شرق اوسط ما بعد المذبحة : تحويل الصراع بدلا من حله استعدادا لدخول مرحلة ما بعد لبنان
ماذا تنتظر القاهرة لتصحيح موقفها؟ ودمشق لتحريك قضية الجولان؟ والعرب للتمسك بحل جذري شامل؟شرق اوسط ما بعد المذبحة : تحويل الصراع بدلا من حله استعدادا لدخول مرحلة ما بعد لبنان لندن ـ القدس العربي ـ من خالد الشامي: تتجه الاطراف الفاعلة في الازمة الشرق اوسطية الي اعتماد وسيلة بديلة لـ حل الصراع المتعثر بل وشبه المستحيل، الا وهي تحــويل الصراع او conflict transformation)) وهذه تعني احداث تعديل في الظروف المكونة للصراع نفسه، لنقله الي طبيعة مختلفة تجعله اقل تهديدا للامن الاقليمي والدولي، واكثر قابلية للاحتواء.يبدو هذا هو الحل الامثل في حرب تراها اسرائيل (حياة او موت)، ويعتبرها حزب الله معركة الامة وتراها واشنطن فرصة لخلق شرق اوسط جديد . نموذج مثالي لصراع غير قابل للحل.وتبدي تحويل الصراع واضحا في مشروع القرار الفرنسي الذي يخضع لمشاورات غير رسمية في مجلس الامن حاليا. ـ وقف اطلاق النار فورا، كشرط ضروري لينفتح الباب امام تسوية في بيروت التي قصد وزير الخارجية الفرنسي زيارتها غداة رفضها استقبال نظيرته الامريكية، في صفعة غير مباشرة لكن موجعة للدبلوماسية الامريكية.ـ الفورية التي تمنح لبنان انتصارا تأتي وسط اجواء يوفرها شرطان هما اطلاق الجنديين الاسرائيليين مع ايجاد حل لمشكلة المعتقلين اللبنانيين (في صيغة بديلة للتبادل وان كانت تحقق ما اراده حزب الله).كما تأتي ايضا في اطار تنفيذ القرار 1559 ما يمنح اسرائيل القدرة علي ادعاء نصر ما من هذه الحرب، بابعاد حزب الله عن حدودها، وان كان مفهوما ان هذا سيتطلب وقتا من اجل تقرير نوعية القوات الدولية، وماهية مهمتها واخيرا تشكيلها فعلا، وهذه مهام صعبة بل وتمثل حقل الغام ليس مضمونا عبوره اصلا.ـ الخطورة تكمن في ان تقبل اسرائيل شبه انتصار في هذة المعركة مقابل نقل الضغوط للجانب اللبناني، علي امل ان تحرز انتصارها الحقيقي في الحرب باندفاع لبنان نحو التقسيم واجواء الحرب الاهلية.ـ لم تعد الولايات المتحدة قادرة مع هذا العدوان الاسرائيلي علي مواصلة ارتداء قناع الوسيط في الشرق الاوسط، بعد ان ظهرت في بعض مفاصل النزاع اكثر تطرفا وعدوانية من اسرائيل نفسها. ولم تعد الانظمة العربية قادرة علي الادعاء بأن التبعية للموقف الامريكي ليست بالضرورة تبعية لاسرائيل.ـ اذا كان الوضع العراقي يلحق ضررا متواصلا بصورة الآلة الحربية الامريكية، فقد الحق لبنان هزيمــــة ثقيلة بالآلة الدبلوماسية لواشنطن، التي اصبحت عاجزة عن غير التحدث مع او باسم اسرائيل، بينما تبدو فرنسا وقد امسكت باوراق اللعبة الدبلوماسية، مع انفتاح قنواتها علي كافة الاطراف المؤثرة في الصراع بمن فيهم ايران.ـ يواصل الموقف العربي تخبطه بعد وصوله لنهاية الطريق المسدود، عندما فشل في ترجمة بياناته واداناته ومناشداته الي فعل حقيقي واحد علي الارض لمساعدة لبنان في وقف العدوان.ـ العرب فشلوا في نقل قضيتهم الي ساحة اكبر وبالتالي اقل انحيازا لاسرائيل. عندما تحدثت رايس عن حل جذري للمشكلة في لبنان، فشلوا في التمسك بأن حلا جذريا للبنان يتطلب حلا جذريا لنصف مليون فلسطيني لاجئ في لبنان، واربعة ملايين غيرهم حول العالم. وان حلا جذريا للبنان لايمكن ان يتجاوز حلا جذريا للاراضي المحتلة في فلسطين وسورية، ليكون الشرق الاوسط الجديد جاهزا حقا ليري النور.ـ فشلت سورية في الاستفادة من كل هذا الحراك السياسي والانفجار العسكري الذي احدثه العدوان في مجرد تذكير العالم بأن ارضها ما زالت محتلة مثل مزارع شبعا واكتفت بارسال العروض وتكثيف خطابات الغزل لواشنطن لعلها ترضي بمجرد فتح الحوار.ـ واذا جاء الجواب الامريكي لا علنية ومهينة مرة اخري للعروض السورية. واذا كانت اسرائيل لا تريد سلاما ولا حتي حربا مع دمشق، فهل من وقت افضل لاعادة الحياة الي قضية الجولان اذا كانت هناك نية اصلا بالطبع؟ واذا كانت الحرب غير واردة، منطقا وعدلا، فلما لاتفتح الجبهة لمقاومة او حتي انتفاضة حجارة شعبية علي الاقل؟ وماذا سيبقي لدي دمشق من اوراق اذا استعاد لبنان مزارع شبعا، وتم اغلاق الحدود اللبنانية الاسرائيلية بقوات وضمانات دولية؟ـ القيادة المصرية قررت امس ان تشدد لهجة الادانة لمجزرة قانا، فاستخدمت كلمة عدوان اسرائيلي للمرة الاولي منذ اندلاع الازمة، ووصفت ما حدث في قانا بـ المجزرة ، بعد ان وصفه امس الاول بيان رئاسي بقصف غير مسؤول ، وهو التعبير نفسه الذي كان وصفوا به قيام حزب الله بخطف الجنديين الاسرائيليين(…).ويري مراقبون ان القيادة المصرية صعدت اللهجة للالتحاق بـ(لغة) الموقف الاردني الذي كان اعتبر قانا مجزرة وجريمة منذ امس الاول.ـ ولكن اين الدور المصري لوقف العدوان نفسه؟ ولماذا اكتفي وزير الخارجية المصري بزيارة دمشق، ولم يتوجه الي بيروت لتصحيح سوء الفهم ان كان هناك سوء فهم للموقف المصري، او علي الاقل للاطمئنان علي احوال اللبنانيين، والوقوف معهم ولو معنويا، او للاشراف علي خروج الالاف من الرعايا المصريين، او لاستقبال طائرات المساعدات المصرية في بيروت؟هل يكفي خطاب تلفزيوني للرئيس مبارك لتقليص الفارق الهائل عن موقف الشارع الذي يتظاهر يوميا ضد العدوان. هل يعني استدعاء السفير الاسرائيلي في القاهرة وابلاغه الاحتجاج علي مجزرة قانا ان النظام لم ير عدوانا وجريمة في قتل اكثر من ستمئة مدني لبناني قبل حدوث قانا، ولا في تهجير نحو مليون لبناني من منازلهم، ولا في تدمير المطار والبنية التحتية التي كانت مصر نفسها ساهمت في اعادة اعمارها اثر قصف اسرائيل لمحطة الكهرباء في العام الفين؟هل المشكلة الوحيدة هي حدوث مجزرة قانا؟كيف تتوقع القاهرة ان تكون مكانتها وعلاقاتها العربية في مرحلة ما بعد لبنان اذا لم تصحح موقفها الان، ليس بالبيانات، ولكن بموقف واضح يخرجها من خانة الحيادة الرمادية التي تجاوزتها المقاييس الجديدة للصراع، والتي تسيء لمصالح مصر مباشرة بعيدا عن الاعتبارات القومية او العاطفية.