عناية جابرلا يستطيع المرء، والمناسبة قدر، أن ينسى وعود وتحليلات وشعارات ‘الربيع العربي’ فقط بسبب مرور الزمن. مع أن كل ما يحيط بنا لا يدفعنا الى الاحتفال بقدر ما يدفعنا الى النسيان والتخبي في الذاكرة علّها تحمي ما تبقى من آمالنا في غد جميل حلمنا به منذ كنا صغاراً، ونقلناه عن أجيال سبقتنا حلمت هي أيضا به قبلنا. من منا لم يفرح يوم بدأ ما أطلق عليه ‘الربيع العربي’؟ من منا لم يبدأ ببسط أحلامه المخبأة في زوايا لاوعيه الدفين بعد أن كان قد دفنها برفق وحنان من فرط ما كنّز من هزائم وانكسارات؟ نعم أعترف وأمام الجميع وبلا أي خجل أني كنت من المتفائلين في ‘الربيع العربي’. أعترف أني هللت له وللجماهير وللشعب الذي ‘يريد’. هللت لشعارات كنت قد عودت نفسي على الاقتناع بأنها من كوكب آخر وصالحة لأجرام أخرى إلا بلادنا. هللت أولا للحرية التي سمعتها تتردد على شفاه النازلين الى الميادين. ثم أقمت عرساً في رأسي لأفكار شرحها شباب نضر عن دولة الحق والقانون. وفرشت في رأسي الورود تحضيرا لاستقبال الديمقراطية بعد طول استبداد وقهر. شرح لنا الشباب العصري ضرورة العودة الى وصل ما انقطع مع الكون و’المجتمع الدولي’. قال لنا هؤلاء الشباب وبواسطة وسائط حديثة سحرية الأثر، لم تكن مخلوقة في عصر أحلامنا نحن، قالوا لنا ان العصر عصر الحقوق والمساواة ابتداءً من حقوق الإنسان وصولا الى حقوق الفرد بالذات. كيف تريدونني ألا أفرح في سري وفي علني والفرد عاد. نعم هذا االفرد الذي استعاد دورهب كما كتب أحد المنظرين السياسيين يقول منبها. وكمن يوجه نقدا جارحاً ومحقا لي ولأبناء جيلي خلص الى: اتثبت أحداث مصر وتونس يوماً بعد يوم عجز الأحزاب العقائدية التي وصلت الى السلطة عن التعامل مع التحولات العميقة التي أحدثها الربيع العربي. ليس هذا العجز ناجماً فقط عن خيارات هذه القوى السياسية، بل تعود اسبابه الى ما هو أبعد من السياسة وصراعاتها، تعود الى تحول أساسي لم تأخذه هذه القوى في الاعتبار وهو استعادة الفرد العربي لدوره…ب.هكذا هي الأجيال قلت في نفسي. جيل قديم يعجز عن رؤية التحولات الجارية بينما يلتقطها الجيل الجديد بسرعة بداهته وتأقلمه البدهي مع الوقائع الجديدة. سلمت أمري، ولا أخفينكم الأمر، الى ابناء الجيل الجديد، الى مجموعة الأفراد، حاملي الأفكار الجديدة. كيف لا وكلامهم تترجمه الميادين الممتلئة نعمة على الارض. لكني، وككل جيل قديم ومحافظ، أبقيت على بعض الحذر في سري، ليس من الأفكار المطروحة فهي شهية، بل من إمكانية نجاحها في ظل ما تراه أناي غير العصرية من مشاكل وعقد لا يعيرها الشباب الجدد أي اهتمام. ففلسطين المحتلة لم يلحظها ‘الفرد المستعاد’. هي فقط ‘قضية الفلسطيني’ وبعض الحدود التي يمكن بعقلية الشباب الجديدة أن تحل بربع ساعة مفاوضات مع جيل اسرائيلي شاب أيضا ويشبهنا. أطماع دول الإقليم القوية في خلق واستعادة امبراطوريات جديدة – قديمة لم تظهر على حاسوب الشباب المولع بالفرد. ولا مشاكل إطعام الملايين من الشباب مثلهم، الذين لا ملاذ لهم غير السطوح والقبور وعشوائيات المدن. هذه مشاكل ناتجة عن الانسداد السياسي، قيل لي، عن الاستبداد. يكفي القليل من الديمقراطية وهذه المشاكل تحل بنفسها تقريباً قال لنا هؤلاء. الجيل الجديد لم يلحظ كذلك أن ‘استعادة الفرد’ لدوره، كما يقولون، لا تتلاءم مع ما أرى، أنا البطرك القديم، في مدينة زغرتا لبنان مثلا من تكتلات بشرية لا تشبه بشيء مجتمع ‘الأفراد’ كما عرفته في باريس أو نيويورك. وهذه المدينة تشبه آلاف المدن من مدن العرب وأريافهم من حيث نسيجها الاجتماعي المتبعثر. فهي تشبه كل مدن لبنان وأريافه، جنوب العراق كما شماله ووسطه، سورية ومدنها وضواحيها، القاهرة بإخوانها وسلفييها وصوفييها وأقباطها، ليبيا القذاذفة والأورفلّة، اليمن بصالحه وأحمره. فأني مشيت اليوم في بلاد عم ‘الفرد المستعاد’ تقع على غزوة هنا وسبي هناك وغنائم وسيوف ورؤوس مقطعة. الشيء الوحيد ‘المودرن’، في ثورة ‘الفرد’ هذه، هو السيارة المفخخة التي تقضي على العديد من أبناء القبائل الأخرى وبضربة واحدة. الجيل الجديد الذي بشرنا بـ’ثورة’ الفرد الحقوقية نسي أن ثورته لا تحمل الشرعية بل الشريعة مصدر ملهم، لا تحمل أي فكر جديد يغير أفكارنا القديمة، لا يرافقها أي فيلسوف ولا أي عالِم. لم تحمل إلينا أي مشروع سياسي- فكري جديد بديل للسياسات القديمة الفاشــلة، لا بل يعـــــدنا بالمزيد منها اقتــــناعاً منه بتحرير الاسواق والانفتاح على العالم. الحلم كان كبير الجمال علينا وعلى الجيل الجديد الذي سرعان ما اختفى عن المشهد نهائياً. وائل غنيم الناشط الحاسوبي اختفى، كرمان المتوكلة على الفرد اختفت هي أيضا. وما اختفاؤهما وبروز الجماعات الإسلامية مكانهما إلا أحــــد الشواهد على أن ‘الفرد الذي استعاد دوره’ استعاده فعلا لكن ليس على المسرح. ساعته لم تأتِ بعد.حلم الشباب بعودة ‘الفرد’ ظلمته وظلمت الشباب أيضاً . فلا الفرد عاد ولا ثورته. أحلامه لم تتطابق وأحلام مجتمعٍ له هموم أخرى. بعد أقل من عامين على بداية ‘الربيع العربي’ يحق لي أن أعلن أن الانتقام لا يولد ثورة. لا ثورة أفراد ولا ثورة مجتمعات. الانتقام لا يولد غير التفتت ‘المستعاد’ والمستدام، غير حروب أهلية صار من الضروري التعود على براكينها. qlaqpt