شعب اسرائيل وقيادته لم يتعلما من أخطائهما الماضية

حجم الخط
0

كما تشير أوهام اوسلو والانسحاب من لبنان والجدار والحرب الأخيرة

حرب الاستقلال أُعطيت اسما، وكان لها هدف، والهدف كان متطابقا مع الاسم. أما حرب سيناء في الخمسينيات وحرب سلامة الجليل فقد كانت لهما أهداف ـ جيدة أم سيئة ـ استراتيجية محددة سلفا. أما حرب حزيران (يونيو) الحافلة بالانجازات أكثر من باقي الحروب التي خاضتها اسرائيل، فلم يطلق عليها اسم رسمي ولو بعد حين. رغم أن التحضير لها استغرق مدة طويلة، وكان من الممكن خلالها تحديد الأهداف (كما اقترح ايغال ألون مثلا)، إلا أن الحكومة لم تحدد هدفا واسما مشتقا منه. احدي النتائج المترتبة علي ذلك كانت: استمرار الجدل حتي يومنا هذا ـ المتسبب في الانقسام والتفسخات ـ حول أهداف تلك الحرب. حرب الغفران حظيت باسم رمزي وليس كاشتقاق من أهدافها. صحيح أن اسرائيل قد بوغتت فيها بصورة كبيرة، وأن كل الطاقات القيادية والمدنية والعسكرية قد وجهت لمهمة الانقاذ في البداية، بكل معني الكلمة، ولكن بعد اسبوعين من القتال عندما وقف العدو مهزوما وعاجزا عن القدرة والرغبة في القتال ومفتقدا لاغلبية اسلحته، كان بامكاننا (لو حددنا لانفسنا أهدافا وطنية واضحة من دون أن نضطر لتحديدها خلال اندلاع حرب وجودية) إملاء اتفاقات كانت ستضمن في اطار الظروف الاسرائيلية أمننا الوطني لسنوات طويلة.

إلا أن اسرائيل لم تكن تملك ما تفرضه من غايات سياسية وطنية سوي البقاء ودحر العدو كهدف قانوي. الحالة المزاجية الاكتئابية والانتقامية عند الجمهور وليس التفكير الاستراتيجي بعيد المدي، هي التي أملت علي الحكومة خطواتها بعد الحرب. اسرائيل كما تبين منذئذ تحفل بالشعارات، إلا أنها تفتقر للأهداف المحددة بالنسبة لهويتها وحدودها.

الجيش الاسرائيلي في المقابل حاول ايجاد اسم لحرب الارهاب التي اندلعت بعد اوسلو مع فتح بوابات البلاد لياسر عرفات وعشرات آلاف المخربين المسلحين، ولكن لم يكن من الغريب أن يتبني الجمهور ـ مع كل ما يترتب علي ذلك ـ الاسم الذي أطلقه العدو علي هذه الحرب: الانتفاضة. وهذا أحد الاسباب فقط من وراء عدم التغلب علي الارهاب رغم أن اسرائيل كانت قريبة من ذلك. فك الارتباط أنقذ حماس من الهزيمة العسكرية، مثلما تسببت اتفاقية اوسلو بانقاذ عرفات وفتح.

حرب لبنان الأخيرة ايضا، التي حددت لها أهداف بما في ذلك اطلاق سراح الجنود المخطوفين، لا تملك اسما. هذا الأمر يثير التساؤل ذلك لأن رئيس الوزراء محاط بعدد غير قليل من أصحاب الصرعات والمناورات الكلامية. أولم يستطع من ابتدع فك الارتباط ومن بعده خطة الانطواء اعطاء شيء خلاق؟. غياب الاسم ليس صدفة. بدلا من الالتصاق بالهدف الحقيقي بعيد المدي مع التمسك بالهدف علي الصعيد العسكري، تغيرت الأهداف وتبدلت في كل يوم وفقا لمجريات الحرب. وهكذا ايضا ولد الهدف الذي أعلن عنه ايهود اولمرت عندما كان ما زال يعتقد بأن اسرائيل تواصل التقدم نحو الانتصار، دفع خطة الانطواء الي الأمام.

منذ حرب حزيران (يونيو) لم تعد اسرائيل تسعي الي تحقيق أهداف وطنية عليا لانها ببساطة لم تتفرغ لتحديد هذه الأهداف لنفسها. لا غرابة اذن أن الجميع يناشدون اولمرت تبني أجندة جديدة بعد تجميده لخطة الانطواء، لأن أحدا لا يفكر حتي بمطالبته بالسير نحو الهدف الاستراتيجي. وعندما تغيب الرؤية ويصبح كل شيء حافلا بالمناورات والبالونات والصرعات الاعلامية الهادفة للحفاظ علي البقاء السياسي، تكون النتائج التي حصلنا عليها في لبنان طبيعية.

لقد أقسمنا ونذرنا النذور في السابق بأن لا يتكرر الوضع الذي فوجئنا به في حرب يوم الغفران، ولكننا تنكرنا لنذورنا في مواجهة الفلسطينيين وحزب الله، ومناسبة نزول التوراة كانت مناسبة وهمية، في كل مرة نفاجأ من جديد، والمفاجأة تأتي منا في الواقع. في السنة الأخيرة ايضا ورغم أن كل الأجراس قد قرعت وكل الاضواء الحمراء قد أُشعلت، إلا أننا لم نرد علي تحرشات حسن نصر الله، ومنحنا حماس فك الارتباط، الأمر الذي أوصلها الي سدة الحكم بعد ذلك، وكثف عمليات القصف علي تجمعات النقب وأدي الي اختطاف جلعاد شليط.

صلاة كل نذوري تقوم من حيث الجوهر علي الندم من عدم الوفاء بالنذور، وعدم الاقدام علي المحظورات. ومنذئذ لم نتعلم شيئا ولم ننس شيئا كما تشير أوهام اوسلو والفرار من لبنان والجدار وفك الارتباط. لهذه الأمور كلها يتوجب علينا أن نلطم صدورنا في يوم الغفران، وأن نعبر عن الندم من الاستخفاف والوقاحة والتوبة الكاذبة، وأن نبتهل الي الله قائلين: غفرانك يا رب وعفوك، فلتكفر عنا ذنوبنا وخطايانا.

يسرائيل هرئيلكاتب في الصحيفة(هآرتس) 28/9/2006

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية