القاهرة ـ «القدس العربي»: تضاعفت إنجازات المقاومين على الأرض على مختلف الجبهات، ما أسفر عن تحول لافت في موقف الرئيس الثمانيني، الذي يعد أبرز من تآمر على الشعب الفلسطيني، فأرسل حاملات طائراته وقنابله، وأحدث عتاده وأسلحته.. لقتل هذا الشعب، لكن خاب مسعاه رغم عظم الخسائر والخراب الذي عم القطاع، إلا أن اعتراف الرئيس الامريكي الأخير بالمخاطر التي تواجه دولة الكيان ومطالبته نتنياهو بضرورة تغيير الحكومة، اعتبره مراقبون اعترافا من بايدن، بفشل جيش الاحتلال في مهمته. واعتبر أنور الهواري رئيس تحرير “المصري اليوم” الأسبق، ذلك بأنه “اعتراف من الرئيس الأمريكي بانتصار المقاومة… فتحية إجلال وإكبار لرجال المقاومة الأبرار، سواء من قضى نحبه شهيدا ومن ينتظر”.
ومن أخبار الماراثون الرئاسي: كشفت نتائج الفرز الأولية لصناديق الاقتراع في الانتخابات الرئاسية، بعد إعلان عدد من اللجان العامة نتائج فرز الأصوات، عن منافسة شديدة بين المرشحين الرئاسيين فريد زهران وحازم عمر على المركز الثاني. وحصل المرشح الرئاسي فريد زهران، رئيس الحزب المصري الديمقراطي الاجتماعي، على المركز الثاني في عدد من اللجان التي انتهت فيها عملية الفرز، بينما حل المرشح حازم عمر، رئيس حزب الشعب الجمهوري، في المركز الثاني بعدد آخر من اللجان. وأظهرت نتائج الفرز الأولية تقاربا كبيرا بين المرشحين على المركز الثاني، فيما ينتظر الانتهاء من عملية الفرز، وتجميع الأصوات النهائية لحسم المركز الثاني بينهما، على أن تعلن النتائج النهائية، الاثنين المقبل، وفق الجدول المعلن من الهيئة الوطنية للانتخابات. وصرح المتحدث الرسمي باسم رئاسة الجمهورية، بأن الاتصال بين الرئيس السيسي ورئيس الكونغو الديمقراطية، تناول العلاقات الثنائية بين البلدين، حيث استعرض الجانبان أهم مجالات التعاون، وأكدا الرغبة المشتركة في توسيعها إلى آفاق أرحب، في ضوء العلاقات الوثيقة بين الجانبين. كما أكد الرئيس السيسي حرص مصر على تقديم الدعم للكونغو الديمقراطية في برامجها التنموية، بما يتسق مع الطابع الخاص والتاريخي للعلاقات بين البلدين. وأضاف المتحدث الرسمي أن الاتصال تطرق كذلك إلى الأوضاع في القارة الافريقية، حيث أكد الرئيسان مواصلة تعزيز العمل الافريقي المشترك لتحقيق الاستقرار والسلم والأمن للقارة، والعمل على تثبيت دعائم هذا الاستقرار وربطه بجهود التنمية، بما يتسق مع تطلعات الشعوب الافريقية.
ماذا تريد؟
لا تملك وأنت تتابع موقف إيران مما يجرى في المنطقة، إلا أن تصاب بالكثير من الدهشة والحيرة، وأن تتساءل عما تريده طهران بالضبط.. لقد ذهب وزير خارجيتها حسين أمير عبداللهيان، إلى منتدى الدوحة، ليقول إن الشىء الوحيد الذي يجمع بلاده مع إسرائيل هو عدم الإيمان بحل الدولتين في فلسطين. تساءل سليمان جودة في “المصري اليوم”: حسنا.. ما الحل إذنْ؟ لا حل تقدمه حكومة المرشد علي خامنئي في إيران طبعا.. لا حل تقدمه أو تطرحه.. وتكون النتيجة أنك تكتشف أن في المنطقة دولا تتغذى على بقاء قضية فلسطين مُعلقة في الهواء، هكذا بغير حل، ولأمد زمني غير معلومة نهايته ولا معروف سقفه، ولا شك في أن إيران في مقدمة هذه الدول. والحقيقة أنه لا جديد في ما قاله وزير الخارجية الإيراني، ففي 11 نوفمبر/تشرين الثاني، ذهب الرئيس الإيراني إبراهيم رئيسي إلى الرياض لحضور القمة العربية الإسلامية المشتركة، ولم يخرج ما قال به أمام القمة عما قاله وزير خارجيته، وكان من بين الدول القليلة جدا التي اعترضت على القرار الصادر في نهاية القمة عن جامعة الدول العربية ومنظمة التعاون الإسلامى معا. إن إسرائيل ترفض حل الدولتين؛ لأنها ترفض الحل أصلا، سواء كان حلا بصيغة الدولتين، كما يتوافق عليه المجتمع الدولي، وكما تقول به المبادرة العربية المطروحة منذ قمة بيروت العربية 2002..
شر الصديق
شدد سليمان جودة على أن تل أبيب ترفض كل حل وأي حل؛ لأنها دولة تحتل الأرض، ولأن أي حل سوف يبعدها عن الأرض التي احتلتها، أو عن جانب منها على الأقل. فإذا كان هذا هو أساس الرفض الإسرائيلي، فما هو في المقابل أساس الرفض الإيراني؟ اللهم إلا أن الحل بأي صيغة سوف لا يدع هناك قضية، وسوف لا تكون هناك بالتالي ذريعة ولا مساحة لهذه المتاجرة الإيرانية باسم القضية وتحت لافتتها. ومن أيام، كان المرشد خامنئي قد قال: إن العرب، لا إيران، هُم الذين دعوا إلى إلقاء إسرائيل في البحر.. وكانت هذه من الغرائب والعجائب التي تمارسها وتقولها السياسة الإيرانية على حد سواء.. وقد بدت عبارة المرشد مُحيرة هي الأخرى، وبدا وكأنه يغسل يديه من شيء ما، ولم يختلف حاله عن حال الرئيس إبراهيم رئيسي في القمة العربية الإسلامية المشتركة، ولا عن حال عبداللهيان في منتدى الدوحة. يحدث هذا كله بينما تطرح إيران نفسها باعتبارها صديقة مخلصة للقضية ولأصحابها، ولا يمر وقت طويل حتى يكون المرشد قد استقبل هذا أو ذاك من القيادات الفلسطينية في طهران، ولا بد من أن كل فلسطينى يكتوي بما ترتكبه إسرائيل في قطاع غزة، وفي الضفة، إنما يتابع أنباء هذه الاستقبالات من وقت إلى وقت ولسان حاله يقول: «اللهم اكفنا شر أصدقاء القضية، أما أعداؤها فنحن كفيلون بهم».
أمريكا تتقهقر
رغم أن المقاومة الفلسطينية لا تتحدث عن نهاية الحرب في غزة، ورغم أن إسرائيل هي التي تصر على امتدادها، فإن إسرائيل كما أوضح فاروق جويدة في “الأهرام”، لا تستطيع أن تتحمل أعباء هذه المواجهة أمام الخسائر الضخمة التي تدفعها كل يوم مالا وبشرا.. ولهذا فإن الاحتمال الأكبر أن تستمر المقاومة وقد تزداد عنفا وضراوة.. إسرائيل دمرت كل المنشآت في غزة، وقتلت الآلاف من النساء والأطفال، ولكنها لم تحقق نصرا واحدا، وما زالت حماس تصد العدوان وتدمر الدبابات وتقتل الجنود.. حماس ما زالت تحارب، ولأنها تعرف الأرض وتعرف كل تفاصيل الأماكن أمام عدو مغتصب، فإن النصر سيكون لصاحب الأرض، وعلى إسرائيل أن تدفع ضريبة الهزيمة.. إن الرأي العام في إسرائيل بدأ يشعر بنتائج الحرب، قبل أن تنتهي وأن القضاء على حماس قضية مستحيلة رغم كل الدعم العسكري الأمريكي للجيش الإسرائيلي.. حروب الشوارع تختلف تماما عن حروب الجيوش النظامية، ونحن أمام شعب يدافع عن أرضه ووجوده، ولهذا فإن المعركة ستطول، خاصة إذا دخلت فيها أطراف أخرى مثل الحوثيين في اليمن وحزب الله في لبنان، وربما دخلت قوات أخرى من سوريا والعراق ولا أحد يعلم حجم الدعم العسكري، الذي تقدمه إيران للمقاتلين في غزة.. إسرائيل تتصور أنها اقتربت من تحقيق النصر على حماس، ولكن يبدو أن لدى حماس أوراقا لم تستخدمها بعد، خاصة أن إسرائيل لا تستطيع أن تتحمل الحرب شهورا مقبلة، في حين أن حماس تستطيع أن تحارب أعواما لأنها تدافع عن الأرض والشعب الفلسطيني يعرف جيدا كل شبر في أرضه.. أمريكا بدأت تراجع حساباتها مع إسرائيل أمام الرفض العالمي لإبادة الشعب الفلسطيني ولا أحد يعرف هل يصل الخلاف بين بايدن ونتنياهو إلى موقف أمريكى أكثر حسما..
رغم الجراح
تواصلت انتصارات غزة، وكانت أولى تلك البشائر ما قامت به قوات الاحتلال من تصوير بعض المدنيين في غزة، وقد تم خلع ملابسهم وتركيعهم على أنهم من رجال المقاومة حماس، الصورة، من وجهة نظر خالد حسن في “الوفد”، دليل واضح على الضعف والكذب، حيث لم يجد الاحتلال أي بصيص أمل في الانتصار، خاصة مع مناسبة الاحتفال بعيد الأنوار اليهودي (حانوكا) هذا العام في 18 ديسمبر/ كانون الأول، ويستمر لمدة ثمانية أيام، سوى رفع معنويات الشعب الصهيوني بتلك الصور الكاذبة، التي كشف الجميع كذبها، حيث كان الأولى أن يتم تصوير المقاومة بملابس الحرب التي يرتدونها في فيديوهات الحرب، ولكن لجأ الاحتلال إلى التزوير بتصوير المحتجزين وهم دون ملابس. لقد أصابت جماهير الصهاينة الصدمة وهي تشاهد فيديوهات تصوير المقاومة الفلسطينية لمعسكر الاحتلال من الداخل قبل ضربه، حيث استطاعت المقاومة توثيق انتصاراتها بالفيديو والصور، بينما فشل الاحتلال في تصوير أي انتصار وحتى الصور الوحيدة، التي أراد بها خلق انتصار وهمي انكشف كذبها. كتائب القسام أعلنت عن انتصاراتها في يوم واحد عقب خوض اشتباكات عنيفة مع قوات الاحتلال في جميع محاور التوغل في قطاع غزة، وإحصاء تدمير 24 آلية عسكرية كليا أو جزئيا، فقط في محاور القتال في مدينة خان يونس، واستهداف 18 جنديا بالهجوم المباشر، وأوقع قناصة القسام 8 جنود بين قتيل وجريح، ونسفوا منزلا تحصنت فيه قوة خاصة بالعبوات، كما أوقعوا قوة أخرى في حقل ألغام أعد مسبقا، ودكوا التحشدات العسكرية بمنظومة رجوم قصيرة المدى، ووجهوا رشقات صاروخية مكثفة نحو أهداف متنوعة وبمديات مختلفة إلى أراضينا المحتلة، كل هذا حصاد يوم واحد.
بات حزينا
بعد أن أحصى مجرد سرد ليوم واحد من إنجازات المقاومة التي باتت مصدر الهام الباحثين عن العدالة، ونموذجا للتحرر عبر العالم، التفت خالد حسن لبعض أسباب المآسي والأحزان التي باتت تداهم الإسرائيليين: لقد أصبح شعب صهيون، لا يصدق سوى أبوعبيدة وبياناته، خاصة بعد كشف كذب الاحتلال حتى في رسم البسمة في أيام العيد. ويعد حانوكا من الأعياد الدينية عند اليهود، لكنه بمثابة مهرجان للفرح، إذ يجتمعون كل ليلة لتحضير المأكولات التقليدية وأغلبها من المقالي. ويحل عيد الأنوار، أو التدشين في الخامس والعشرين من شهر كيسليف، وهو الشهر التاسع، حسب التقويم العبري. ولهذا العيد جذر تاريخي وآخر ديني، حسب المعتقدات اليهودية، ففي القرن الثاني قبل الميلاد، قاد اليهود المكابيون تمردا على السلوقيين عام 165 ق. م. بعد محاولة الملك أنطيخوس الرابع فرض الثقافة والتقاليد الهيلينية على اليهود، وفرض عبادة آلهة الإغريق في هيكل سليمان. ويحتفي اليهود بالحانوكا كذكرى لاستعادتهم حرية العبادة. وحسب المعتقد الديني، لم يكن الزيت المقدّس في الهيكل يكفي المتمردين لإنارة الشموع لأكثر من ليلتين، لكنه بقي مشتعلا لثماني ليال. وهكذا لم تنطل تلك الخدعة حتى على الشعب الصهيوني وبات حزينا في يوم العيد.
بطولاتهم أسطورية
يبدو النظر إلى المستقبل في حالة غزة من وجهة نظر علاء الغطريفي في “المصري اليوم”، رفاهية في ظل قسوة اللحظة ومعاناة أهلها، لكنه إقرار بالواقع ينبغي عدم تركه أو تجاهله، ولهذا فالحديث عن النتائج ضرورة، وإن دفعتها الأحداث اليومية بعيدا عن بؤرة الاهتمام، مع التقدير بالطبع لوجهة النظر القائلة، إنه مع مشاهد الدم والذبح، لا تجوز الكلمات عن الغد. الحرب في غزة حاليا هي حروب بيروسية بالمعنى الحرفى. «بيروس»، الذي أهدى العالم هذا المفهوم هو تلميذ الإسكندر، كان يحارب في معاركه وينتصر، ولكن الخسائر دائما كانت مدمرة، والتكاليف باهظة الثمن من الأرواح والعتاد والتموضع السياسي، واستمر في انتصاراته البيروسية حتى انهزم في معركة بينيفتوم 275 قبل الميلاد. لو نظرنا إلى المقاومة، فهى قد دفعت بالقضية للواجهة الدولية، وتدفع أثمان ما بعد السابع من أكتوبر/تشرين الأول، وهناك تضحيات هائلة يقدمها أهل غزة المدنيون من أرواحهم وأبنائهم وزرعهم وبيوتهم ومستشفياتهم وبناهم التحتية، أكثر من 18 ألف شهيد وقرابة 50 ألف مصاب وجريح وهدم المنازل والتاريخ وتسوية الأحياء بالأرض. أرقام جعلت أي مشاهد أو متلقٍّ أو متابع يختلط عليه الأمر.. هل هذا نصر فعلي، أم ظلم مطلق، أم تضحية واجبة للقضية التي تُركت لأنواء الزمان وحسابات المصالح والخذلان؟ فالصور المتداولة يوميا، التي يتلقاها الناس، تعكس تشوشا وحيرة، ومن ثم يبحث الجميع عن النتيجة وماذا سيحدث غدا.
نصر بيروسي
تحقق المقاومة وفق وصف علاء الغطريفي نصرا بيروسيا على الأرض؛ لأنه لو ظل شخص واحد يهتف باسم حماس في غزة، فقد انتصرت الحركة؛ لأن هدف الاحتلال القضاء التام عليها، وهو ما لم يحدث، رغم بدء الشهر الثالث للحرب.. الأثمان المدفوعة كبيرة، تضاف إلى سنوات الفداء للقضية. أما الاحتلال، فنصره البيروسى مستحيل؛ لأن هناك جيشا نظاميا في مواجهة حركات للمقاومة في غزة، والسيناريو الأفغاني يروي الكثير عن هزيمة الجيوش النظامية في مواجهة الحركات المسلحة، وإن دان الأمر لفترة لصالح محتل أو مستعمر، تدور دورة التاريخ بدفع الواقع وقوة الجغرافيا. ما يفعله الاحتلال كرره آخرون، فاستراتيجية التدمير الكلي لم تجلب نصرا، كما حدث مع بوتين في الشيشان، ولم ينل غيره ما أراد بنزعات الإبادة الجماعية، فهناك عنفوان الإنسانية، حتى لو تداعت لفترة، ونفاذٌ للحق، حتى لو غاب لحين. مفهوم النصر لدى حركة مقاومة يختلف عن نصر لدولة مغتصبة وجيش نظامي.
البحث عن شرعية
اختلف الفقهاء الدستوريون بشأن اكتساب المرشح الفائز في الانتخابات شرعيته. بعضهم كما أخبرنا رفعت رشاد في “الوطن” يقول، بأن الشرعية تكتسب بعد حلف اليمين، وآخرون يقولون إنها تكتسب بعد اتخاذ الإجراءات واستخراج ما يفيد من أوراق ثبوتية، لكن الراجح من بين هذه الآراء وتلك أن الشرعية تتجسد في صناديق الاقتراع. بمجرد أن يدلي الناخب بصوته ويضع رأيه في صندوق الاقتراع، فإنه يمد المرشح المدون اسمه في ورقة التصويت بالشرعية النابعة منه، وبجمع آراء الناخبين وإحصاء ما قرره كل منهم تكون الشرعية الكاملة للمرشح الحاصل على أعلى الأصوات من مجموع أصوات الناخبين. أعلنت الهيئة الوطنية للانتخابات أن نسبة الناخبين الذين أدلوا بأصواتهم حتى الاثنين الماضي، ثاني أيام الاقتراع تخطت 45% من عدد الناخبين الإجمالي وهو حوالي 67 مليون ناخب. من المنتظر بطبيعة الحال أن يزيد العدد باكتمال أيام التصويت الثلاثة ليتخطى حاجز 50% على الأقل وهو أمر لم يحدث من قبل. ماذا يعني وفود هذا العدد غير المسبوق للتصويت في انتخابات رئاسة الجمهورية؟ يعني أن جماهير الشعب تدرك مدى خطورة اللحظة التي نعيشها. يدركون مدى الخطر الذي يحيط بالبلاد من الخارج وعمق الضغوط والأزمات المعيشية في الداخل، بسبب ما يحاك حولنا. اشتعلت نيران الحروب الأهلية في ليبيا والسودان وتناحر الأشقاء داخل الوطن الواحد، وما النيران ببعيدة عن مصر، وليس من السهل تجنب لهيبها. احتدمت الأزمات من كل نوع استكمالا لما حدث في 2011. في ذلك العام فشلت المؤامرة وخرجت مصر من معادلة الخراب التي خططها شياطين الاستعمار المتربصون بنا وبمنطقتنا. في ما سمي – بالخراب العربي – تم تفتيت دول شقيقة وزرع فتن التدمير الذاتي من داخلها حتى تتشرذم طوائف وأعراقا وأديانا.
الامتحان الصعب
لنتذكر مع رفعت رشاد ما حدث في الأندلس منذ ما يزيد على 600 عام: ترسخت الدولة الإسلامية وصارت منارة أوروبا، لكن التناحر والتشرذم وتكاثر الطوائف أدى إلى زوال وانكسار الراية الإسلامية وهو ما كان وما زال وسيظل هدف الاستعمار الغربي. حمى الجيش المصري الوطن وكشر في وجه الأعداء. واجهت مصر العداءات حولها، حتى من افريقيا التي لطالما كانت مصر السند لها في حركاتها التحررية وخططها التنموية الأولى. استطاعت السياسة الخارجية المصرية معالجة المشاكل في علاقاتنا الدولية ببراعة، وحولت الدفة إلى علاقات دافئة مع الجميع. حافظت على شعرة الود والصلات الاقتصادية والثقافية، حتى مع الدول التي اختلفت معنا. ومؤخرا واجهت مصر امتحانا صعبا في غزة. الكل خارج المعادلة ما عدا مصر، سارت السياسة المصرية على حبل رفيع باحتراف لتفادي التورط في مسائل تصعب معالجتها. قرأ الرأي العام المصري ذلك وغيره، واندفع منتهزا فرصة الانتخابات ليعلن ويؤكد: لبيك مصر. شعر الناس بالخطر على وطنهم ودولتهم، الدولة الأم، الدولة التاريخ، الدولة الحضارة. هب المصريون ليقولوا للعالم: مصر تحيا، مصر قوية، كلنا جدار من الجرانيت لحمايتها، الأمر لا يرتبط بالانتخابات بشكل مباشر، إنما بتراص الشعب كتلة واحدة، لا يرتبط الأمر بالرئيس بقدر ما يرتبط بمصر، الكل للواحد، والواحد للكل. قالها المواطنون بخروجهم للتصويت، خروجهم تعبير عما يضمرون لبلدهم، جاءت الانتخابات الفرصة لهذا التعبير. إن معادن الشعوب تظهر في لحظات القدر الفارقة، والشعب المصري عانى كثيرا في تاريخه لكن تاريخه ومعاناته في مواجهة القوى المغتصبة صقلت خبراته وأمدته بقدرات مضمرة لمواجهة الشدائد، التي تخرج عندما تحتدم الأمور، وقد خرجت وظهرت هذه القدرات في الفترة الأخيرة وفي التصويت غير المسبوق في الانتخابات، خرج الشعب ليعلن أن مصر لن تغرق، وأنها ستظل عائمة في بحر التاريخ مهما تلاطمت أمواجه.
لا جديد
انتهت الانتخابات الرئاسية التي شهدت العديد من المشاهد التي يفترض أن نتوقف عندها بالتأمل والتحليل، لعلنا نستفيد من الايجابيات ونتخلص من السلبيات. أحد أهم هذه المشاهد من وجهة نظر عماد الدين حسين رئيس تحرير “الشروق” هي عودة الدور المؤثر لبعض الأحزاب في العملية الانتخابية، بما قد يؤدى إلى تطوير الأحزاب السياسية إذا أحسنت استغلال هذه الفرصة وطورت من أساليب عملها نحو مزيد من الوجود الجماهيري. بطبيعة الحال فإن أحد أهم مؤشرات هذا الحراك الحزبي هو أن نسبة المشاركة في الانتخابات بلغت 45% بعد يوم ونصف اليوم فقط تقريبا من بدء التصويت، طبقا لما أعلنه المستشار أحمد البنداري رئيس الجهاز التنفيذي للهيئة الوطنية للانتخابات. لا أعلم النتيجة النهائية لنسبة المشاركة، لكن من شبه المؤكد أن النسبة ستتجاوز الـ55% وربما تقفز إلى ما فوق الـ60% إذا استمر التصويت على الوتيرة نفسها خلال اليوم الأول. العوامل التي تقف وراء زيادة نسبة المشاركة التي فاجأت كثيرين متعددة، ومنها الحملات الانتخابية للمرشحين الأربعة، لكن سأركز اليوم فقط على العامل الحزبي. الاستعدادات الحزبية لمثل هذا اليوم لم تكن وليدة اللحظة، بل بدأت منذ شهور، وشهدت الأحزاب ذات الصلة، أي التي لها مرشح رئاسي، أو الأحزاب الكبرى الداعمة للرئيس السيسي نشاطا محموما من أجل تحفيز وتشجيع أكبر عدد من الناخبين للتوجه إلى صناديق الانتخابات. وهنا لا بد من الإشارة تحديدا إلى دور كل من حزبي «مستقبل وطن» و«حماة وطن». ومن الواضح أن كلا الحزبين اللذين يحوزان الأغلبية داخل مجلسي النواب والشيوخ، تقريبا تمكنا من حشد المصوتين في لجان الانتخابات الرئاسية.
ما بعد الانتخابات
رصد البعض ما يمكن تسميته وفق رأي عماد الدين حسين بتنافس انتخابي حميد بين حزبي «مستقبل وطن» و«حماة وطن» بشأن حشد الناخبين للمشاركة أولا، ثم التصويت للمرشح الرئاسي عبدالفتاح السيسي، لكن متابعا آخر حضر النقاش قال، إنه يعتبر ما حدث تنسيقا وتكاملا بين الحزبين من أجل تحقيق هدف واحد وهو أن يفوز مرشحهم أولا، وأن تكون هناك نسبة مشاركة مرتفعة ثانيا، وإن كان البعض يرى أن التحدي الرئيسي في الانتخابات الأخيرة، لم يكن هو فوز السيسي باعتبار أن ذلك مضمون بنسبة 100%، ولكن كان التحدي هو نسبة المشاركة، على اعتبار أن المرشحين الثلاثة الآخرين أي فريد زهران وحازم عمر وعبدالسند يمامة لا يشكلون منافسة حقيقية للسيسي، مع كل التقدير والاحترام لأشخاصهم. وربما يكون الحزبان، أي مستقبل وطن وحماة وطن، يتنافسان أيضا على من يكون هو الحزب الأولى بالرعاية في الانتخابات النيابية المقبلة. التقدير أيضا أن الحشد الحزبي في هذه الانتخابات هو بروفة مهمة للأحزاب المصرية خصوصا الكبرى منها للانتخابات النيابية. وكان واضحا في عملية الحشد أن نوابا كثيرين نزلوا إلى دوائرهم الانتخابية لإقناع الناخبين بالمشاركة في الانتخابات، باعتبار أن أي تراجع في نسبة المشاركة قد يفسر على أنه تخاذل حزبي، وبالتالي يمكن فهم الجهود الملحوظة التي بذلها العديد من النواب لإقناع الناخبين بالمشاركة، إضافة إلى عودة الالتزام الحزبي إلى حد ما. في كل الأحوال سيكون من حق هذه الأحزاب حينما تظهر الأرقام النهائية والتفصيلية لنسبة المشاركة الزعم بأنها بذلت جهدا كبيرا في هذه الانتخابات، وأنها نجحت في هذا الاختبار المهم. لكن السؤال الجوهري الذي نكرره كثيرا هو: هل ستواصل هذه الأحزاب تواصلها مع الجماهير على الأرض؟ أم تدخل في السبات الشتوي «المعتاد» حتى تأتي استحقاقات انتخابية جديدة؟
«المهبكاتي»
العنوان أعلاه صفة لنموذج من البشر يهتم بالحديث عنهم الدكتور حسن يوسف طه في “الوفد”: ربما تكون الكلمة مشتقة من الكلمة الإنكليزية Humbug بمعنى الاحتيال أو الخداع.. وهي أشهر كلمة تعبر عن النصب والاحتيال والفهلوة، والمهبكاتي.. تجده يتحدث كثيرا، وينتقل من موضوع لآخر، وكل ذلك لجذب انتباه الآخرين لأمر ما، حتى يتجاهلوا أمرا آخر أو أي موضوع ذي أهمية. وتطلق كلمة (المهبكاتي) للتدليل على تلك الشخصية التي تملأ المكان حركة وضجيجا، دون فعل حقيقي مجد. الشخصية المهبكاتية، هو ذلك الشخص الخاوى من الداخل.. هو لا يجيد شيئا فيه عمق ورؤية، لكن يحلو له أن يوجد في المواقف التي توجد فيها أضواء وحركة ونشاط. هو كثير الحركة والهرج والمرج. هو دائما يحب الاستعراض ودوما يميل إلى الكوميديا، يجيد التفاهة وكل شيء يفعله بسرعة دون تفكير أو تدبر، المهم أن يرضي من حوله، خاصة رئيسه في العمل، يحب أن يوجد بشكل دائم حتى لو لم يدعه أحد. مثل تلك الشخصيات أصبحت كثيرة الآن، وللأسف الشديد مثل تلك الشخصيات لديها القدرة على تحقيق الكثير والكثير من المكاسب والوصول إلى كل شيء بسهولة ويسر وبلا معاناة، فنجده في كل شيء وفي كل مكان وفي كل مناسبة. وعليه فإن صور الفساد نجدها تنتشر وتنتشر. هذه الظاهرة للأسف هي التي تؤدي إلى الانهيار.. انهيار كل شيء.. ويسود الكثير من الفساد بكل صوره، وتموت القيم الحقيقية والجادة.. الأمر الغريب أن القيادات تستلطف وتستظرف وتقرب تلك الشخصية المهبكاتية وعليه تجده ملتصقا بمن يجلس على الكرسي، حتى يفوز بالكثير من المصالح وتنفيذ كل مآربه بسهولة ويسر. ما المنطلق الذي يسير عليه هؤلاء؟ هو أننا هنا لفترة معينة وعليه ينبغي أن نحقق كذا وكذا، أما مصلحة العمل أو العمل وفق مبادئ وقيم، كل ذلك يذهب للجحيم، واللي يقدر يحقق أكبر المكاسب ليفعل. هذا هو المعيار الآن والسائد، لذلك يموت الأمل في الإصلاح.
عربي وغير عربي
لا يمكن أن نُسمى ما تقوم به الولايات المتحدة الأمريكية في مجلس الأمن، من استخدام حق “الفيتو”، بأنه سوى (العَمى الأمريكي في صناعة الكراهية) تجاه عربدة إسر ائيل وبدعم مفضوح من واشنطن، ضد الفلسطينيين والحقوق العربية. والموقف الأمريكي كما اطلع عليه محمود الحضري في “المشهد”، يؤكد دائما انحيازا مفضوحا للمحتل الصهيوني، على مدى تاريخ الصراع العربي مع المحتل الإسرائيلي، ولحمايتها لرعاية مصالحها في المنطقة، وهو ما يعترف به كل المسؤولين الأمريكيين، في تصريحاتهم ومواقفهم. ولا يمكن أن ننسى تصريحات الرئيس الأمريكي الحالي جو بايدن، ليس خلال معاركه الانتخابية، بل أيضا خلال لقاءاته مع ممثلي الصهيونية العالمية، بأن إسرائيل هي الذراع الأمريكي في الشرق الأوسط، وأنه صهيوني. وليس مستغربا أن تستخدم واشنطن حق “الفيتو” لإبطال أي قرار يخص المحتل الصهيوني، وأي مسؤول عربي وغير عربي كان يعتقد أن أمريكا ستمرر القرار الأخير يوم 9 ديسمبر/كانون الأول من مجلس الأمن لوقف الحرب الصهيونية الأمريكية على غزة، فإنهم يغالطون أنفسهم، ويعيشون في وهم. ولا شك أن هذا الموقف الأمريكي تستند إليه واشنطن لكونها تعرف جيدا أن الدول العربية، بل دول العالم، لا تملك من القدرات ما يمكن أن يُوقف آلة الحرب التي لا تنتهي، وتصر عليها واشنطن، لحماية ربيبتها، تلك الدولة المحتلة للأراضي العربية في فلسطين والجولان، وتنتهك حقوق وسيادة دول أخرى مثل سوريا ولبنان. ولو رجعنا إلى تاريخ أمريكا في استخدام حق الفيتو سنجد أنها استغلت هذا الحق، الذي يحتاج إلى إعادة نظر، فقد استخدمته لحماية المحتل الصهيوني 50 مرة من بين 79 مرة حتى الآن، وفي الحرب الحالية على غزة استخدمته أمريكا 5 مرات ضد كل مشروعات قرارات وقف الحرب، وإدانة الانتهاكات الصهيونية للقوانين الدولية، أخرها الفضيحة الدولية يوم 9 ديسمبر/كانون الأول 2023.
لأجل عيونها
كانت المرة الأولى لاستخدام أمريكا حق الفيتو قبيل حرب 6 أكتوبر/تشرين الأول 1973، عندما اعترضت على مشروع قرار تقدمت به الهند، وإندونيسيا، وبنما، وبيرو، والسودان، ويوغسلافيا، وغينيا، في 26 يوليو/تموز 1973، يؤكد حق الفلسطينيين ويطالب بالانسحاب من الأراضي العربية التي احتلتها، إلا أن مصر كما ذكرنا محمود الحضري وجهت لطمة لأمريكا وإسرائيل بنصر أكتوبر العظيم. وتوالى بعد ذلك الاستخدام الأمريكي القبيح لحق الفيتو لحماية ربيبتها دولة الاحتلال، ففي عام 1976 تم استخدام حق الفيتو الأمريكي 3 مرات، وفي 1980 مرة واحدة، وفي عام 1982 استخدمته 7 مرات وخمس مرات في 1988، وفي 1989 أربع مرات، وفي 1990 و1995 مرة واحدة، وعامي 1997 و2001 مرتين، ومرة واحدة في 2002، ومرتين في كل من 2003، و2004، وفي أعوام 2006، و2014، و2017 مرة واحدة، وهذا الأخير كان ضد مشروع قرار تقدمت به مصر في 18 ديسمبر/كانون الأول يرفض إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب القدس عاصمة لإسرائيل. ويبدو أن الفيتو تم خصيصا لحماية الصهيونية من جانب الولايات المتحدة، وهي لا تدرك أنها بأفعالها تخلق أعداء كل يوم، ليس لها فقط، بل لربيبتها دولة الاحتلال الصهيوني المكروهة شعبيا، بل رسميا من البعض. وحتما فقد زاد فقدان الولايات المتحدة الأمريكية لأي نوع من المصداقية عربيا وإقليميا وعالميا، وازدادت الكراهية الشعبية لكل ما هو أمريكي، ومن المؤكد أن أحدا لا يعنيه ما يقوله وزير الخارجية الأمريكي أنتوني بلينكن، “بأنه يحث إسرائيل على بذل مزيد من الجهد لحماية المدنيين الفلسطينيين في حربها مع حركة حماس”، في وقت تتوسع القوات المحتلة في شمال وجنوب قطاع غزة، بقتل الفلسطينيين، وتدمير كل حياة في القطاع، مع ارتكاب جرائم في الضفة الغربية. وسيظل لسان حال الجميع لا تصدقوا أمريكا، فشعارها الكذب والقتل والتدمير.
عقب المأساة
فى إجابة عن سؤال: ماذا بعد اليوم التالي لانتهاء الحرب؟ الذي اهتم بالبحث عن إجابة له عبد الله السناوي في “الشروق”: طرحت أفكارا للتداول بعضها تحليق في الأوهام مثل الخروج الآمن للمقاومة، على غرار ما حدث عام (1982) بعد احتلال بيروت وترحيل منظمة التحرير الفلسطينية إلى تونس. الوضع هذه المرة يختلف تماما، فالمقاومة تحارب على أرضها. حمل مشهد تعرية مدنيين لإذلالهم بزعم انتمائهم لـ«حماس» والتوسع في القتل العشوائى بدم بارد في الضفة الغربية رسالة عكسية عنوانها: القتال حتى آخر شهيد. بقوة الصور تبددت الفوارق شاسعة بين معاملة الأسرى الإسرائيليين والأسرى الفلسطينيين في السجون الإسرائيلية. كانت تلك هزيمة أخلاقية كاملة. بدا طرح سؤال اليوم التالى على قدر من التعجل: من يملأ فراغ الأمن والسياسة في غزة؟ أثبتت الحرب أن الأمر لن يكون يسيرا على النحو الذي جرى تصوره من قبل، فالمقاومة فكرة أصيلة وليست مقحمة على المجتمع الفلسطيني. لا إعادة احتلال غزة مقبولة أمريكيا وأوروبيا وعربيا، ولا إنشاء مناطق عازلة تلقى قبولا من الراعي الأمريكي، ولا استبعاد السلطة الفلسطينية واستبدال محمود عباس برجل آخر حسب مواصفات الاحتلال، يمكن أن يقبله الشعب الفلسطيني، رغم أي اعتراضات واسعة على أداء السلطة. أكدت التظاهرات، التي عمت العواصم والمدن الغربية الكبرى، وداخل الولايات المتحدة نفسها دعما وتأييدا للقضية الفلسطينية، التناقض الهائل بين مؤسسات دولها والرأي العام فيها. إنها إشارة تغيير تحت الجلد السياسي. بصياغة ثانية، إنها إشارة تصدع جديدة ومنذرة في النظام الدولي. تقوض ذلك النظام دون أن يستبين ما بعده. لا الصين بوارد ملء فراغ الدور القيادي، ولا تقدر بأي مدى منظور على تكاليفه وأثمانه. يكتفى الصينيون بأدوار المراقبة من بعيد والمواقف المتضامنة، دون التورط في الحربين الأوكرانية والفلسطينية. ولا روسيا مستعدة أن تفتح جبهة صراع جديدة، رغم أنها من أكثر المستفيدين استراتيجيا من تراجع الحرب الأوكرانية إعلاميا وسياسيا، بعد الحرب على غزة. إننا أمام تحلل كامل في بنية النظام الدولي يؤشر لفوضى واسعة مقبلة دون أن تتبدى أي إشارة على ميلاد جديد بأي مدى منظور.