شعبان عبد الرحيم… الظاهرة الغنائية الشعبية التي استفزت إسرائيل

مثّل المغني الشعبي الراحل شعبان عبد الرحيم، حالة غنائية فريدة اكتسبت اهتماماً إعلامياً نتيجة غرابتها، وزاد الاهتمام بها بفعل مصادفات كثيرة لعبت دوراً رئيسيا في رواج اسم شعبان، الذي دخل الوسط الفني عبر شركات الكاسيت، التي اتسع نشاطها التجاري في أواخر الثمانينيات وأوائل التسعينيات من القرن الماضي، فبحثت عن المثير والمختلف في الكلــــمات والألحان، لإرضاء الذوق العام الشعبي، أو بالأحرى الذوق العشوائي الذي هيمن فغطـــــى على اللون التراثي الأصيل لمشاهير الغناء، أمثال، محمد قنديل وكارم محمود ومحمد العزبي ومحمد رشدي وغيرهم.
ولم يكن شعبان عبد الرحيم الذي مثلت أغانية تياراً مضاداً للأغنية الشعبية القديمة، سوى امتداد لموجه فنية بدأت قبل ثلاثين عاماً، وغيرت من مضامين وأشكال الأغنية التقليدية بمواصفاتها المعهودة والراسخة، وساهمت في ذيوع وانتشار بعض الأسماء التي دخلت إلى عالم الشهرة والأضواء من الأبواب الخلفية، في غياب الرقابة الفنية، وتعطيل القانون المنظم للحركة الإبداعية في هذا الشأن على وجه الخصوص.
وقد ساهم التواطؤ الكلي من جانب كافة الأجهزة المعنية على تفشي الحالات الغنائية العشوائية، وأدى صمت الحركة النقدية إلى زيادة تفشيها، ومن هنا جاءت المتشابهات التي اختلطت بالفن الغنائي فنُسبت إليه وأخذت بعض ملامحه للوصول للقاعدة الجماهيرية العريضة، وعلى هذا الأثر صعد نجم شعبان عبد الرحيم كصوت تعبيري مغاير للسائد والمألوف، فهو لم يعتنِ كثيراً بغناء المواويل، ولم يلجأ إلى السير الشعبية كبقية المطربين المعروفين بهذا اللون، وإنما ذهب إلى ما هو أخف وأسهل فجاءت ثيماته الغنائية واللحنية دارجة للغاية، فوجدت صدى لدى الطبقة الاجتماعية الأدنى، التي رأت في ما يقدمه لغة خاصة بها ومتنفسا ترفيهيا يُخرجها من الإحساس المؤلم بالنفي والإقصاء والتهميش، فتمسكت بمغنيها وأيدته فصارت له كل هذه الحيثية، وفي غضون سنوات معدودة أصبح عبد الرحيم المغني المدلل، وقد خلع عليه محبيه ومريديه لقب « شعبولا « وتعددت أغانيه وألبوماته، ولكن بقيت أغنيته الشهيرة « بكره إسرائيل « هي الأبرز كونها جاءت في سياق وطني يتعلق بالانتفاضة الفلسطينية والعدوان الصهيوني السافر على غزة قبل عدة سنوات .

استفاد شعبان كثيراً من ردود الأفعال التي أحدثتها أغنيته فجعل يؤديها في كل الحفلات ويتباهى بها في كل لقاءاته التلفزيونية والإعلامية بوصفها عملاً مناهضاً للاحتلال، وداعماً للانتفاضة

وقد استفاد شعبان كثيراً من ردود الأفعال التي أحدثتها أغنيته فجعل يؤديها في كل الحفلات ويتباهى بها في كل لقاءاته التلفزيونية والإعلامية بوصفها عملاً مناهضاً للاحتلال، وداعماً للانتفاضة، وبناءً عليه اتهمته بعض العناصر الإسرائيلية بمعاداة السامية، فارتفعت أسهمه وأذاعت كبرى المحطات الإخبارية العالمية نبأ الاتهام، واجتهدت في تحليل كلمات الأغنية الدالة من وجهة نظر المحللين السياسيين على نبض الشارع المصري.
وبمرور الوقت وبفضل الإلحاح الإعلامي تجاوز المغني الشعبي البسيط دوره الفني، فاعتُبر المفوض من قبل غالبية المصريين للتعبير عن آرائهم في المسألة الوطنية، خاصة أن الواقفين خلفه أشاروا عليه باستثمار الحالة في عمل المزيد من الأغنيات القابلة للاشتباك مع القضايا الكبرى، فقدم تجارب أخرى حملت عناوين مغرية ومرضية للشارع السياسي، كان من بينها «ما تخافش من الحكومة ـ إللي خايف يطلع بره ـ ما بتهددش – شعبان يتحدى جاكسون، فنجحت نجاحاً مدوياً وأدت إلى استقرار الآراء على أهمية الدور الفني لشعبولا والمضمون الإيجابي لأغانيه. وزاد من الالتفات لظاهرة شعبان عبد الرحيم والعناية بها، إقبال السينما عليه، وإسناد بعض البطولات له في أفلام تجارية مثل فيلم «فلاح في الكونغرس»، الذي تلته تجربة أكثر تميزاً مع المخرج داود عبد السيد في فيلم «مواطن ومخبر وحرامي» مع نجوم مهمين كهند صبري وصلاح عبدالله وخالد أبو النجا، فيتم الاعتراف الرسمي بالبطل على مستويات كثيرة من أهمها نجومية الشباك، ودرجة التأثير الجماهيري بحيزها الواسع فيُستدعى في برامج التوك شو بالفضائيات الخاصة من باب رفع نسبة المشاهدة.
وتتكرس الفكرة في العقل الجمعي الإعلامي والشعبي، وتمتد إلى العقلية الثقافية، فيعاد تقييمه وفق ما تقدم من المعطيات المذكورة، ويرتبط اسم المغني الراحل بعناوين كثيرة ما بين الفني والسياسي والشعبي والبيئي، وتلعب هيئته الشكلية الخاصة ولغته الحوارية دوراً أساسياً في ترويجه كحاله مثيرة وغريبة، ولأنه كان يعي ذلك تماماً فقد استمرأ الغرابة والإثارة، وحرص على أن يظل موضوعاً في قالب وإطار لا يشبه فيه أحداً ولا أحد يشبهه.

٭ كاتب من مصر

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية