في حي مئة شعاريم في القدس يمكن بين الحين والآخر مشاهدة يهودي اصولي وهو يشيح بوجهه جانبا عندما يصادف امرأة مارة من أمامه. هذا الشخص ملتزم ومخلص لاحتشامه لدرجة أنه يتصرف وكأن المرأة التي تسير قبالته غير موجودة. عضو الكنيست زبولون اورليف لا يرغب برؤية الخط الاخضر علي خرائط ارض اسرائيل الموجودة ضمن المناهج المدرسية. هو لا يرغب بذلك لدرجة انه يصرح قائلا: الخط الاخضر مات. وكأن الكلام وحده يكفي لازالة هذه الحقيقة عن الوجود.
من المدهش معرفة ان اورليف، مدير عام وزارة التربية والتعليم سابقا، والذي تعتبر وزارة التربية قمة أحلامه في حياته العامة، يتصرف بمثل هذه الصورة التجريدية، ذلك لانه هو الذي كان قد قاد الخط المعتدل في المفدال، الذي دعا الي عدم الخروج من حكومة شارون بسبب خطة فك الارتباط. علي ماذا أدار الجدل في حينه اذا لم يكن علي اعادة المستوطنين اليهود الي داخل الخط الاخضر؟ كيف يمكن له وهذه الحال أن يدعي الآن أن الخط الاخضر قد مات؟ ماذا حدث للخط خلال الـ 18 شهرا الأخيرة حتي يشطب اسمه عن الوجود؟ الخط الاخضر كان وما زال مسألة سياسية أمنية وجغرافية وفكرية راسخة. ما تغير هو موقع اورليف علي الخارطة السياسية: اليوم هو محسوب علي قائمة الاتحاد الوطني، لذلك هو يتصرف وفقا لقاعدة: موقفك يُشتق من موقعك.
الخط الاخضر هو حقيقة لا يمكن إزالتها. هذا الخط موجود في كل بُعد من أبعاد الحياة اليومية في الدولة: اسرائيل لم تطبق قوانينها علي المناطق الواقعة خلف الخط الاخضر (باستثناء القدس وهضبة الجولان) وحكوماتها المتعاقبة تتعامل في المحافل الدولية مع المناطق الواقعة خلف الخط الاخضر باعتبارها مناطق ذات مكانة مختلفة تماما عن تلك الواقعة داخله. قرارات مجلس الأمن رقم 141 و338 التي تعتبر حجرا أساسيا لكل صيغة ووصفة سياسية تتداول بها اسرائيل منذ عام 1967، تقوم علي التمييز بين المناطق الواقعة خلف الخط الاخضر وبين ما يوجد داخله. التحركات السياسية التي شاركت فيها حكومات اسرائيل، ومن ضمنها حكومات الليكود، وتلك التي شارك فيها حزب المفدال، أخذت وجود الخط الاخضر في الحسبان. مسار الجدار الفاصل تحدد بالتناسب والعلاقة مع الخط الاخضر.
نقطة انطلاق خطة الانطواء التي فاز اهود اولمرت بالحكم باسمها كانت وجود الخط الاخضر. مواقف رئيس الوزراء السياسية الأخيرة تعبر عن استعداديته لتقديم تنازلات سخية حيث يعتبر الخط الاخضر مسطرة لقياس حجم الانسحابات المقترحة.
أضف الي ذلك كله انه اذا قام اورليف بالاطلاع علي مشاريع البني التحتية التي أقامتها الدولة خلال الاربعين عاما الأخيرة والمخطط الهيكلي لعام 2020، فسيجد انها تتعامل مع الخط الاخضر بصورة واضحة وصريحة. خطط الطرقات والسكك الحديدية واستخدام الاراضي كلها تتوقف عند حدود الخط الاخضر. هي لا تفترض أن الضفة الغربية (وقطاع غزة) ستكونان منطقة اسرائيلية في المستقبل، وتتعامل معها علي أنها اراضي ستكون تحت سيادة الجار الذي يتوجب ملاءمة الخطة الرئيسية الاسرائيلية مع الخطط التطويرية (والمعطيات الجغرافية) للجيران.
علي اعتبار ان اورليف شخصا ذو تطلعات تربوية يتوجب عليه ان يحترم أهمية المعلومات التاريخية. عندما كان تلميذا شاهد في كتب الجغرافية التي درسها خرائط لارض اسرائيل في مراحلها المتعاقبة. لم يخطر في بال أحد في حينه أن يحذف الخارطة التي تظهر حدود البلاد إبان العهد الروماني او الصليبي او خطة التقسيم. الخط الاخضر هو فصل من فصول الدولة التي بدأت منذ عام 1949، وما زال قائما حتي يومنا هذا. باسم أي حقيقة تاريخية يقرر اورليف شطب الخط الاخضر وعدم ذكر اسمه؟.
يقولون عن شاي عغنون أنه دخل مع ابنته الصغيرة للصلاة في الكنيس، الا ان أحد المصلين المتكلفين صرخ محتجا علي وجود البنت مع الرجال. عغنون أمسك بيد ابنته وقال: هيا نذهب اذا كانت الغرائز هنا سيئة جدا لدرجة انها لا تصمد أمام طفلة صغيرة في الخامسة من عمرها، فمكاننا ليس معهم. هذه الحكاية وصلت الي عِلم زبولون اورليف. فليتعظ منها. عوزي بنزيمانمحلل رئيس في الصحيفة(هآرتس) 10/12/2006