الخرطوم ـ من أندرو هيفنز: بين عشية وضحاها ارتفعت لافتات صفراء براقة علي ضفتي النيل ثم انتشرت بسرعة علي طول الطرق السريعة والشوارع المزدحمة في أسواق العاصمة السودانية التي تعاني من زحام مروري شديد. كانت هذه اللافتات الخطوات الاولي في حملة بدأتها شركة ام.
تي.
ان من جنوب افريقيا لاعلان وجودها في واحد من اخر أسواق الهاتف المحمول التي لم تمتد اليها يد التطوير بعد في القارة السمراء. وفي السنوات الاخيرة ابتعد المستثمرون الاجانب عن السودان في أعقاب الضجة التي ثارت حول أزمة درافور وما أعقبها من عقوبات أمريكية علي الخرطوم. ففي نيسان (ابريل) أعلنت رولزرويس البريطانية انسحابها لتنضم الي طابور الخارجين من السودان ومن بينهم سيمنس الالمانية (وايه.
بي.
بي) السويسرية وسي.
اتش. سي هليكوبتر الكندية.
لكن سوق الاتصالات التي شهدت ازدهارا في الاونة الاخيرة أثبتت أن اغراءاتها لشركات الهاتف المحمول لا تقاوم. فهذه الشركات لا تري في المساحات الشاسعة لاقليم دارفور الغربي بالسودان منطقة كوراث بقدر ما تري فيها سوقا بكرا للهاتف المحمول تنتظر من يدخلها. وأكبر شركة في سوق الهاتف المحمول بالسودان هي الاتصالات المتنقلة (ام.
تي.
سي) الكويتية التي اشترت شركة موبيتل العام الماضي. وقال خالد مهتدي الرئيس التنفيذي لموبيتل في تصريح لرويترز نحن نتوقع نموا كبيرا خلال ما بين ثلاثة وخمسة أعوام… يوجد طلب كامن في مختلف أنحاء البلاد. واضاف وصلت خدمة الهاتف المحمول لاول مرة الي 25 في المئة من السكان هذا العام. وعندما تدخل الشبكة الي مناطق جديدة نشهد زحاما علي الفور. الطلب هائل علي الخدمة.
وأحدث الشركات الكبري التي دخلت السوق السودانية هي (ام.
تي.
ان) الجنوب افريقية فقد اشترت الشركة الام لشركة أريبا للهاتف المحمول في تموز (يوليو) من العام الماضي. وفي أواخر الشهر الماضي غيرت الاسم التجاري اريبا الي (ام.
تي.
ان) ـ السودان، ومنذ ذلك الحين انشغلت بالترويج للاسم الجديد. وتتنافس الشركة الكويتية (وام.
تي.
ان) مع شركة سوداني للهاتف المحمول التابعة لشركة سوداتل الحكومية التي كانت تحتكر قطاع الاتصالات من قبل. ويعتقد محللون ورجال أعمال أن أسماء جديدة ستظهر علي لوحات الاعلانات في الاشهر والسنوات المقبلة. وقال المحلل اندراوس صنوبر من مجموعة المرشدون العرب منذ وصول (ام.
تي.
سي) وأريبا أصبحت السوق تشهد منافسة شديدة ويتزايد اغراؤها للمستثمرين الاقليميين والعالميين.
وترتفع حدة المنافسة في ثلاثة من أكبر ست دول في افريقيا هي نيجيريا ومصر وجنوب أفريقيا كما أن أسواق الهاتف المحمول فيها أصبحت أسواقا ناضجة نسبيا. كذلك فأن سوق الاتصالات الضخمة غير المستغلة في اثيوبيا مغلقة أمام الشركات الاجنبية لان شركة تابعة للدولة تحتكرها. ولا يتبقي بعد ذلك من الاسواق الكبري سوي جمهورية الكونغو الديمقراطية والسودان. والحسابات واضحة. فالسودان أكبر دول القارة الافريقية مساحة وسادس أكبرها سكانا اذ يبلغ عدد سكانه نحو 40 مليونا. لكن نسبة السكان الذين يملكون هاتفا محمولا منخفضة بشكل ملحوظ اذ توضح أرقام شركة انفورما تليكوم اند ميديا البريطانية أنها بلغت 11.5 في المئة فقط في الربع الثاني من العام الجاري. ويقول ديفاين كوفيلوتو المحلل بالشركة ان هذه الاعداد المنخفضة من المشتركين قد تتجه قريبا للارتفاع بسرعة بفضل عوامل منها الثروة النفطية والاستقرار الاقتصادي النسبي في أعقاب اتفاق السلام بين الشمال والجنوب عام 2005 لانهاء أطول حرب أهلية في افريقيا. ورغم انخفاض الدخل في معظم الدول الافريقية فان ذلك لم يسهم في ابطاء انتشار الهاتف المحمول في افريقيا التي يوجد فيها واحد من أسرع أسواق الاتصالات نموا في العالم. وقال علي حمد بن جرش الغفلي الرئيس التنفيذي لشركة كنار للاتصالات أفريقيا تأخرت. وهي الان تلحق ببقية العالم. أصبحت الاتصالات رخيصة جدا. وأصبح حصول الناس من أصحاب الدخول المحدودة جدا علي هاتف محمول سهلا. وكنار للاتصالات كونسورتيوم تقوده شركة اتصالات الاماراتية التي تتفاوض حاليا علي الحصول علي رخصة للهاتف المحمول في السودان. واضاف الغفلي قائلا زاد دخل الناس في السودان في الفترة الاخيرة ولذلك زادت سهولة الحصول علي هاتف محمولا.
وقال وزير الاعلام والاتصالات الزهاوي ابراهيم مالك ان السودان يجري محادثات مع كنار لكنهما لم يتفقا علي ثمن الرخصة. وتوجد فرصة أخري سانحة في جنوب السودان حيث تعمل به شركتان صغيرتان هما جيمتل وناو. وكل منهما قد يصبح هدفا لعملية استحواذ. لكن الفرص الكبيرة تحمل في طياتها مخاطر كبيرة ومنها خطر التعرض للغضب الدولي تجاه أزمة دارفور. فقد كانت شركة سوداتل واحدة من 31 شركة شملتها قائمة سوداء وضعتها واشنطن في ايار (مايو) بدعوي المساهمة في الصراع في منطقة دارفور.
وتتضح التعقيدات المحتملة التي يواجهها المستثمرون الاجانب في التعاقدات التي أبرمتها شركة الكاتل لوسنت الفرنسية لصناعة معدات الاتصال مع سوداتل. ففي كانون الثاني (يناير) الماضي أرسلت الكاتل مذكرة الي الامريكيين العاملين فيها تحذرهم من أنهم قد يكونون مسؤولون بصفة شخصية عن أي أعمال تنفذ لصالح السودان عن طريق الشركة. كما كانت الشركة هدفا لجماعات تسعي للضغط علي المؤسسات الكبري للتخلي عن الاستثمار في الشركات التي تري أنها تدعم حكومة السودان. وعلاوة علي المشاكل السياسية فان هناك المخاطر الامنية التي يواجهها العاملون بشركات الاتصالات علي الارض. لكن ذلك لم يمنع شركات الهاتف المحمول العاملة في السودان من نشر شبكاتها في اقليم دارفور الذي لا توجد تغطية هاتفية به خارج مدنه الرئيسية رغم أن عدد سكانه ستة ملايين نسمة. وعملت شركة موبيتل علي سبيل المثال في الاونة الاخيرة لتصعيد جهود توسعة شبكتها بعد ان حصلت علي موافقة أمنية لدخول 13 منطقة كانت مغلقة أمامها من قبل. 4