بسام البدارينمصطفى عبد الجليل قائد ليبيا الجديد والمؤقت على الأرجح الذي فتحت له أبواب العواصم على مصراعيها تدرب فيما يبدو بكفاءة على التمختر فوق سجادة حمراء وفرها له القطريون في الإستقبال الرسمي الذي حظي به مؤخرا في الدوحة ودفعته الجزيرة ليكون من أخبارها الرئيسية على مدار يومين.
وعبد الجليل الرجل الناعم والضئيل الذي يرتدي غالبا (طاقية) لا أعرف مبررها وإن كانت تهدف لإنتاج المسحة الدينية المفترضة بوزير عدل سابق عاش في الظل والكواليس وأصبح فجأة الشخصية الأكثر أهمية في العالم.
وأغلب التقدير أن صاحبنا تدرب جيدا على بروتوكولات السجادة الحمراء والقصور والإستقبالات الرسمية قبل الوقوف على المحطة القطرية التي إهتمت بدورها بإضفاء شرعية الزعماء على الرجل رغم أنه لم ينتخب بعد رئيسا لليبيين… عموما هذا شأن داخلي ليبي والأخوة في قطر أحرار في إستخدام سجادتهم الحمراء وفرشها لمن أرادوا علما بأني بصراحة لا أعرف لماذا السجادة حمراء تحديدا؟.. ما هي مشكلة اللون الليلكي مثلا أو لون ال(بيتش)- يعني الشاطي- ما دام من الصعب إستقبال عبد الجليل على سجادة خضراء بكل الأحوال فلو كنت مكان ثوار ليبيا لألغيت اللون الأخضر بالمطلق ولو كنت عضوا في المجلس الإنتقالي أو ممثلا للقطاع الزراعي فيه لجهزت نفسي مبكرا لمعركة المستقبل بعنوان (شطب اللون الأخضر من حياة الليبيين) وذلك ينبغي أن يكون هدفا إستراتيجيا حتى لو تطلب الأمر تلوين وزركشة المنتجات الزراعية والفكرة سياحية أيضا فمنظر حبة خيار صفراء مثلا يخطف الألباب وكذلك عرق بقدونس كحلي مثلا أو ضمة نعنع باللون القرمزي أو سبانخ سوداء مثل الليل.
خضار بلا أخضر.. هذه مجرد أفكار نطرحها على القائد عبد الجليل الذي أحيط بألوان زاهية عندما إستقبل بتشريفات الملوك بالدوحة لكن الأهم انني لاحظت على أطراف شاشة فضائية قطر الحكومية أن الشيخ الجليل عبد الجليل ينزل بكل تواضع ليعانق مجموعة الأطفال التي خصصت لإستقباله وتكرار المشهد يدلنا على مسألة رصدتها شخصيا فالرجل ينحني بقامته ثم يمد زقمه (الكلمة الأخيرة في بلادي تعني مقدمة وجهه) إلى الطرف الغض في وجه الطفل لكنه لا يقبل- أقصد عبد الجليل- إنما يوحي بالتقبيل أمام الكاميرا فيما يتلقى من الأطفال قبلات متحمسة جدا وبريئة للغاية توحي بأنهم يعرفون بأن الرجل هو خليفة القذافي.
لي قريب في الواقع يثير جدلا في كل الأعراس والأعياد ومآتم العزاء لإنه يصر على التقبيل بالبوز فتفاجأ عندما تعانقه بانك لطعته على الخد (بوسه) متحمسة من العيار الثقيل فيما لم يقابلها الأخ بمثلها إطلاقا وكل ما يفعله انه يقدم لك (شلاطيفه) الضخمة لكي تنعم بتقبيلها فيشعرك بالندم لإنك تحس لحظتها بأنك قبلت للتو كمية لحوم على شكل شلاطيف فقط.
لكن بكل الأحوال لا تهمني كثيرا مواهب وعادات وطقوس زعيم ليبيا الجديدة وقائد ثورتها في البوس والتقبيل فصديقي الأديب والمبدع زهير أبو شايب يقسم البوسة الذكورية إلى صنفين لا ثالث لهما ألأول بوسة جدية وصادقة ومنفعلة تجعلك تندم لحظتها بأنك لم تر صاحبها ولم تعانقه منذ زمن بعيد وبوسة باردة جافة سريعة تجعلك تشعر بأنك قبلت للتو إبريقا مخصصا للوضوء.
ويكفي عبد الجليل أنه إنحنى لمستقبليه الأطفال في قطر وقدم لهم مقدمة فمه وأنفه مجانا أمام كاميرا الجزيرة الي يشاهدها 60 مليون بني آدم فسلفه معمر القذافي- لا أعاد ألله أيامه- كان سيكتفي بإشارات فارغة بالهواء من يديه للإطفال وفي أحسن الأحوال سيمر بيده الكريمة بسرعة على خصلات الشعر الأولى للأطفال بدون تلامس مرتديا القفازات إياها والسبب سيكون واضحا على الأرجح فمن الجائز أن خصمه الملك عبدلله بن عبد العزيز ضغط على أمير قطر وأقنعه بأن (يجرثم) مجموعة من الأطفال لإستقاله وإستهدافه في مؤامرة (خليجية) مشتركة على ملك ملوك إفريقيا لكن القادر عز وجل وفر الحماية لأطفال قطر ومنع عنهم شرف إستقبال القذافي وحظي الشيخ المنحني الجليل عبد الجليل بشرف مصافحة البراءة وإن كنت أفضل بأن يبوس الرجل الأطفال قليلا ولو من باب العلاقات العامة أمام الكاميرا بدلا من ألإكتفاء بأسلوب قريبي أبو الشلاطيف.
بين الذنب والغفرانلا زالت فضائية اليمن الحكومية قادرة على ممارسة نفس الطقس القديم فقد ظهر عليها الرئيس اليمني (شبه المخلوع) علي عبدالله صالح وهو يستقبل وفدا يمثل الجالية اليمنية في السعودية وجلس الرجل امام ضيوفه في صالون عريض كالملك والزعيم وميز نفسه كالعادة بكرسي من الطراز الذي يغرق فيه أي شخص ضئيل الحجم ثم خطب في القوم.
قال الرئيس الخطيب كلاما كثيرا لكن إستوقفتني عباراته التي خص فيها قريبه الجنرال علي محسن الأحمر أبرز المنشقين عن نظامه فالأخير حسب الرئيس المحروق يمثل هؤلاء الذين ملأوا بطونهم بالحرام والفساد من تجار الأراضي والفساد.
وفجأة ينتقل الرئيس إلى العقدة الدرامية في المسلسل على طريقة الراحل الفنان كرم مطاوع عندما خاطب زوجته في المسلسل قائلا (هاله.. هاله.. إسمعيني كويس في هنا حاقة إسمها عئل) وهنا قال الرئيس صالح: هؤلاء- يقصد الجنرال المنشق-: كانوا عبئا على النظام أصلا.
الفكرة بإختصار أن الجنرال المنشق الذي خدم النظام لثلاثة عقود وكان من عظام رقبته لم يصبح فاسدا ولصا إلا بعدما إنضم للحراك الشبابي.. قبل ذلك كان الرجل نزيها وشريفا وعفيفا وطوال الثلاثين عاما التي خدمها مع الرئيس صالح لم يشعر الأخير إطلاقا بأن الجنرال كان عبئا عليه أو على نظامه الذي إمتنع لثلاثة عقود عن كشف لصوصية وفساد الجنرال… تعليقي سريع ومختصر مع الإعتذار مسبقا من صاحبه الأستاذ الكبير خيري منصور: أي غفران برتجى بعد كل هذا العهر؟… لماذا يفترض زعماءنا أننا سذج إلى هذه الدرجة؟ عزمي بشارة والجزيرةلا يريد المحلل البارع الدكتورعزمي بشارة الإنشغال بما ينشغل به الصحافيون بالعادة وهو إحصاء القتلى والجرحى بل يركز الرجل كما ظهرعلى شاشة الجزيرة على وجوب وجود (قيادة سياسية) للإنتفاضة الشعبية في سوريا حتى تتأطر مطالب الثورة سياسيا ويجد العالم بما في ذلك النظام السوري نفسه جهة تمثل الشعب للتحدث إليها.
وملاحظة بشارة الأساسية على الحراك السوري أن نظيره المصري شكل إئتلافا من الشباب بدأ بحوار الحكم ومؤسساته وكذلك ساهمت المؤسسة المدنية في تونس بأمر مماثل.. لذلك في البلدين كان هناك مؤسسة قيادة يتحدث معها الناس لكن في سوريا يبدو الدكتور بشاره حزينا لإن ذلك لم يحصل.
وأشعر كمشاهد تلفزيوني بأن تحليل الدكتور بشاره منقوص بعض الشيء ففي سوريا يختلف المشهد تماما لأن الجمهور السوري خرج بداية ناشدا الإصلاح فواجهه النظام بالقوة القصوى فزاد الدم من غضب المواطن السوري وبدأ يطالب بإسقاط النظام ووصل الجميع إلى نقطة اللاعودة فالنظام علق في ساعة الذئب على حد تعبير صديقنا المبدع صبحي حديدي والشعب المنتفض علق في ساعة الكفن… قصدي ان من يشاهد الأشرطة التي تبثها بي بي سي والعربية ويسرقها نشطاء الإنتفاضة بوسائل بدائية يفهم بأن الشعب السوري محاصر تماما ويواجه دبابات وماكينة قتل تسعى لحسم المعركة بالدم وليس بالحوار فحتى لو شكلت مجموعة للقيادة السياسية ستحاور من في نظام الرئيس الشاب طبيب العيون بشار الأسد؟… وهل لدى العزيز عزمي بشارة ضمانات أصلا بأن ما يتوصل إليه ممثلو الشعب والمحافظات مثلا ملزم لفضائية آل مخلوف أو للفرقة الرابعة الموالية لماهر الأسد أو حتى للشبيحة؟
الأشقاء السوريون وغيرهم من خبراء المشهد يقولون لنا يوميا بأن بشار لم يعد يحكم بل يترأس.. إذا إقترح (شقلبة) إقتراحات الدكتور بشاره بحيث نطالب نحن كعرب والأشقاء الذين يدفعون دما ويتعرضون للقتل الدولة السورية بتحديد جهة سياسية تمثلها ويكون الكلام معها ملزما للنظام وما أفهمه بسذاجتي.. في سوريا اليوم عدة انظمة وأجهزة وليس نظاما واحدا فعلى حد تعبير غوار الطوشة (هالحليب ما فيو حليب). مسألة أخرى تثيرها إقتراحات عزمي بشارة وأسأله بضميره المهني الخبير بالنظام السوري أصلا بحكم صداقة قديمة وتاريخية بينهما: هل يستطيع هو فتح حوار مع المؤسسة الإسرائيلية التي أبعدته وإستهدفته الأن رغم أن إسرائيل لم تقتلع بلعومه ولم تمزق يديه وخاضت معه بشراسة حرباً سياسية وقانونية؟
وسؤالي بسيط ومغرق في السذاجة: كيف يمكن التحاور سياسيا مع نظام يقتلع بلعوم مطرب شعبي جريمته انه إبتكر هتافات تبناها الناس في الشارع؟ ومن اجل من وماذا يشكل الشعب السوري جهة سياسية تتحدث بإسمه مع نظام سمح لشبيحته بتحطيم يدي رسام كاريكاتير؟.. نشاهد يوميا اخوتنا في سوريا على الفضائيات وهم يتجمعون بالآلاف بطريقة جنائزية وسط العتمة والأزقة ثم يطلقون الهتاف الذي يدمي قلوبنا ويكشف زيف ووضاعة نظامنا الرسمي العربي: (.. عالجنة رايحين.. شهداء بالملايين) ثم يصيحون بصوت جماعي (.. الموت ولا المذلة) أو يصرخون (يا حماة.. حنا معاك عالموت). بإختصار شعبنا السوري إرتدى الكفن ووضع روحه على راحته وزحف الناس بالشوارع أمام كاميرات الخلويات بهذه الروح الجنائزية يدل على ذلك.. بالمقابل أشك في أن النظام السوري- إذا بقي نظاما واحدا أصلا- قادر فعلا على مغادرة ساعة الذئب المولغ بالدم إياها فعن أي سياسة وحوار يتحدث صديقنا وصديق دمشق الرسمية الدكتور عزمي.
نكتة نهاية المشواروعلى ذكر إحصاء الضحايا وواجبات الاعلام نستذكر معا هذه الطرفة: عند أحداث دوار الداخلية في قلب العاصمة الأردنية عمان زار زميلنا الصحفي الأردني المخضرم محمد الخطايبة مقر مؤسسة إعلامية حكومية بالقرب من عين الحدث وشاهد بعينه احد الصحفيين يعتلي مقر المؤسسة ويشارك البلطجية في قذف الحجارة على المحتجين المطالبين بالإصلاح.
أمسك الخطايبة بكتف الزميل رامي الحجارة وقال له بالحرف: يا إبني ما أعرفه بأن واجب الصحفي الإنشغال بتعداد القتلى والجرحى وليس مراجدة الحجارة ورشق الضحايا.
مدير مكتب ‘القدس العربي’ في عمّان