شروط نجاح الثورة التونسية

حجم الخط
0

د مبروك عبد النبيلست من الذين فوجئوا من اندلاع الثورة في تونس وذلك لعدة اعتبارات، من أهمها ما أصبح عليه الوضع في البلاد آنذاك، وما ألم بالمجتمع من إرهاصات بدأت تنذر بالخطر. وقد حصل ما حصل وهرب المخلوع دون رجعة وغير مأسوف عليه، هو وعصابته التي بقيت تنهب خيرات البلاد وتستولي على الاخضر واليابس حتى آخر أيام حكمه. وكان لتونس السبق في الإطاحة بالدكتاتورية وأصبحت المثال الذي يحتذى به في العالم. فالشرارة التي لمع بريقها في الأفق طالت بلدان الجوار ووصل صيتها أشهر ساحات العالم، و في عواصم ظنناها مثالا للحرية.

وتونس السباقة في مجال الإبداع، هي مبدعة طيلة تاريخها الوضاء. فهي تملك أقدم وثيقة دبلوماسية من زمن القرطاجنيين. ومنها انبثق أول دستور في العالم العربي الاسلامي. وشيدت أعظم جامعات العلم والمعرفة في العالم السني باحتوائها لجامعتي القيروان والزيتونة، وبإقامة جامعتي الأزهر بالقاهرة على يد جوهر الصقلي، والقرويين بفاس بفضل امرأتين هاجرتا من مدينة القيروان إلى المغرب الاقصى. كما لتونس الفضل في تكوين أعرق نقابة في العالم الثالث… وهي بلاد التسامح بكل اقتدار والكرم وبدون منازع، لاحتوائها اقدم معلم يهودي بجزيرة جربة. وهي التي امتشقت قوام المذهب المالكي رغم تجربتها في فترات قصيرة لحكم الشيعة والإباضية. وهي التي احتضنت الاندلسيين الفارين بدينهم، وآوت الفلسطينيين لما ضاق بهم الأفق رغم مداه الرحب… وكانت السند الذي لا يكل للثورة الليبية.

فأرض تونس معطاء وثراؤها لا يوصف، فأنجبت أعلاما ورجالات ذاع بهم صيتها مثل مسينيسا وعنبعل والكاهنة واوغسطين وأسد بن الفرات وطارق بن زياد والامام سحنون وابن خلدون وعلي بن خليفة والطاهر بن عاشور، وفرحات حشاد والقائمة تطول.

وليس غريبا على التونسيين أن يقوموا بالثورة. فقد ساهموا في كل الحروب والثورات التي مست عالمنا العربي. وعلى سبيل المثال لا الحصر لقد شاركوا في مجابهة الحملات الصليبية التي هتكت بلدان المشرق وخاصة بلاد الشام. ومن عاد منهم الى تونس جاء يحمل بعض العادات، ومنها اللغة الفرنسية التي جاءت إلى تونس ولأول مرة مع العائدين من الحملات الصليبية لذلك يطلق عليها التونسيون في لهجتهم العامية عبارة ‘سوري’. كما شارك شباب تونس في كل حروب المشرق الحديثة كالعراق، وملحمة فلسطين التي يعتبرونها قضيتهم ويحملون همومها، والقدس لديهم برسم التحرر ورمز الانعتاق وأمل الفرج الشامل والقادم. وأخيرا وليس آخرا مشاركة شباب من تونس في فك مخالب الاستبداد عن سورية.

لذلك يفهم المؤرخون وأنا منهم سبق تونس في التغيير نحو الحرية والانعتاق من براثن التسلط والاستبداد. لقد نجحت تونس في طرد الحاكم المستبد، غير أن مشوار النجاح لا يزال طويلا وشاقا. وشروطه باهظة الثمن وتتطلب جهودا مضاعفة تعتمد على مثقالين باعتبارهما محرارا لنجاح هذه الثورة وتحقيق أهم أهدافها. ويتمثل عامل النجاح ومثقال محراره الأول في إرساء العدالة الاجتماعية بمفهومها الشمولي، استجابة لانبلاج أول الأصوات التي نادت بذلك في مدينة سيدي بوزيد مهد هذه الثورة. عدالة اجتماعية بين الأفراد في العيش الكريم، في التعليم والصحة والعمل، وبين مختلف العائلات بتوفير متطلبات الحياة، وبين الجهات بإقامة تنمية شاملة تنطلق من البنى التحتية من طرقات وسكك حديدية ومستشفيات ومصانع للمواد الأولية التي تمتاز بها تلك الجهات. فالعدل عملة لا درن فيه منذ الأزل، ومطمح الشعوب في كل زمن. ومن متطلباته حاكم مثالي يرعى الناس بحلمه ويكون قدوة لغيره لا فساد حوله ولا مال مهدور أسال لعابه. فهو لا يشبع حتى يجد غيره قوت يومه. وهو يحسن اختيار بطانته على أساس النزاهة والاقتدار، غير فاسدة ولا مفسدة في الأرض لا تستهويها الصفقات العمومية ولا البنوك السويسرية. وتخرج من الحكم كما دخلته عفيفة اليد مستقيمة السلوك لا يد اختلست ولا ذنب اقترفت.. فالعدل قوامه الحاكم. هو البداية وبه النهاية، إن عف عفت الأمة وإن فسق فسد حالها. والناس على دين ملوكهم. فصلاح الرعية من صلاح الراعي. فعفة الحاكم فرض عين. ومحاربة الفساد منطلقها استقامة القائد. وما أحوج تونس لذلك. لأن مقاومة الفساد لا تقف عند إصدار القوانين وايجاد أطر تشريعية، بل تتجاوز ذلك لتكون عملا ملموسا يتقمصه الحاكم ليستشري في رعيته. وما نراه في هذه الأيام في تونس من استقالات في أعلى هرم السلطة ومن نشاز في محيط رئيس الدولة لا يستجيب لمتطلبات الثورة ولا لتطلعات الشعب ولا مقتضيات المرحلة. ومن ضروريات محاربة الفساد ترك المحسوبية وإسناد المناصب لمن يستحقها.

أما العنصر الثاني لبوصلة نجاح الثورة في تونس هو الإصداح بالحق والصدق في القول. وما أحوج المواطن في أن يعرف الحقيقة دون زيف. فالمواطن البسيط المهمش طيلة عقود لا يفهم معنى الديمقراطية التي تلاك على ألسنة الساسة وفي مدارات الشاشات. ديمقراطيته بسيطة تتمثل في ثلاثة أمور، الكرامة أولا والحرية ثانيا ومساواته مع غيره في مختلف مجالات الحياة ثالثا. أما هذه الديمقراطية التي تصل الى حد السب والخداع والكذب لا يعرفها بل يمجها ويحارب أنصارها. ورحم الله العلامة ابن خلدون الذي فرق بين طبائع الامم والشعوب، مبينا أن ما يستوعبه الاوروبي قد لا يرغب فيه الاسيوي وما يستهوي الامريكي قد لا يحبذه الافريقي، خاصا بني يعرب فقال لا تساس العرب إلا بدين. والدين مهما كان نوعه يتطلب انضباطا في السلوك وصدقا في القول. أما ما نراه على الساحة التونسية من مناورات أقل ما نقول فيها أنها غير سليمة تخدم آنيات وأجندات، تجانب الواقع ولا تخدم مصلحة المواطن وخاصة المحرومين والمهمشين الذين قاموا بالثورة وبعفوية دون شعارات فضفاضة ولا سياسية. فهذا المواطن لا يحذق لعب الكلم ولا يجيد فهم السياسة ولكنه يطمح في حاكم يقول لرعاياه افعلوا كما تروني افعل، ويكون لهم قدوة متبعا حياة شفافة في السر والعلانية، ليست له معيشة خاصة وعامة، يعرف عنه كل كبيرة وصغيرة. والتونسي متشبث بمرجعياته وقيمه التي عطلت في العقود الأخيرة. فهو يحب الحزم والعدل في تسيير الأمور. وأستحضر هنا ما قاله المعز لدين الله الفاطمي للوالي الصنهاجي الذي تركه حاكما على افريقية وهو يغادر المهدية متجها إلى القاهرة، ناصحا له حول تدبير أمور الرعية من بعده ‘لا تغمد سيفك عليهم، ولا ترفع عنهم الجباية حتى زمن الجدب، ولكن اعدل بينهم’. فالمتأمل في الجدل القائم على الساحة السياسية التونسية لما بعد الثورة يتجشم الصعاب للوصول إلى الحقيقة. لأن أهل السياسة لا هم لهم إلا اقناع الناس ولو خطأ من أجل حصد مقاعد سياسية تدر عليهم مقاما سامقا ومالا وفيرا. فإحداث الفتن في عديد الجهات واللعب بمشاعر الناس بتأجيج النعرات القبلية التي طمست منذ أمد بعيد، وتأليب الرأي العام على اتجاهات دينية، وحث العمال للمطالبة بأمور تعجيزية أو لا يسمح بها ظرف البلاد، كلها أوراق مكشوفة لتموقع سياسي أو تحقيق مآرب كيدية.

فالشعب التونسي بدأ يدرك جيدا أن هذه المجازفات لا تخدم مصلحة الوطن ولا تقدمه قيد أنملة. ويعي جيدا أن الزيف السياسي طفا كيله ولم يعد خافيا على أحد. وأن التهافت على المناصب لا يخفي مواقف بعض الساسة الحقيقية. فما أحوج الرأي العام التونسي الى ان يرى مختلف الاحزاب تظهر وبكل مصداقية وشجاعة بارائها ومعتقداتها السياسية. فالحرية بعد الثورة اصبحت واقعا ملموسا لمن يعتقد في الاسلام حلا، او في القومية العربية منهجا، او في الماركسية والشيوعية اسلوبا ودربا، او في الليبيرالية العلمانية طريقا لحل مشاكل تونس والنهوض بها الى اعلى مراتب التقدم والسؤدد، وأن يعبر عن ذلك علنا وبكل مصداقية دون تستر أو تقية. ان ظهور هذه التيارات بجلابيبها الحقيقية واتجاهاتها امام الناس دون لبس لعمري شرط لا مندوحة منه للوصول بالبلاد الى شاطئ السلم والرقي. وضروري ان يلتزم كل شق باحترام من يخالفه الرأي ويتحلى بالنزاهة، و يترك المجال امام الشعب للاختيار والشعب وحده. تلك هي الديمقراطية. فالاصداح بالحق هو في ذاته مكرمة لفاعله وشرط اساسي لنجاح هذه الثورة. غير أن الواقع أظهر ما يخالف ذلك، وما تم رصده بالمجلس التأسيسي وهو المؤسسة ذات العلوية القانونية والمنتخبة، من تجاوزات وحيف الى حد التزوير قامت به بعض من فلول المعارضة عند التصويت على قانون المالية التكميلي، لا يستجيب لطموحات من قاموا بهذه الثورة وأعطوا الفرصة لتواجد هؤلاء في المجلس التأسيسي. ولعل الامل قد يتحقق بتباشير الاصلاحات التي تم الاعلان عنها من خلال رصد عديد المشاريع في مختلف الجهات، واقالة بعض من ثبت عليه الضلوع في قمامة الفساد في مختلف الادارات. قد تكون بداية الطهر من درن رواسب الفساد واهله. ‘ اكاديمي تونسي متخصص في العلاقات الدولية يقيم في فرنسا

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية