ليس ثمة رقم دقيق عن عدد المعتقلين في السجون الإيرانية على خلفية الاحتجاجات الشعبية منذ مقتل الشابة الكردية الإيرانية مهسا أميني في السادس من أيلول/سبتمبر الماضي خلال اعتقالها من قبل شرطة الأخلاق بتهمة سوء ارتداء الحجاب الذي تفرضه إيران على النساء. الرقم الذي تتداوله مجموعات حقوقية يصل إلى 18 ألفاً في غضون ثلاثة أشهر. شكّلت النساء والشباب العنصر الغالب في التظاهرات الغاضبة على مقتل أميني ابنة الـ22 ربيعاً، ومِن على قبرها، ردَّد المشيعون شعار: «امرأة، حياة، حرية» باللغة الكردية (جين، جيان، آزادي) وهو شعار سياسي كردي يرمز إلى نضالهم للحرية.
لكن هذا الشعار تجاوز الرمزية الكردية إلى ما هو أوسع… انتشر من سقز، مسقط رأس مهسا أميني، ومن سنندج عاصمة محافظة كردستان – إيران إلى مختلف المدن الإيرانية، حيث صدحت به حناجر المحتجين باللغة الفارسية «زان، زندغي، آزادي». أضحى شعار «امرأة، حياة، حرية»، رمز تظاهرات إيران في نسخة 2022، يقضُّ مضاجع النظام ويهزُّ كينونة أركانه ورجالاته. هو يحمل، في دلالاته، رغبة جامحة للنضال في وجه القهر، والظلم، والقمع، والتمييز، على مستوى المرأة وحقوقها وحريتها، لا بل يعكس في صداه جوهر وروحية الحركة الاحتجاجية التي ترى حرية المرأة مدخلاً لحرية المجتمع بأكمله.
احتجاجات اليوم تختلف عن احتجاجات ما سبقها في 2009 و2017 و2019 بأنها مسَّتْ منذ اليوم الأول بمرتكزات النظام. إذ ترافقت هتافات «امرأة، حياة، حرية» مع هتافات «الموت للديكتاتور»، «الموت للخامنئي»، «يا ديكتاتور اترك البلاد»، «لا نريد لا نريد… الجمهورية الإسلامية». لا يتعلق الأمر بمطالب اقتصادية أو معيشية، ولا بمحاسبة مسؤول أو جهاز، بل برغبة في تغيير جوهر النظام. نزلتِ النساءُ إلى الشوارع؛ قام بعضهن بنزع الحجاب وحرقه، وقصَّ بعضهن الآخر شعرهن في تعبير احتجاجي، جعل كثر من النساء خارج إيران يَـقْصُـصْـنَ خصلاً من شعرهن كرسائل تضامن ودعم.
كان طبيعياً أن يتّسع الغضب ويطال مختلف الشرائح الاجتماعية. فقضية مهسا أميني تعكس مشكلة أساسية مع تطبيق النظام لقوانين فرض الحجاب. تقول بعض الحقوقيات إن لباس أميني لم يكن مخالفاً لما يتم ارتداؤه منذ سنوات في شوارع إيران. تلك المشكلة قد تطرق باب كل بيت، وتطال الزوجة، والابنة، والأخت، لأنها تؤثّـر على كل مناحي الحياة بالنسبة للمرأة، فيكفي أن تخرج إلى الشارع لتقع في براثن شرطة الأخلاق. وفق ناشطات في مجال حقوق الانسان، لا معيار واضحاً في كيفية تحديد ما هو «الحجاب المناسب» و«الحجاب غير المناسب أو الحجاب السيئ»، ما يجعل الأمر قراراً استنسابياً واعتباطياً، ويضع تالياً المرأة المؤمنة بارتداء الحجاب، إذا ارتدت الحجاب بطريقة معينة، في نفس مأزق المرأة غير المؤمنة به.
نضال الإيرانيات قديم جديد
الباحثة الإيرانية سارة بازوباندي تُشير في مقالة لها، نشرها مركز كارنيغي للشرق الأوسط عن احتجاجات إيران إلى «نضال النساء الإيرانيات بوجه قواعد اللباس منذ وصول آية الله الخميني وإعلانه أنه لن يُسمَح للنساء بالدخول إلى أماكن العمل إلا إذا التزمْـنَ بارتداء الحجاب. وتحدثتْ عن كيفية نزول الإيرانيات يومها إلى الشارع احتجاجًا على انتهاك حريتهن في الخيار وقمعهن. ومَـنْ رَفضْـنَ إلزامية الحجاب تَعرّضْـنَ للتهميش الاجتماعي والاقتصادي طوال سنوات». وقالت إن «طبيبات وممرّضات ومعلّمات خسرن وظائفهن بسبب مشاركتهن في تلك الاحتجاجات، وأن إيرانيات كثيرات حُرمن من حقهن في متابعة تحصيلهن العلمي أو العودة إلى العمل، بتهمة اعتماد «قواعد لباس غير ملائمة» قبل الثورة الإسلامية، إذ قام مؤيّدو الثورة بتتبّع المعلومات عن أنماط عيش النساء قبل عام 1979».
وتُشير إلى أن «قواعد اللباس رُبطت بالحقوق الاجتماعية والاقتصادية الأساسية مثل: التوظيف، والتعليم، والدخول إلى الأماكن العامة، وطالت الرجال الإيرانيين الذين مُنعوا من ارتداء القمصان ذات الأكمام القصيرة، وسراويل الجينز والألوان الزاهية في أماكن العمل والجامعات. واستخدمت الدولة سلطتها لفرض إجراءات للسيطرة على مختلف جوانب الحياة العامة والخاصة للمواطنين. وباتت جميع الخيارات الشخصية مثل الزيجات المختلطة، وحفلات أعياد الميلاد، والاستماع إلى الموسيقى، ومشاهدة الأفلام الأجنبية، واقتناء الكلاب، خاضعة لتدخّل الدولة في إيران»، وهي معارك لا تزال من دون حلول، وكشفت وفاة أميني النقاب عن المظالم الجماعية التي يُعاني منها الإيرانيون.
اتساع الهوة وتدحرج الأزمة
لم يتغيَّر شيء منذ عقود أربعة في عقلية النظام، الذي بدا أنه ماضٍ إلى مزيد من التشدّد وإحكام قبضته على كل المؤسسات ومفاصل الحياة مع التماهي بين المرشد، ورأس الجمهورية، والحرس الثوري. أزمة النظام الراهنة تكبر ككرة الثلج بفعل الهوّة التي تتسع بين النظام الديني العقائدي القائم على ولاية الفقيه وبين الشعب الطامح إلى مزيد من الحريات الفردية والشخصية والعامة. ما يُقلق النظام هو انضمام مختلف شرائح المجتمع إلى الاحتجاجات. النساء وطلاب الجامعات شكّلا بداية العامود الفقري للاحتجاجات لتتطوّر وتشمل إضراب فئات واسعة من الطبقة العاملة، ولا سيما عمال النفط، والحديد، والنقل، ولينضم إليها أصحاب المحال التجارية و«البازارات» التي تعود لكبار التجار.
وما يُميّز هذه الاحتجاجات أنها تلقى دعماً لافتاً من رموز رياضية وفنية وموسيقية. فليس بالأمر البسيط على النظام الحاكم أن يرفض فريق كرة القدم الإيراني، على مرأى الملايين من المشاهدين، أن يؤدي في أول مباراة له في مونديال قطر 2022 النشيد الوطني الإيراني تضامناً مع حركة الاحتجاج التي يُعبِّر عنها جزء كبير من الشعب الإيراني. فبتلك الخطوة، نقل الفريق الإيراني، إلى عموم الكرة الأرضية، أصوات ملايين من نساء وشباب وشابات إيران المحجوب عنهم الإنترنت والتواصل مع العالم وكشف عمق الهوة بين السلطة الحاكمة والشعب. ولم يستطع النظام تحمّل أغنية للفنان الإيراني شروين حاجي بور أن تتحوَّل إلى «النشيد غير الرسمي» للاحتجاجات. فأغنية «براي» (معناها بالعربية: من أجل) أدَّت إلى اعتقال حاجي بور قبل أن تعود السلطات وتطلقه بكفالة بانتظار محاكمته. تلك الأغنية يرددها المحتجون ليلاً من على شرفات منازلهم، وتُعبّر عن واقع حال الإيرانيين وما يطمحون إليه حين تقول في بعض كلماتها: «من أجل الرقص في الشوارع»، و«الخوف الذي نشعر به أثناء تبادل القُبل»، من أجل «أختي وأختك وأخواتكم»، و«بسبب الإحراج من الجيب الفارغ»، و«لأننا نتوق لحياة طبيعية»… ومن أجل «امرأة، حياة، حرية» ومن أجل «الحرية».
ومغني الراب المعروف توماج صالحي كان نصيبه السجن لدعمه الاحتجاجات، إذ اعتقل بعد مقابلة لشبكة «سي.بي.سي» الكندية، اعتبر فيها أن «هناك مافيا مستعدة لقتل الأمة بأسرها للاحتفاظ بسلطتها ومالها وأسلحتها». ويتخوف أهله من أن يلقى مصيراً أسود بتُهمتَي «الحرابة»: أي «العداء لله»، و«الإفساد في الأرض»، واللتان عقوبتهما الإعدام. شكّل انخراط المشاهير في الاحتجاجات بعداً مختلفاً لطبيعة وروحية «الحدث الإيراني» واتساع رقعته الاجتماعية، وأعطى اعتقال بعضهم وترهيب البعض الأخر إشارات للداخل والخارج عن القلق المتمادي لدى النظام بعد ضيق صدره الذي يدفع به إلى زج الصحافيين والمحامين ونشطاء في المجتمع المدني في السجون.
مشانق النظام و«القتل النوعي»
بدا أن الاعتقالات لم تفعل فعلها في لجم زخم الاحتجاجات. ولا ساهم استخدام القوة في قمع المتظاهرين، الذي أدى إلى مقتل ما يزيد عن 450 شخصاً، في إخماد الحركة الشعبية وخفت وهجها. فذهب النظام الى اعتماد لغة الأحكام بالإعدام علها تنفع. بدأ محاكمات صورية أشبه بالمحاكمات العرفية للمحتجين، وأصدر – وفق المجموعات الحقوقية – 12 حكم إعدام حتى الآن. ونفّذ بفارق أيام حكم الإعدام بمحسن شكاري (23 عاماً) ومجيد رضا رهنوَرد (23 عاماً) بتهمة العداء لله. هي مهزلة قضائية برأي الباحثة في «هيومن رايتس ووتش» تارا سبهري فر، ليس فقط لأن المتهمين تعرضوا للتعذيب ليعترفوا، وحُرموا من الاتصال بمحامين من اختيارهم، بل لأنهم حوكموا بتسرّع بإجراءات تتجاوز الضمانات المنصوص عليها في قوانين إيران نفسها المتعلقة بالعقوبات والإجراءات الجنائية.
وهزت الشارع الإيراني قبل أيام الأنباء المتواترة عن خطر إعدام المراهقة سونيا شريفة ابنة الـ16 ربيعاً التي اعتقلت في التاسع من تشرين الثاني/نوفمبر لمشاركتها في الاحتجاجات بعد تقارير توجيه اتهام لها بالحرابة ومنعها من الاتصال بمحاميها، واحتمال اعدام محمد بروغني (19 عاماً). ودعا برلمانيون أوروبيون إلى رفع الصوت عالمياً وتبني قضية الاعدامات سياسياً لردع النظام عن المضي فيها.
يتحدث الكاتب الصحافي مصطفى فحص عن مفهوم «القتل النوعي» في مقابل «القتل الكمي»، إذ يرى أن النظام الإيراني يرى في عقوبة الإعدام شنقاً ضالته، وفي تنفيذها علانية مبتغاه، فما يريده الآن ترهيب الناشطين فرداً فرداً من خلال تطبيق فكرة «القتل النوعي»، بعدما فشلت آلة القتل التي تجاوز ضحاياها 450 شخصاً في الترهيب الجماعي، أي «القتل الكميّ»، لكنه أيضاً يُضيف سبباً آخر غير الترهيب، وهو تجنّب تداعيات القتل الجماعي الذي قد يتسبب بامتناع منتسبي الأجهزة الأمنية عن تنفيذ الأوامر، وبالمعنى العسكري (عصيان)، ما قد يؤدي إلى تمرّد ومن ثم انشقاق. وتجنباً لهذه المعادلة، وجد النظام في شنق المحتجين مخرجاً يتجنب فيه هذه الاحتمالات وقد يساعده على ردعهم كأفراد.
لا احتواء من دون تراجع
قد يكون «القتل النوعي» مخرجاً للنظام لحفظ تماسك المؤسسات والأجهزة الأمنية والعسكرية إذا نجح فعلاً في احتواء الاحتجاجات. الاحتواء مسألة تتطلب إدخال تغيرات جوهرية في بنية النظام تطرق مرتكزاته ومداميكه العقائدية التي هي شريان حياته. لا يبدو أن الكلام السياسي عن وجوب الذهاب إلى تعديلات دستورية لإخراج البلاد من أزمتها الراهنة يقدم جواباً شافياً لطموحات الجيل الجديد التواق إلى نظام مدني بديلاً عن النظام الديني الذي أفرزته «الثورة الخمينية» بعدما أحكمت قبضتها على السلطة، وقضت على القوى السياسية الليبرالية واليسارية التي لعبت دوراً هي الأخرى في إسقاط نظام الشاه من أجل بناء نظام أكثر عدالة اجتماعية للإيرانيين. القناعة السائدة أن هذا النظام لا يمكنه إدخال إصلاحات اجتماعية تمس المرتكزات العقائدية الإسلامية كونها ستكون كمن يدق المسمار في نعشه. وليس الإعلان المبهم عن إيقاف «شرطة الأخلاق» سوى نموذج عن عدم «الجمهورية الإسلامية» على تحَمّل خطوات يمكن فهمها على أنها تراجع، بما يفتح باب المطالبات من المحتجين وباب التنازلات القاتلة من النظام. طُردت إيران قبل أيام من لجنة الأمم المتحدة لحقوق المرأة. في الواقع، ليس الخبر في أنها طُردت بل في كيف أنها انتخبت أساساً بأصوات الجمعية العمومية لتكون عضواً في أعلى هيئة دولية تعنى بشؤون وحقوق المرأة، وكأنها كانت في تعاملها مع النساء الإيرانيات نموذجاً مشرقاً ليتم انتخابها والإفادة من تجربتها لإلهام النساء في العالم!. إنها السخرية أن يستفيق العالم على أن إيران تلتزم بسياسات تتعارض مع حقوق النساء والفتيات.