إسمع يا سانشو، إنَّ الإنسانَ لا يساوي أكثرَ من غيرهِ إلا إذا أنجزَ أكثرَ من غيرهِ’ ثرفانتس على لسان دون كيشوت لن تحتاجَ لشطبِ اسمي من قائمةِ الكُتَّابِ إلى حُجَجٍ كثيرةٍ. لن تحتاجَ لتحملِ منادمات أبرد وأثقل من ظلال الشتاء مع ناقدٍ متمرسٍ في قنصِ بحيرات الحقدِ المشتعلة في عينيكَ، فهو سيَسُبُّني اليومَ ويسبُّكَ غدًا.. لن تحتاجَ لغيابي أو لموتي.. ستُجرجرُ قدميكَ في جنازتي كأيِّ خِلٍّ ودودٍ، تصبغُ على وجهكَ حزنَ ملامح فيلٍ إفريقيٍ مسنٍّ، تُقَطِّرُ كلماتِ الأسى في كَفَّي أمي كما لو كانت تقطرُ من مُزنٍ معجونٍ بروثِ خنازير ‘يا لهُ من مصاب جلل’.. وفي النهايةِ ستطلقُ الريحَ على قبري وتذهب خفيفا للاحتفال.
يكفيكَ فقط أن تعرفَ أنِّي لم أتفق يوما معَ كلام فرانز كافكا عن كونِ الطريق من الرأس إلى الريشة أصعب وأطول بكثير من الطريق بين الرأس واللسان. حتَّى أنِّي ـــــ مذهول ـــــ من سرعةِ تحرّك ريشتي التي أصبحت قادرةً على كتابةِ ما سيفكرُ فيه رأسي غدًا أو بعد غد أو بعد بعد… صارت أعظم أمنياتي أن أستفيقَ يوما فأجدُ ريشتي في فمي ولساني في يدي.
لا لإفحامِ الواقعِ بأفكارٍ من المستقبل، فهذا أصبحَ عبثًا في شعبٍ يقول بلسانهِ ما فكَّرَ به بالأمس. بل أتمنى لساني في يدي فقط قصدَ التَّخلصِ من هذا الزائد. فانسون فان غوغ فعلَ أمرًا شبيها بهذا، قطعَ أذنه بشفرة حلاقة وأرسلها للعاهرة التي أحبَّ قائلا ‘فلتجتمع كل الزوائد معا’.
أما أنا وإن كانت لا تنقصني الجِنَّةُ الكافية لفعلِ هذا إلا أنني أفتقرُ إلى مرسلٍ إليه، ولهذا أكتفي بتمني الاستفاقةِ على ريشة في فمي ولساني في يدي فقط كي أضيعهُ على حافةِ شباك في مقهى أو مبولةِ حانةٍ أو ميضةِ مسجد…لم أكن يوما كاتبًا وبصراحةٍ يصعبُ عليَّ أن أكونَ.. كنتُ بائع خُضَرٍ على رصيفٍ من كَدَرٍ وفي عراكٍ دائمٍ مع سكيرينَ وعدوانيينَ أصحاب سوابق أحبُّوني لاحقًا لهشاشةٍ في نظرتي وقدمي التي تسبح في حذاء واسعٍ. لكن شرطةَ البلدية ـ مثلكَ ـ لم تحبني يوما، ورغمَ أنِّي حدثتهم عن النِّسبية والديالكتيك والفارق الإستيتيكي بين السّلطة والمواطن، إلا أنَّهم تشبثوا بكون وجودي يمثِّلُ خطرًا على جماليةِ المدينة.
وبصرفِ النَّظر عن كون كلامهم عن الجمالية أمرًا سيرياليا إلا أنهم في الحقيقةِ كانوا على حق. فقد كان مشهدي بين الخضر الفاسدة وشعري المتيبس كحزمة تبنٍ تحت صهدِ الصيف أشبهَ بكلبٍ يتعفَّنُ في مزبلة..كنتُ أتعفَّنُ فعلا .. روجتُ على مدارِ سنةٍ حشيشًا لضائعين مثلي، غيرَ أنَّ مصادفةً مدروسةً من ضفةِ الكون الأخرى جعلتني أقفُ وجها لوجهٍ أمامَ صوفيٍّ معجونٍ بالضوء والغرائبية.
سحبني من عالمي بسلاسةٍ كمن يسحبُ صوصًا يغرقُ في بركةِ وحلٍ إلى طريقٍ أكثرَ إثارةٍ..ثم ـ ببساطةٍ – ماتَ وتركني أُرعبِلُ بين عالمين كفراشةٍ في زجاجة تَبوَّلتُ على دار الحزبِ دون خلفيّةٍ أيديولوجية، رافقتُ فنانين شعبيين منحطين إلى أعراس غجر، قامرتُ في غرفٍ وضيعةٍ حيثُ الجميعُ يحملونَ سكاكين، شاركتُ في حملاتٍ هستيرية لإبادةِ مصابيح الشوارعِ، ليس حبًّا في الظّلمةِ إنَّما حقدا على الضوء .
مشيتُ في جنازةٍ جماعية لشبابٍ حاولوا الذهاب إلى إيطاليا على لوحِ خشبٍ فيما كانت التلفزة الوطنية تحتفلُ بفوز شابةٍ تونسية في دورةِ تنس.. رأيتُ يافعينَ بأرواحِ أبطالٍ أسطوريينَ حَوَّلَهُم الخازوقُ إلى أشجارٍ متيبسةٍ، ومكدودينَ تبتلعهم فوهةُ مغارةٍ لا يعودون إلا في شكلِ كتلِ شحمٍ في بطونِ بيروقراطيينَ يحدثون النّاسَ عبر الشاشاتِ عن أسبابِ الأزمةِ. رأيتُ عباقرةً مسطولينَ يفرُّونَ من الصحوِ إلى ظلالٍ عمياء، الذين يستمنونَ في الحافلات ويُرْكَلونَ في الشوارعِ كالكلاب…يصعبُ عليَّ أن أكونَ كاتِبًا إذن… مجردُ مسافرٍ في رحلةٍ من كدَرٍ يغتنمُ لحظاتٍ كي يضعَ صُرَّةَ أثقالهِ أرضًا، يفتشُ فيها عن مجروحينَ ومُتَخَوْزِقينَ ومنتحرينَ ماتوا ولم يكتبوا رسائلهم، تاركينَ لي مهمةَ كتابتِها. تمامًا كما تفعلُ أنتَ في رحلةِ بحثكَ في الغوغل عن مقبورينَ كتبوا رسائلهم، أمَّا ثِقَلُ منحي صفة الكاتبِ من عدمها بالنسبةِ لمن هم مثلي، فليسَ إلا بمثابةِ ثقلِ ذبابةٍ على ظهرِ جمل.. واسمي الذي تسربَ رغما عنكَ، ها أنا أقومُ بشطبهِ مبتهجًا كَمن يشطبُ اسمهُ من قائمةِ محكومينَ بإعدام.
شاعر تونسي