما يقول هندرسون. ويعتقد أن وصول الوحدة العائمة وعملها البعيد عن الأنظار قد يؤدي إلى تجديد الجهود الدبلوماسية وإحياء الدور الأمريكي والعمل على خفض التوتر أو حتى الأزمة كليا بعيدا عن مرأى وسمع الرأي العام. وكما هو الحال بين تركيا واليونان والجزائر وإسبانيا، فالسياسة هي وراء حروب الطاقة. وفي أزمة أوكرانيا الحالية جرى اتهام روسيا بأنها وراء أزمة نقص الحبوب في العالم وارتفاع أسعار الطاقة وكلفة المعيشة، مع ان جزءا من المشكلة نابع من السياسات التي انتهجتها أمريكا في الضغط على روسيا وإضعافها، بما في ذلك العقوبات التي فرضتها على موسكو ودفعت أوروبا لكي توقف اعتمادها على الطاقة الروسية بدون بدائل عملية. وفي موضوع لبنان-إسرائيل، فإن توسيع المطلب اللبناني مرتبط بالوضع السياسي الداخلي، فيمكن لحزب الله الذي خسر حلفاؤه في الانتخابات البرلمانية أن يستفيد من الأزمة ويعبئ قواعده. كما أن الرئيس اللبناني ميشيل عون قد يحاول تأمين رئاسة صهره جبران باسيل عبر بوابة الخلاف. ويرى اسحق ليفانون في صحيفة «معاريف» (9/6/2022) أن إسرائيل خلطت كل الأوراق عبر استخراج الغاز في محاولة منها لإجبار لبنان العودة إلى طاولة المفاوضات، حسب رأيه. وهو ما يسميه لبنان قرصنة. وهذا ليس جديدا، فقد سرقت إسرائيل وتواصل سرقة غاز غزة وثروات بحرها وتترك أهلها جوعى محاصرين. والسؤال هل بات المسرح مهيئا لجولة جديدة من المواجهات بين لبنان وإسرائيل، وهذه المرة على الغاز، الأيام كفيلة بتجلية الوضع.