شريط أسفل الشاشة: المكتوب باين من عنوانه!

حجم الخط
0

شريط أسفل الشاشة: المكتوب باين من عنوانه!

محمد منصورشريط أسفل الشاشة: المكتوب باين من عنوانه!شريط أسفل الشاشة الذي يزين جميع المحطات الفضائية العربية اليوم بلا استثناء والذي انطلق كتقنية في الفضاء العربي قبل نحو ثلاثة أعوام… لم يعد مجرد شريط هامشي يتوالي ظهوره أسفل شاشة هذه المحطة أو تلك علي مدار البث وحسب… بل صار علامة هامة من علامات البث التلفزيوني، وعنصرا أساسيا من عناصر تشكيل هوية كل محطة علي حدة.انطلق الشريط بداية في محطة الجزيرة ثم العربية بهدف إخباري بحت… وهو تحقيق خدمة حضور الخبر علي الشاشة خلال بث المحطة، بحيث يصبح الخبر ـ عاجلا كان أم غير مستعجل ـ ثابت الحضور بما يتيح خدمة معرفة أهم الأخبار في أي لحظة تتابع فيه المحطة، وليس في أوقات نشرات الأخبار وحسب.وربما كانت مرجعية هذا الشريط تتشابه مع وظيفته في مواقع الإنترنت… حيث الخبر حاضر في أي لحظة وفي متناول أي متصفح، وفي أي زمان ومكان… لكن الشريط التلفزيوني لم يعد مقتصرا علي نقل الخبر… بل تعددت وظائفه وأشكاله وانتماءاته ومستوياته التقنية والمعرفية والجمالية، بتعدد مستويات وانتماءات المحطات التلفزيونية العربية نفسها.في القنوات الإخبارية ذاتها، يغدو شريط أسفل الشاشة وسيلة من وسائل اكتشاف انتماء المحطة وهويتها وهواها… ومدي حرفيتها الإعلامية، فصياغة الأخبار في شريط الفضائية السورية علي سبيل المثال، تكاد تتطابق مع مانشيتات الصحافة السورية، حيث المباشرة والتوجيه التلقيني يضعان قيودا علي عقل المشاهد، ويجرانه من أذنيه جراً لقراءة الخبر كما تراه الدولة.. والشريط الإخباري في الفضائية السورية ليس إخباريا بحتا، بل قد يتحول إلي شريط مجاملات فينشر مثلا أقوال وزير الإعلام السوري في جلسة خاصة، وينوه بآرائه السياسية في مضافة أو اجتماع وظيفي صغير لا يمتلك أي قيمة إعلامية.وعلي العموم فصياغة أي خبر في شريط أسفل الشاشة لا تبدو حيادية بالكامل… فالخبر نفسه يمكن أن تقرأه بأكثر من صيغة في غير محطة… هذه تري النصف الملآن من الكأس… وتلك تري النصف الفارغ… هذه تبرر ضمنا، وتلك تدين صراحة، كما نري علي سبيل المثال في القنوات الإخبارية اللبنانية… ومعركة الاستقطاب ما بين قوي السلطة والمعارضة، أو بين حزب وآخر.وفي القنوات الغنائية التلفزيونية، ارتبط شريط أسفل الشاشة بخدمة الرسائل القصيرة (SMS) في الجوال، والتي تتيح لأي حامل جوال، أن يبث إهداء مكتوبا، أثناء بث الأغنية التي يحبها علي الشاشة… وبذلك حل بديل عن رسائل وإهداءات (ما يطلبه المستمعون) التي كان يرسلها بالبريد، والتي كان يخضع بثها لمزاج معد ومقدم البرنامج، ولعدد إهداءات أصدقائه وزملائه وأقربائه التي لها الأولوية بالطبع… مما كان يحول إهداءات الأغاني في تلك البرامج إلي شيء آخر… غير ما يطلبه الجمهور بالطبع.لكن شريط (SMS) لا يلبي إهداءات المشاهدين ببراءة… بل هو مصدر دخل كبير لكثير من القنوات، لأن أسعار الرسائل القصيرة مرتفعة، وكمياتها كبيرة، وللمحطة نسبة من قيمة هذه الرسائل كما شركات الاتصال… وهذا ما جعل المحطات، تجعل الشريط شريطين أو ثلاثة تتكدس علي الشاشة في وقت واحد، في حالة تلوث بصري فاقع… فضلا عن توسيع مهمات هذا الشريط لاحقا، فلم يعد يقتصر علي إهداءات الأغاني… بل صارت له أي وظيفة يمكن أن تخطر علي بال مراهق يعيش فورة العواطف الأولي أو رجل يعاني نزوات العمر المتأخر… وهكذا صارت هذه الرسائل، مجالا للتعارف… ومجالا للغزل المتبادل… ومجالا للتلميحات الجنسية العلنية… ومجالا للتخاطب العاطفي البريء وغير البريء.. وصار بعض أصحاب الرسائل… يرسلون أكثر من رسالة كي يتابعوا الردود الأخري التي تبث علي رسائلهم من فتيات بألقاب مستعارة علي الطريقة الخليجية من قبيل (أسيرة الشوق) و(طبيبة القلوب) و( أميرة النجود).. إلخ فغدت هذه الرسائل مظهرا جليا من مظاهر الانحطاط اللغوي… والابتذال اللفظي والذوقي… الذي تحرص الكثير من المحطات علي تشجيعه باعتباره مصدر دخل مالي لا ينبغي التفريط به.ومن القنوات الغنائية والقنوات المنوعة… إلي القنوات الاقتصادية… فشريط أسفل الشاشة، حافل بالأرقام… من أرقام بورصات الأسهم والمال… إلي أسعار النفط ومعدلات النمو والتضخم… ومؤشرات النجاح والإنفاق! وقد تحول هذا الشريط الاقتصادي إلي عامل من عوامل انتشار مرض ارتفاع ضغط الدم في فترة من الفترات، وخصوصا مع انتشار هوس المضاربة بالأسهم في أسواق الخليج، وما حاق بالسوق السعودية علي وجه الخصوص من كوارث متتالية أطاحت بآمال الثراء الكسول واحتقار العمل المنتج لدي كثير من السعوديين.وفي القنوات ذات الصبغة الطائفية والانتماء المذهبي، وأبرز أمثلتها القنوات العراقية… تحول شريط أسفل الشاشة، إلي وسيلة من وسائل الفرز المذهبي والطائفي… ليس في طريقة إيراد بعض الأخبار، بل في الشعارات والمقولات التي تبث علي مدار الساعة والتي قد لا تتعلق بحدث معين، بل تبدو أقرب إلي كتابات الجدران ذات النزق السياسي والبعيدة كل البعد عن منهج وروح العمل الإعلامي… فها هنا شتائم بحق حكومة الطائفيين وعملاء الصفويين الذين يخوضون حرب إبادة ضد أهل السنة والجماعة… وهناك كتابات وشعارات تتوعد عملاء النظام البائد… وتتمسح بالشهيد الحسين وتذكر بأقوال الإمام علي في دفع الظلم وإحقاق الحق… ولعل أبرز مظاهر الفرز الطائفي التي عبر عنها شريط أسفل الشاشة، تجلت في حدث إعدام الرئيس العراقي السابق صدام حسين… ففي بعض المحطات تحول هذا الشريط إلي مجلس عزاء، تبث عبره رسائل التعزية بالقائد الشهيد وتعده بجنات الخلد… وفي محطات أخري بدا هذا الشريط مهرجان فرح وشماتة بموت الطاغية الذي نال الجزاء العادل.أما في المحطات الدينية… فشريط أسفل الشاشة هو شريط الهداية والدعوة إلي الله بالحكمة والموعظة الحسنة… تبث عبره الحكم والمواعظ الدينية والأقوال المأثورة، وأحيانا الآيات القرآنية والأحاديث النبوية الشريفة… أما فيما يتعلق برسائل المشاهدين… فكلها مملوءة بمشاعر الإيمان وأمنيات الهدي والصلاح للمسلمين.وقصاري القول: فشريط أسفل الشاشة خير تعبير عن واقع المحطات العربية الفضائية اليوم، وهو واقع مزر بلا شك… تتنازعه رغبات الربح التجاري الخالص علي حساب الذوق والأخلاق حينا، ونوازع الطائفية البغيضة علي حساب الانتماء الوطني الحقيقي، فضلا عن مهمات التوجيه التلقيني المضجر في الإعلام الشمولي العقائدي الذي جعل من الثوابت الوطنية والقومية مادة للسمسرة والمتاجرة الرخيصة ودعامة من دعامات التسلط والديكتاتورية… وقلة قليلة وسط هذه الاتجاهات تحاول أن تحترم عقل المشاهد العربي، وان تمرر إنحيازها الخفي بكثير من الذكاء والحرفية والرغبة في محاورة عقل المشاهد… وهذه نقبلها لأننا يئسنا من الحيادية الكاملة في هذا الزمن المضطرب.إفلاس الكاميرا الخفية! (طيمشة نيمشة) تعبير شامي يطلق علي لعبة أطفال شعبية… اتخذها صناع برنامج الكاميرا الخفية اسما للبرنامج الذي تعرضه قناة (إم.بي.سي) حاليا، بإعداد وتقديم السوري زياد سحتوت، وإخراج عماد سيف الدين.وقد اشتهر زياد سحتوت في سورية في سنوات سابقة، بتدبير مقالب الكاميرا الخفية في الشارع ومع الفنانين إلي درجة أنه صار معروفا جدا… ولم يعد بإمكانه خداع أحد… فقرر تصوير حلقات برنامجه هذه المرة في مصر ومع الفنانين.ومن المعروف أن ما يسجل مع الفنانين من مقالب الكاميرا الخفية، يتم بالاتفاق معهم، وبعضهم يطلب أجرا ماديا علي ذلك باعتباره نوعا من أنواع التمثيل المأجور… وهو كذلك بالفعل كما شاهدته في برنامج (طيمشة نيمشة) فالسيدة مريم فخر الدين التي تظهر في البرامج الحوارية الجادة سليطة اللسان، لا توفر من فضائحها لا الأحياء ولا الأموات… ظهرت هنا في غاية اللطف، تعصب وتغضب كما هو مطلوب منها، لكنها تختار ألفاظها بعناية… مثلما اختارت أن تنزل إلي البقال الذي بجوار بيتها بكامل أناقتها ومكياجها.برامج الكاميرا الخفية أفلست… لأنها تقوم علي الاعتداء علي حريات الناس وخداعهم، أو علي الفبركة المسبقة… ولعل الضحكات التي تضاف للمقالب في المونتاج، شبيهة بعملية التنفس الاصطناعي لبث الحياة في مادة ميتة… وزياد سحتوت غير ملام… فهو يعيد بضاعته القديمة بأدواته القديمة، لأنه لا يستطيع أن يكون شيئا آخر غير الكاميرا الخفية!برنامج إذاعي في محطة تلفزيونية! برنامج (صفحات من كتاب) الذي تبثه قناة (هي) برنامج إذاعي بامتياز… فالمقدمة، تجلس أمامنا، لتقرأ صفحات من كتاب بيدها… بلا أي مادة بصرية سوي صورتها… وغلاف الكتاب في البداية والنهاية.حوالي ربع ساعة، نسمع نصا مقروءا علي الشاشة… في رؤية تفتقر للحرفية التلفزيونية… ففي عصر تقنيات الغرافيك، وما أتاحته من إمكانيات هائلة في بناء صورة افتراضية، أو تحريك صورة ثابتة، أو إيجاد إمكانات لا حصر لها من المؤثرات البصرية.. لم يعد مقبولا أن نجلس هكذا لنقرأ أمام الكاميرا في حالة من القصور الإخراجي والكسل التلفزيوني!ناقد فني من سورية[email protected]

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية