شعراء الأنابيب

حجم الخط
0

شعراء الأنابيب

خيري منصورشعراء الأنابيبكما ان في الحياة العضوية امراضا وبائية تتطلب تكرار المضاد الحيوي لعدة مرات، فإن للثقافة أمراضها الوبائية أيضا التي لا تصلح معها الكمادات المبللة بالحبر البارد، أو الجرعات التخديرية المؤقتة، ولا يبرر تكرار معالجة ما غير تكرار الداء ذاته، وما قيل حتي الآن عن الفساد الثقافي وهو التجسيد المباشر لفساد الضمير، لا يزال تحليقا علي ارتفاعات شاهقة، بحيث تبدو المزبلة أشبه بكومة ورد يابس، وهذا هو بالضبط سبب الالتباس والمجال الحيوي لتنامي أوهام الشعر ونقده في ثقافة ملدوغة بشهوة مضادة للإبداع ، هي شهوة الغنيمة، حتي لو كانت ذبابة كتلك التي تنهد عليها الغراب الصائم لحظة الغروب بعد أن انتظر عبثا وليمة أدسم.ان معادلة يفتشينكو الشهيرة عن كون الشاعر حاصل جمع نصوصه وما يفيض عنها من الرؤي لم تعد قائمة وما من أحد يحتكم اليها، إذ علي من تورط بالشعر او ورّط الشعر به ان يتحول الي موظّف نموذجي لعلاقات عامة تخصه وحده، وأن يقضي ثلاثة أرباع الوقت امام الكمبيوتر يبحث عن عناوين وأطراف مماثلة يعقد معها المقايضات، علي طريقة الحك المتبادل، الذي قال عنه عالم الاحياء أردري انه ثقافة الفئران بامتياز، لأنها تصاب بحكة في فروة الرأس، ولا تستطيع ان تصل اليها الا بأصابع الآخرين وأظافرهم!في عقدي الخمسينات والستينات من القرن الماضي، وهو أقسي القرون وأقصرها كما يقول مؤرخوه سادة الايديولوجيا، وفاضت عن حدود الافكار كي تتمدد وتستوطن الوجدان، فكان لكل ايديولوجيا مختبراتها وأنابيبها المخصصة لاستيلاد شعراء وروائيين ونقاد، يتناغمون تماما مع المنتج الثقافي الذي يولد مكتمل الاعضاء، وبلحية وشاربين لكنه ميّت او في طور الاحتضار!في تلك المرحلة أطبقت الواقعية علي الفنون، ونبذت الخيال ونتفت ريش النوارس لأن المحيط أوغل في الجزر حتي اوشك ان يتحول الي يابسة، وفي بعض البلدان ذات الرقابة الجدانوفية أصبح الخلق والابتكار عقوقا للوالدين… وهما الدولة والحزب، او الزعيم ووزير اعلامه الذي تنتفخ أوداجه من فرط العزف علي المزمار، وكأن علي الثقافة المثقلة بهذه الحمولة الايديولوجية أن تتوقف أعواما لإحصاء الخسائر، واعادة الاعتبار الي من سلب منهم الاعتبار وسحب الاعتبار ممن هبطوا الي العالم السفلي والقبور الرخامية كالطواويس بكامل ريشهم وكامل هشاشتهم أيضا، واذا عدنا اليوم الي فهارس المجلات الاكثر رواجا في تلك الفترة، فإن اول ما يصدمنا هو انطفاء كواكب ورقية، لم يدم وميضها اكثر من أيام عمرها، أو ربيع النظام الذي كانت تبرطع في ملكوته، بينما نجد كواكب أخري تلاشت أجسادها وتحوّلت الي رميم لكن اشعاعها لا يزال يضيء ليلا عجزت عن اضاءته الكهرباء، لأنه ليس ليلا فقط، بل هو نهار مقلوب علي بطانته السوداء، وقد تلوح البومة الهيغلية في ظهيرته وليس في غسقه، فهل أصبح قدر ثقافتنا في هذا العصر ان تنتظر الغربال او المصفاة كل عقدين او ثلاثة كي تفرز القمح عن الزؤان، والورم عن الشّحم؟ لقد قطع الشعر العربي قرونا أشبه بالمستنقعات وهو رهينة التكسب، والبحث عمّا يتخطاه، حتي المتنبي الشاعر الأبرز في الديوان أعلن عن خجله من الانتساب الي عائلة الشعراء، فقال ان لسانه فقط منها…. أما فؤاده فهو ملكي بامتياز!وظلّت المراوحة التكسبية لأبي الطيب بين كافور وسواده وسيف الدولة وبياضه هي التجسيد التعبيري لثنائية الهجاء والمديح، وهما المصطلحان اللذان ترجم بهما الاسلاف التراجيديا والكوميديا، لأن الثقافات تعيد انتاج ما تتلقاه وفقا لصورتها، لهذا لم يكن غريبا ان تتحول اشعار لوركا وغوته الي قصائد مضافة الي الفرزدق والبارودي بفضل النُّظُم واعادة النسج علي غرار النموذج وبمنواله!ہہہاذا كانت اول نظرية سياسية أو ماغناكارتا عربية قد ولدت علي عتبة سقيفة بن ساعدة فإن اول نظرية نقدية ولدت بين أثافي خيمة الملك الضلّيل امريء القيس، وعندما فاضلت زوجته أم جندب بين قصيدته وقصيدة علقمة الفحل في وصف الفرس، ودفعت أم جندب علي الفور ثمن نزاهتها النقدية لأنها فضّلت قصيدة علقمة علي قصيدة الزوج، وكان هذا الثمن هو الطلاق، أو بمعني أدق الفراق، لأن البائن بينونة كبري او صغري لم يكن قد دخل الي قاموس الأحوال المدنية في تاريخنا!تجليات هذه الامثولة التي ذهبت أم جندب ضحيّتها لا آخر لها، فالحزب يطلّق، ووزارات الثقافة تعلن الفراق، والجنرالات يهجرون والدّول تغضب، اذا كانت المفاضلة لصالح الغريم، فمنطق قبيلة غزية وشاعرها الذي لم يكن الا الظل والصدي للقبيلة، يغزو اذا غزت… ويعفّ اذا عفّت لا يزال ماثلا، وقد تضاعف مضمونه رغم المزاعم الشكلية ومساحيق الحداثة التي لا تصمد أمام ظفر طفل او عصفور!ويخطيء من يظن ان شعراء النقائض او الثالوث الأموي هم مجرد مرحلة في تاريخنا الأدبي، انهم مبثوثون في كل الازمنة بأسماء مستعارة واحيانا بقبّعات أو طرابيش او عمائم!ما دام الحراك كله مرتهنا لشرعية السلطة والجدارة بالحكم، وما يقدمه شعراء الحداثة الاشبه بقناع في حفلة تنكرية لشعراء النقائض في العديد من المناسبات يصلح عيّنات نموذجية، يمكن الاستدلال من خلال فحصها علي منسوب الانيميا الثقافية والايدز الشعري في الدورة الدموية كلّها، شعراء يكتبون نثرا مرصّعا باسماء أمراء الحداثة منذ بودلير حتي سان جون بيرس واليوت يقفزون برشاقة وخفة لا تحتمل الي الخيمة، ويوتدون حداثتهم هناك، وبسرعة البرق تتحول ناطحة السحاب الي كثيّب رملي، والحبيبة ذات البنطال الضيّق الي خولة او فاطمة أو ليلي…. وقرائن غيابها روث الآرام ورماد المواقد، لكأن الطلل داخلنا وليس في الخارج، وما سخر منه ابو نواس عند واحدة من انعطافات الحداثة الشعرية المبكرة… أعاد له الاحفاد العاقون الاعتبار، فالحزب ممدوح آخر، والدولة خليفة وكيس الدراهم شيكات مصرفية أو هبات من طراز يليق بالحداثة… حيث حلّت السيارة الفارهة مكان البعير.. وأصبح ابناء عبد المدان أطول قامة من النخيل … فقد زوّج أعرابي بناته العوانس بفضل قصيدة لمتكسّب محترف، قال عنه:يداك يدا صدق فكف مبيدة وكف اذا ما ضنّ بالمال تنفقان ميراث شعرية ارتهنت للأحوال المدنية في زمن غير مدني، وحوّلت النص الي مطية لبلوغ ما هو أبعد منه، لم يغرب تماما، وفي بواكير هذه الالفية الثالثة لا تزال اصداء الألفية الأولي أعلي صوتا من أي عزف… ليس فقط لأن الطبع غلب التطبّع، بل لأن نمط الانتاج القائم علي الغزو المتبادل وجد من يعيد انتاجه علي نحو آخر، وقد تكون الطبعة الأخيرة من أيام العرب أقل تنقيحا من سابقتها، لأن الجاهلي كما قال عنه انطون مقدسي كانت قامته كعربي تعادل قامته كإنسان، اما الآن، فهو يحاول الاستطالة كي يرمم الفجوة! حتي لو اضطر الي اضافة ساقين من الخشب.ہہہليس غريبا في زمن الخيمياء التكنولوجية وثقافة الاستنساخ، وتحقيق نبوءة أم هنري ميلر حيث تستحضر الفاصولياء من الحصي، أن ينال الفنون ومنها الشعر نصيب من هذا الاستيلاد بالانابيب، ما دام هناك من السّحرة والحواة من يستطيعون اقناع كاليغولا بأن القمر قد خلق من أجل عروة معطفه، وقد اضاف علم اقتصاديات المعرفة بعدا جديدا، لما كان من قبل مجرد ثالوث يتشكل من ناشر وكتاب ومستهلك، والاخصائيون في فقه التسويق وتسليع الثقافة يستثمرون التخلف كمادة خام، ويستخرجونه من مناجمه كالذهب والماس، لأنه القماشة التي تتكون منها بضاعتهم، فقد يحوّلون الأردأ بمقياس ابداعي الي الاكثر مبيعا، من خلال الابتزاز الغرائزي والعزف علي اكثر الاوتار حساسية لدي الانسان العادي، الذي حوّلوه الي كائن احادي البعد، وهذا المصطلح الذي ينسب منذ أربعة عقود الي هربرت ماكيوز، وثيق الصلة بالفنون، لأنها البعد المحذوف من ثقافة التلفزة، والاقتصار علي التعامل مع المرئي، الانسان احادي البعد، جري تجويفه تماما، بحيث لامس جلد بطنه جلد الظهر، وأصبح قادرا علي الحياة بالخبز وحده… بل بالعلف وحده، لأن عبقرية التجويف وتحويل الآدمي الي مجرد شيء اعادت الانسان الي قرد في فترة قياسية، وأضافت الي التخلف بمعناه الكلاسيكي بعداً حداثويا تماما كما أضافت الي الفقر تعريفا جديدا حوّله الي ادقاع!ہہہان اطنان الورق التي تصدر صباح مساء علي امتداد العالم العربي ، والفضائيات والأرضيات الأشبه بالاسفنج ذي الافواه الفاغرة بحاجة الي مادة مكتوبة او منطوقة، وهذا بحد ذاته ضاعف من تدني المعيار، وخلق تسامحا يصل الي حد التفريط بالاساسيات، وكأن التعويم بمعناه الاقتصادي المقترن بالتضخم فاض عن العملة والسلعة وتمدد نحو الثقافة، ولأن النقد ليس معافي بل هو الآخر مصاب بفقر الدم والرؤي وانعدام المغامرة، فإن هذا الركام من المنشور لم يجد من يفرزه بعد، ولو كان قدامة بن جعفر حياً بيننا لما ندم علي مقولته الشهيرة حول الزنابيل المليئة بالمخطوطات والتي قد لا يصمد منها أقل القليل أمام النظرة الفاحصة الحصيفة!وما يبدو حرية، او ترجمة لشعار دع ألف زهرة تتفتح، هو في حقيقته فوضي تنعم بالاهمال والهجران، وعلي الهوامش المتروكة تتناسل كائنات تتوهم بأنها ضرورية لمجرّد كونها علي قيد الحياة والاحياء!ان رهان الإبداع هو البعد المحذوف من التراجيديا التاريخية، فمن صدق ما قرأ وما حلم به ذات يوم… قد يجد نفسه عاريا تحت سماء عاصفة، او سائرا بمفرده في طريق وصفه ازرا باوند بقوله : انها الوحشة الكاملة، حيث ينعدم الزاد والرفيق ويغيب حتي الظل!والعصر الذي شهد ولادة دول بالانابيب وثقافات معلّبة في مختبرات التعقيم، قد ينتهي بنا الي عدمية طالما حذرنا منها أسلاف كتبوا عن المستقبل كما لو أنهم عائدون منه ويتذكرونه!وأحيانا، نصاب بالذهول ونحن نقرأ احصاءات الناشرين والنقابات عن عدد الشعراء والكتّاب في عالمنا العربي، ففي هذه الجغرافيا المقهورة، والمنزوعة العصب، لكل عشرين ألف مريض طبيب واحد وبضعة أسرّة، لكن لكل مئة مواطن شاعر وروائيان وثلاثة قصاصين وعشرون صحافيا… فالاستيلاد الصناعي والتلقيح الصناعي في ذروتهما الآن، وعلي كل افراز عضوي أصيل ان يعتذر كما ان علي الوردة الحقيقية ان تعتذر لبديلها البلاستيكي، لأنها تذبل وتموت، اما البديل الصناعي فهو معصوم من هذا المصير!0

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية