شظايا مكان لعزمي بشارة: تساؤل عن القيمة الادبية للرواية وراء الحدود!
رنا أبو حنا ـ حلو شظايا مكان لعزمي بشارة: تساؤل عن القيمة الادبية للرواية وراء الحدود!طالما ترحمت علي والدي وأنا في خضم قراءة سطور أدبية أو تعليقات اجتماعية أو سياسية! كيف لا وأنا مدينة له ما حييت بهذا الهوس الآخذ بالازدياد، حتي ألقاه في دنيا الآخرة، فأجلس الي جانبه وأهمس في أذنيه: ـ نعم قرأت! وان علمني والدي ان أقرأ، فقد علمتني القراءة ان أكون انتقائية وموضوعية، لأتصدي لعدو الوقت الذي يهاجمني بشدة ولجيش من الذين يسيئون للكتابة والقراءة والفكر علي السواء.وان ترحمت مرارا علي والدي وأنا منهمكة في قراءة رواية شظايا مكان حب في منطقة الظل لعزمي بشارة، الصادرة مؤخرا عن منشورات ميتافورا حيفا 2005 ، فقد ترحمت علي والدة الكاتب (لا لأكشف عن اسم الأمهات كما فعلنا حين كنا صغارا)، بل لأشير الي علاقة الدم التي جمعتها بوالدي! كيف لا؟ وقد جلسا الساعات الأسبوعية الطوال لسنوات عديدة، حتي يخضعا لعملية تكرير الدم الدياليزا ، والتي أوضح الكاتب عواقبها والأعراض المرافقة لها والتي لا يشهدها المريض وحده بل زوجته وسائر أهل بيته. ولا أدري ما هي الدوافع التي حاصرتني بشدة الي قراءة هذه الرواية دون غيرها في الأيام الأولي لهذا العام!؟ ولعل الدافع الأول يعود الي مصالحة ذاتية مع أمي أمد الله في عمرها، والتي تبرعت كعادتها الكريمة في تقديم شظايا رواية الحاجز لصديقتها، ولم أكن قد انتهيت من قراءتها بعد. فقد أوهمتني ان صديقتها قارئة نهمة وستقرأ الرواية في يومين، وان كنت متأكدة من مصائر الكتب التي تخرج من بيتنا ولا تعود! أما الدافع الثاني فهو الدافع الشخصي الأقوي، ويعود الي المصالحة الذاتية وضرورة التسامح، حين لا يفسد اختلاف الرأي للودّ قضية، ويكون التسامح موقف استعلائي، فهو يشمل متسامحا ومتسامحا معه ، (صفحة 101) ناهيك عن الاشارات والقيم الانسانية البارزة في الرواية والتي تحثنا علي التسامح والترفع عن النزاعات بين الأخوة والاعتقاد الأفضل بوجود عاطفة العقل.والثالث يعود الي ربع قرن خلا، حين كنا تلاميذ نجول في أروقة المدرسة المعمدانية في الناصرة مع فارق الجيل، تلك المدرسة التي لم يعلمنا معلموها مبادئ اللغات وحب الأدب والرياضيات والتاريخ والجغرافية فحسب، بل أخذنا تعليمهم الي محطات انسانية ومبدئية هامة في طريق تخطي الحواجز، وان أبعدونا قليلا عن وخز السياسية. وبعد، فما أروع ان تكون دوافع القراءة فيما تكون غاية لمراجعات ومآخذ ذاتية قد لا تعني أحدا من قريب أو بعيد! أما كيف استطاع الكاتب ان يصحبني في رحلة تقارب الأربعمائة صفحة فهذا هو السؤال. وأخذت أراهن علي القيمة الأدبية الكامنة في الصفحات الأولي التي تذيلت برائحة عبقة لعناصر روائية قوية، سرعان ما ضعفت وتلاشت مع فائض التحليل وبالغ التدقيق لترسب في منطقة الظل، أو تعلو فوق خيالات الظلال في منطقة قد تسمي ما فوق الرواية ، حيث يمكن لكل طرح ان يلبس علي حدة حلة رواية .والظل فكرة ابداعية رئيسية! يكبر بقوة في بطن عمر حتي يظهر الداء فنهتدي الي التشخيص والدواء في فصلي ظل الظل ، وكيف فارق عمر ظله ؟واذ لا أستطيع ان أنسب فكرة الظل بحذافيرها لعزمي بشارة، بعد ان جسدها درويش في احدي روائعه الأخيرة: قلت: أخدعه وأخرج من غروب مدينتيفرأيته يمشي أماميفي غروب مدينة أخري…فقلت: اذن، سأتبعه لأخدعهسأتبع ببّغاء الشكل سخريةأقلد ما يقلدنيلكي يقع الشبيه علي الشبيهفلا أراه، ولا يراني. وأعيش عمق الفكرة في نص وقراءتين، وأبقي لأحبس ظلي تحت عتمة لحاف فأوصد الباب وأشعل المصباح فلا أراه، وأكون وحدي حيث أنا في برد كانون. ويصحبني ايقاع النص وضجيج السرد الي ضلال نوم، ليتراءي الواقع في حلم، فأصحو علي ظل الحقيقة، أراقب مزهوة معجبة تفاوت القدرات بين الشاعر والكاتب وأبارك لهما تسوية الخلاف الذي انفض بينهما في معرض الكتاب في بيروت.ينقلني العمل الي حل وسط وموقف رمادي وأفكار متشعبة حول تاريخ الرواية، لم يتركني قط حتي قراءة الغلاف الأخير؟ وأكتشف ظلال الخشب وألوانه وأنواعه وصفاته التي تشكل أداة تصويرية معبرة في وصف أمور أخري وحتي في وصف البشر، وأفهم صورة الغلاف لأشد علي يدي الفنان شريف واكد في دقة تصميمه للغلاف! وان كنت لأقف مرارا علي حواجز خشبية ركيكة، لا أفهم عندها أجوبة لبهجة الاصابة بالدهشة أمام تساؤلات دنيا البلهاء وردود فعلها السخيفة التي أبعدت العمل عن المنحني الروائي، وباتت تشكل عبئا ثقيلا في عدم التسليم جدلا بأي شيء ايه حبيبي، كل هوا حبيبي، بمزح معك حبيبي . علما أن دنيا هي الفتاة المثقفة النبيهة التي تعيش في لندن، والدور التقني الذي تؤديه يتعلق بالرؤية الأخلاقية ويعطي اشارة واضحة لمفهوم رواية ما قبل الحداثة التي فيما هي تفصل الانسان عن محيطه، تسقط المثل الأعلي الأخلاقي علي خارج الوسط المحيط.أما عمر فقد أنهي دراسة الحاسوب ويعمل بترجمة الوثائق التي ترده كيفما اتفق وفي النجارة ويولي كامل الاهتمام بحبيبته دنيا عبر التشات والنت وبالتالي يبذل قصاري جهده ووقته لمعالجة هشاشته الخاصة في نص ذكي ومسرف في الغرابة، ويتناول بالتحليل الوافي شتي المفاهيم والظواهر والنماذج التي تستند الي واقعنا الاجتماعي والسياسي والمفارقات التي توصلنا محليا الي منفيين، المنفي الفعلي والآخر المجازي، وكأني به يدشن قدرة خارقة في حداثية الرواية، مما ينقلنا بدوره الي مرحلة القطيعة الجديدة التي تعيد اكتشاف المسافة الشاسعة بين الانسان وقضاياه المحيطة، القضايا التي لا حصر لها ولا عدد.وان ننسي فلا ننسَ أزمة الهوية، حيث يتداخل دوما موضوع الهوية بظل الأزمة أو ظل الهوية بشتي الظلال وحتي الضلال! منذ زمن فقدت القرية أزمة الهوية ذاتها، وباتت تسترخي في هويتها المحلية الخاصة المرتاحة علي هامش ذاتها، بين الراحلين والقادمين . وبقيت لأتساءل: ماذا يعني هذا الواقع للمغتربين والغريبين والمختلفين، وبالتالي للقارئ الآخر البعيد خارج حدود بلاد الحواجز؟والجواب كما أتلمسه يفيد ان الروزنامة خارج حدود دولة الحاجز تسير حسب مقاييس مختلفة وتعيش خارج النظام المعتاد! الروزنامة هناك أقل فضولا واستقرارا بالقياس الي الحياة في بلاد الحواجز، وبالتالي فاني أتردد في القيمة البعيدة اليوم لهذا العمل فيما وراء الحدود، في الوقت الذي تقتصر قراءته محليا علي نخبة من المهتمين والمثقفين ليس الا!واذ تحول نضال الكاتب قبل انتهاء الشوط من الحلبة السياسية الي الساحة الأدبية ! فلنا ان نغض الطرف عن بعض الأهداف الذاتية الموجهة لأعضاء الكنيست العرب والجمعيات الأهلية وتعتيم ملف الاعلام الدولي واغلاق شاشات الفضائيات، لنصبح علي وطن.كاتبة من فلسطين0