شعراء عراقيون يسيرون بالقصيدة نحو تمثلات بيئتهم وحروبهم الخاصة

حجم الخط
0

بغداد – «القدس العربي»: في ظل الأوضاع التي يعيشها العربي عموماً، والعراقي على وجه الخصوص، ثمة تحولات في البنية الاجتماعية والسياسية فضلاً عن الثقافية. خرج من هذه التحولات أجيال عدةَّ، ابتداءً من جيل الأربعينيات برز فيه السياب ونازك الملائكة وعلي أحمد باكثير، ومن ثمَّ أدونيس وسعدي يوسف وبلند الحيدري ومحمد الماغوط وأنسي الحاج وغيرهم الكثير ليقدموا نموذجاً مختلفاً أخرج الشعر العربي من بنيته الكلاسيكية ومن رقاب القصيدة العمودية، ليأتي بعد ذلك الستينيون لؤسسوا لنماذج مختلفة من الشعر، مستندين على ما أنتجته الأجيال السابقة، ومن ثمَّ السبعينيون والثمانينيون والتسعينيون.
هذه التحولات لم تغلق الباب، بل بقي مفتوحاً لتوشر لظهور جيل ما بعد الحرب في العراق، ومن أهم شعرائه صفاء خلف وعمر الجفال وميثم الحربي وعلي محمود خضير وغيرهم، إلا أن هذا الجيل ما زال في طور الاشتغال وتقديم كل ما هو جديد، حتى ظهرت مجموعة شعراء في مدينة الحلة العراقية (100 كم جنوب غرب بغداد) حاولوا أن يؤسسوا لمفاهيم جديدة في الشعر، مستندين إلى عدة أسس، منها لغة الشارع العراقي التي تغيرت، فضلاً عن العبث الذي شاع في المجتمع والتحولات التي طرأت على الأجيال الجديدة من المراهقين والشباب الذين تغيرت لغتهم ونظرتهم للواقع.
في تحقيقنا هذا نحاول الوقوف على التحولات التي يسعى الشباب لتقديمها في حياتهم وفي شعرهم الذي يسمونه شعر الواقع:

اللغة الشعرية
يحاول هؤلاء الشعراء بالاشتغال على لغة شعرية تقترب أو تبتعد من اللغة اليومية التي يستخدمها الناس في الشارع، أو لغة المراهقين التي بدأت تتحول إلى لغة اجتماعية جديدة.
المفردات الشعبية كانت حاضرة في نصوص هؤلاء الشعراء، فضلاً عما يسميه الناس بالكلمات النابية أو القبيحة التي لا تستخدم إلا للشتيمة أو وقت ممارسة العادات السرية والجنس، مثلاً نقرأ في قصيدة للشاعر أحمد ضياء تاج الدين:
قلبكَ أسودُ من نافذةِ الليل
وأوسعُ ضياءً من الشمسِ
لذا لا تدعه يصلي فوق كأسي
خوفا من وجعٍ
يمقتُ أسنانَ جدار الوحدة
لِحدٌ وبصيصُ أملٍ
يقبعُ من ناي العازف
يحلجون به عانات الحيض
عاد الهواء من جديد يصهلُ نهداكِ
نهداكِ قارورة خمرٍ
تبلُ شفاه الغرقى
ياخةٌ، كاونتراتٌ، حصيرةٌ، حدبةٌ، طيةُ كتابٍ، موخرةٌ، مطبخٌ، جواربٌ
كلها تقعُ في الجزء الذي
لا يتجزأ من جسدي
ويرى تاج الدين أنها لغة إسقاطية تحاول النيل من كل الأنساق وما آلت إليه من أشياء تراكمية عبر بوابات سابقة من الزمن، ونحن بهذه اللغة إنما نحاول إفهام الآخرين بالواقع المزري الذي يعيشون به والذين هم متناسون له ومنشغلون باللغة المتحفية غير آبهين بكل خروقات العصر. مضيفاً أن العطب الذي مس اللغة والمجتمع من شأنه أن يغير في البنية الرئيسة للشعر ويولد لدى الشاعر حافز آخر غير المعتاد عليه، وبالتالي يبرهن على أن هذه المكنونات التي تدور في خلجاته ضمن إطار التكوينات التي تحيط بجو الفرد العام. ما نمتلكه اليوم من لغة إشهارية هي إحدى العتبات التي تصدم القارئ وكذلك توفر له الكثير من الخروقات التي لم يعتد عليها كون أنه ظل يسمع أو يقرأ شعراً لم يعتمد على المكاشفة والإفصاح. «إن مسالة الرفض القائمة والتي تدل على الحالة التي يمر بها الفرد من حالات انهزامية جراء ما يحدث على أرض الواقع تتيح له أن يبدع في هذا المجال، وأنا أرى في هذه اللغة الحالة المعبرة لإنسان هذا اليوم كون أنه لا يستطيع التواصل بأي شيء آخر، فتحول المجتمع في كل طوائفه إلى مجتمع قابل لامتصاص السياسة والثقافة وكافة الأشياء الأخرى، إلا أنه تناسى مسألة مهمة جدا ألا وهي اللغة الجديدة غير آبهٍ بها، لا بل يحاول الانقضاض عليها كما لو أنها ند أو فريسة».. ويسرد تاج الدين مثالاً لما تعرضوا له بسبب استخدامهم لهذه اللغة، «وخير مثال على ذلك ما تعرضنا إلية في اتحاد أدباء بابل من قبل رئيس الاتحاد الذي قام بطردنا وشتمنا بأشياء كثيرة مطلقاً على شعريتنا أنها تقرأ في المقاهي الساقطة.. للأسف الجميع من القدماء غير منفتحين يحاولون طمس هويتنا الشعرية الجديدة، إلا أنهم لن يستطيعوا أن ينفذوا ما يرمون إليه».
ويشير الشاعر الشاب عباس حسين إلى أن لكل نص لغة خاصة، ومن ثمَّ فـ»نحن نعمل على لغة الأشياء التي يحويها النص ذاته، نحن نعلم بأن اللغة جامدة، وهنا يأتي عمل الشاعر في التحول من الجمود إلى التشظي، فالكلمات تابعه للصورة الشعرية، وهي داخلة في اللغة في نفس الوقت». مضيفاً أن العلاقة الجدلية التي يحويها النص، والمتأتية من البناء السطحي لأركان الشعر الثلاثة المتمثلة بالتجربة واللغة والخيال، كفيلة بتحديد نوعية اللغه المطلوبة. و»النص حالياً غير محدد بلغة معينة، لذلك لا أستطيع؛ من وجهة نظري، أن أحدد لغة معينة يمكن أن تصمد تجاه تطلعات وانطلاقات النص، ولكن يمكن أن أقول إننا نعبّر عن عولمة اللغة الشعرية، لغة الفيس بوك والجثث المحنطة في المزابل».
لم يخرج الشاعر علي تاج الدين من هذه الدائرة، فحاول في نصوصه أن يلعب بلغته التي تربى عليها، والتي أسهمت الحروب في تشكلها على مدى عشرات السنين، فيقول في نصٍّ له:
«قوطيّةٌ تلعبُ الجوبي في ديسكو مزبلةِ الحضاراتِ وعمّالُ النظافةِ يتفرّجون بمؤخراتَهم على قبحِ مسبحَتِها وهي تفرّها في سماءِ العقمِ البلّوريِّ فتديرَ الكواكبَ حولَ محبسٍ لا يملكُ من الجاذبيّةِ سوى حكمةِ الله حينَ تقبّله فرداتٌ يئسَ الموتُ من أخلاقِها التي عبرتِ القارات كحوتٍ يقفزُ من الجحيمِ ليلتهمَ الفينيقَ الذي لن يلبسَ الظهورَ أبدا حيثُ الترابُ يتنادمُ مع الهياكلِ العظميّةِ ويطرقونَ كؤوسَ الضحكِ على الرجْلينِ اللتينِ نراهما مرتفعتانِ دائماً لتدعوَ الخرابَ الذي ينكحُ مابينَ الجبلينِ بكفاءةٍ نعّوميّةٍ طولُها سبعةٌ وسبعونَ ذقناً».
لهذا يقول إن اللغة التي حاول الاشتغال عليها أبسط ما نقول عنها أنها لغة واقعية أو واقعية رثّة بالضد من اللغة الشعرية المتعارف عليها، وهي اللغة الكلاسيكية والرومانسية، إذ تكون الألفاظ (القمر، الوردة، الماء، الحب، الجسد، ….ألخ) هذه هي الألفاظ المركزية في لغتنا الآن، هي لغة المهمل واليومي والهامش، لغة القاع التي طالما ترفّع عنها الشعر وعدَّها مسخاً يجب أن لا يقترب منه كي لا تقل الشعرية، و»الحقيقة أنَّ الشعرية سواء كانت (ياكوبسونية، أو تودوروفية) لا تتأثر في جوهرها بالألفاظ بقدر كيفية استعمال هذه الألفاظ واختيارها بواسطة (محور الاختيار) وإسقاطها في الجملة بواسطة (محور التوزيع)، وهنا تظهر الطاقة الفردية عند الشاعر في كيفية تطويع أي لفظة لتحقق الشعر».
إلا أن اللغة التي يحاول الشاعر عباس المعموري الاشتغال عليها لغة غير مستهلكة شعرياً؛ حسب ما يرى، «قد تكون لغة علمية أو لغة شارع ضمن إطارات جديدة في صياغة الجملة في النص حسب الموضوع الجديد الذي لا يتحمل فذلكة لغوية ولا لغة رومانسية».
في حين يعدّها الشاعر علي ذرب لغة (مَمَحاة) إن جاز التعبير, «تمحو وتنسف كل ما هو موروث وتقليدي تحتفظ به الذات الجمعية. ولا شك أنها تحاول؛ بمغالطاتها تلك، زرع أدوات جديدة في تلك الحاضنة (المتلقي)، بدل أدواته تمكنه من سبر أماكن غير مكشوفة لا زال التعتيم يلاحقها, ومن وجهة نظر خاصة ما اكتبه هو فضح ومكاشفة تصل إلى حد الاستفزاز مع ذاتي أولا وبالتالي الانطلاقة تحصل من هذه الخصوصية نحو ما يحيط بها لتقشير الخمول عنه وإظهار المختلف الذي هو غايتي».

مفردات خارجة عن المألوف
وفي سؤال لصحيفتنا عن أسباب تمرير مفردات يسميها المجتمع «بذيئة»، يرى أحمد ضياء تاج الدين أنه لا يوجد شيء اسمه مفردة بذيئة ومفردة غير بذيئة، فكلاهما لغة متداولة، مبيناً عدة أسباب لهذا:
– إن المجتمع كله عبارة عن شخصيات مزدوجة، ونحن نرفض الازدواج لأن الجميع يمارسون ويتكلمون بهذه اللغة مع أصدقائهم ومحبيهم، فلا ضير من استخدام هذه اللغة المسكوت عنها ضمن بوابات التمرد الجديد التي أتينا بها.
– لا يمكن الانسلاخ عن لغة الشارع وما بها من مفاهيم تخص الحياة اليومية المعاشة.
– عدم الاستعلاء على النموذج الحي الواقعي وتحويله إلى متلقي مسكوك ببعض الأوهام الشعرية والتي يتيحها عالم الخيال الشعري.
– تعتبر هذه اللغة أصدق وأنقى لغة يمكن أن تعبّر عن شاعر اليوم وعن ممارساته بعيداً عن التعالي والنمذجة التي تخص المجتمع.
ويبين الشاعر عباس المعموري أن المفردات البذيئة حسب وصف العامة لها قد لا تكون بذيئة بالنسبة له، بل تحمل جمالاً يغذي إحساسه الشعري بالأشياء.
ويتفق الشاعر علي ذرب مع ما يراه المعموري، قائلاً: «لنتفق أولاً أن لا شيء (بذيء) في الأدب, وثانياً أن اللغة باعتبارها نتاجاً مجتمعياً فلا شيء زائد عن الاستخدام فيها، وليس عن اعتباطية استخدام تلك المفردات وتمريرها في النصوص، بل على العكس إنها مسألة قناعة, حيث من الضروري التقاطها واستعمالها استعمالا شعرياً جاداً بإكسابها روحاً جديدة لمحاكاة الواقع بأدواته، ولكن بنفس مغاير.
ومن وجهة نظر الشاعر علي تاج الدين، فإن المفردات البذئية و(الفشار) ما هي إلا انعكاس للواقع، فهي جزء من العمل الواقعي، في حين أنكَ قد تجد قبحاً في لغتنا والقبح والجمال (نسبي) فما يجده جميلاً، يجده آخر قبيحاً، والأمر معكوس أيضاً، ومن ثمَّ قد «أقول مثلاً (الورود جميلة) طيّب هي جميلة ثمَّ ماذا؟ ما هي المنفعة من الجمال المتوقّعة الحصول؟ وما هو الجديد؟ نحن باشتغالنا ضمن حيّز الهامش والمهمل واليومي والقاعيّ من اللغة والبذاءة وتمتين ذلك وتجميل القبيح نحن على دراية بأننا نشتغل ضمن منظومة (ما بعد الحداثة) في لغة الشعر العراقي الحديث».
لكن الشاعر عباس حسين يقول إنها لم تكن بذيئة ولا غريبة، إنما محصورة في جهات معينة، ولا تستعمل إلا في مجالات خاصة، و»نرى أن مفهوم الشعر غير نسبي ويستوعب كل شيء– لذا فإن طرح الفكرة يجب أن يكون موازياً للإناء الذي كانت تلك الفكره مخبأة فيه، فليس من المعقول أن نتحدث عن الشعر ونتحدد بالمعقول واللامعقول أو بالمسموح واللامسموح. ومن هنا سمح النص لكل المفردات بالولوج بأعماقه».

من اللغة الشعرية إلى العامية
بعض الشعراء الشباب سعى لاستقدام مفردات عامية وبناء شعري مغاير، كما فعل الشاعر عباس حسين:
تقفزعيونه ملتحية قحة الفأس
وهو يقشر كشرة الظي
تماشياً مع رأسه المنبطح (كدولي) مدينه السلام
المؤدي لوادي السلام… بلا (k9)
يتدحرج شمرةً
فيمضمض الانفجار بطنه
رافضاً أحشاء الجو المتناثرة
مطرٌ ميتٌ يشخط ذاكرة المرازيب
فيسيل القحط
كما تسيل العظام في حضرة (المغيسل)
يتدرن صوته عناقيد الآخره
يحدُ الدم ومضهُ بجفنه
فيتخثر طيفه.
حسين يوضح أن اللغة الشعرية هي التي يستطيع أن يتحدث فيها بما لا يستطيع أن يتحدث بغيرها، «ولا أنظر للشعر على أنه لغة، إنما اللغه وسيلة لنقل الشعر، ولا يهمني طبيعة وكيفية تلك الوسيلة، المهم أنها قادرة على إيصال الغاية، وغاية الشعر تحقيقه، سواء كانت اللغة كفيلة باستدعاء التجربة أو بعدمها، وسواء أتحدث مع الأنا أو اختلفت مع الذات، فالبعد السايكولوجي للغة هو الإشارة الخضراء للإبداع، فيكفي أنها قادرة على استيعاب صورة المخيلة بعيداً عن تصورات العقل».
ولا يطلق الشاعر أحمد ضياء تاج الدين مفردة تحوَّل على هذه اللغة، بل هي عبارة عن حالة من الصدمة التي يجب أن يخلقها الشعر بالإضافة إلى الصورة التي تلحقها. ففي هذه اللغة محاولة رجّ للوضع وجعله إمام عتبة جديدة قد تكتب في تاريخ الشعر. مضيفاً «ففي هذه اللغة إنما محاولة رج للوضع وجعله أمام عتبة جديدة قد تكتب في تاريخ الشعر».
عباس المعموري يبيّن أن لغة الشارع هي النابعة بصدق من ذواتنا بكل ما تملكه من دقة في التعبير عن الجمال الذي يخصنا، وهي تمثل كسر لقدسية اللغة العربية باعتبارها لغة القرآن.
لكن علي ذرب الذي يقول في نصه:
أبي, يلطمُ جهامةَ الليل
ليُسدلَ خانةَ الكوابيس
يطردُ الجنةَ خارجَ سمرتهِ
ليتفسخَ هاجسي بالسماءِ الموعودة ِ
……….
تحتَ سقفُ حذائي
بعدما ترفسُ مرآتي تجاعيدها
أتأرجحُ بين أثداءِ الريح
ثمةَ جثةٌ
تدحسُ انفها في إبطِ حجرتي
تشمُّ نشيجَ الإحياءِ , لتضحكَ ..
يؤكد أن ذلك ليس تحولاً، بل ابتكار لغة جديدة بمادئ جديدة وذلك باستقطاب اللغة المحكية وبثها في الجسد الذي هو (النص), لغة تعتمد التمرغ بروح المجتمع, تكاشفه أحياناً وأحياناً تتصادم معه لتشخيص المناطق الرخوة فيه ولإيجاد العلاجات الممكنة التي تساعد في ردم النقوصات المتوالدة.
الشاعر علي تاج الدين يقول إنه لا يوجد قانون أو معيار يفرّق بين اللغة الشعرية وبين اللغة القريبة من العامية، وانّما الأخيرة لغة طالما ابتعد عنها الأدباء (على الورقة) ومارسوها في الحياة العامة، و»ما فعلناه هو أن لا نقع في الشيزوفرينيا فما نمارسه في حياتنا اليومية نمارسه (على الورقة) مع إضفاء الطابع الفني في محاولة لتقريب مبدأ الفن للمجتمع من الفن للفن (من ناحية اللغة(«.

الشعرية والواقع العراقي
التساؤل الذي يمكن أن نخرج به من هذه الطروحات، هو كيف يمكن ربط هذا التوجه الشعري بالواقع العراقي الذي نعيش فيها؟ ربما لم يرق هذا التساؤل لبعض الشعراء الشباب، فأحمد ضياء تاج الدين يبيّن أن الأمر لا يحتاج إلى الربط، لأنه هو نابع من صميم المجتمع وأن هذه المرحلة هي أشد ما تكون على الجميع كونها المرحلة الأولى لمواجهة جميع من يدعون الأبوة على الشعر والشعراء، فالغالب من الشعراء بوجهين، وأما النقاد فيحاولون مدحك أولاً، وما أن تنفرد معهم يبدأ القدح والتجريح ممارسين سلطتهم الأبوبة عليك وعلى غيرك كونهم أكثر منك تجربة وعمراً، متناسين أن لا كبير في الشعر.
لكن عباس المعموري يرفض هذا الربط بين الشعر والمجتمع، قائلاً «أنا لا اكتب للمجتمع، إنما أطرح ذاتي، وهي انعكاس للواقع بكل ما يملك من تشظي وقبح وغرابة بالسلوك والمزاج التوجه الشعري جاء نتيجة انصهار للمفاهيم الكبيرة الحاضرة في أدمغتنا وتناقضها مع واقعٍ مرير فنتج عن ذلك تمرد وانحياز لمفاهيم صغيرة تمثل محور حياتنا الجديدة واهتماماتنا، فجذبتنا نحو المفردة الهامشية والمألوفة وغير الشعرية أحياناً، لأن كتابة الشعر لدينا هي تفريغ لتوتر أزلي في نفوسنا».
ويعتقد علي ذرب أن لا داعي للـ»كيف»، وذلك لسبب بسيط، هو أن توجههم عموماً مشبع بالواقع العراقي بكل تحولاته، أما «ما يخص توجهي فإنه مرآة لهذا الواقع، ولكنها مرآة تسعى في الكثير من الأحيان إلى مشاكسته، وأعتقد أن هذا لا يضعني خارج الدائرة, فعلى الشاعر أن يستلهم موضوعات الواقع في أدواته الشعرية من دون الاستغناء عن أحدما حتى لا يصبح النص مجرد تسطير فارغ».
ولدى علي تاج الدين، لم يكن هذا التوجّه سوى رد فعل على الواقع الاجتماعي الذي رمى بكل ثقله علينا واستلب منّا شبابنا ومستقبلنا وأحلامنا وطموحاتنا، فما كان منّا سوى التمرّد، التمرّد على المجتمع والأعراف والتقاليد والدين وكل السرديات الكبرى التي قامت بصورة أو بأخرى بتقطيع أوصال الوطن. «كان خطابنا تمرّدياً (كامويّا) وخطاباً لا منتميا (ولسنياً) بنفس الوقت بعد أن وقع المجتمع بعفونة الانتماء القومي والمذهبي والعشائري».

معايير الاشتغال
لكل جماعة شعرية، إن كنا نستطيع أن نطلق على هؤلاء الشباب جماعة، معايير خاصة يشتغلون عليها، ربما تتفق أو تفترق مع الجماعات الأخرى، لكن بشكل أو بآخر يجب أن تكون لديهم خلفيات ثقافية ومرجعية يؤسسون عليها مشروعهم الشعري.
علي ذرب يشير إلى أنه لا شك هناك خط صريح مشترك ينتج عن مجمل اشتغالاتهم، وهو معيار جمالي عموماً، «أما بخصوص اشتغالي، أحاول الارتكان إلى معايير فنية مختلفة، حيث تمنحني فرصة للتجريب وخصوصا مشروعي في بداياته وبالتأكيد ستتضح التجربة أكثر وسيكون هناك معيار محدد تتسم به قصيدتي».
ويرى أحمد ضياء تاج الدين أن المعايير مسألة نسبيه، أعتقد أن نبقى بلا معايير أفضل. وما الهدف من جعلها في ضمن أنساق تضمحل! ما علينا إلا أن نكون في مختبرنا، هذا يدل أننا نحاول أن نفترش جميع مكونات المجتمع على أرغفة من الثقافة والتمتع بالعديد من النصوص التي يتم إلقاؤها شفاهياً، وهو جزء يتراتب عليه الكثير من الأعراف والامور الاجتماعية التي ما زالت الحاضر الرئيس في الذاكرة الجمعية التي على أساسها يتم العمل على هذه البنى الثقافية.
وأول معيار لدى عباس المعموري «أن لا يكون لي أب ولا وطن ولا مستَعبَد ولا مفهوم من ناحية الموضوع، أما من ناحية الأسلوب فهو المغايرة بالطرح على أساس استفزاز المتلقي بتجارب حياتية مألوفة، لكن مسكوت عنها بلغتها الصريحة بدون تزويق ولا مجاملة، وهو تحدي لنفسي قبل الآخرين».

أساليب الكتابة
يحدد الشاعر علي تاج الدين تقنيات وأساليب اشتغالهم الشعري بنقاط محددة، وهي:
– الكتابة بلغة أخرى مسكوت عنها، بل غير مكترث بها في الأدب العربي الحديث.
– الكتابة بطريقة تفكير أخرى نحو شعرية جديدة.
– الكتابة برؤى فلسفة ما بعد الحدائة التي تعتمد في بعضها على التشتت وتمتين المهمّش ومركزته.
– على الصعيد الشخصي، أكتب بجملة شعرية مختلفة عن أصدقائي (الجملة الطويلة جداً) وهي التي برزت في مجموعتي الأخيرة المشتركة مع عباس معموري. كذلك القبح الذي أراه يعمّ الآفاق، القبح يتغلغل في نصوصي في كل المفردات والصور والأسلوب، بل حتى في الميثولوجيات التي تدل على الجمال كـ(أفروديت وعشتار) فقد كانتا قبيحتين.
– التركيز على الذات بصورتها الوجودية وجعلها مركز العالم لننطلق بكامل حريّتنا بعيداً عن القيود الوهميّة.

توجهات غير معلنة
لكل جماعة مشاريع مستقبلية وتوجهات يمكن أن توضع خطوطها الأولى في الوقت الراهن، لكن ماذا يمكن أن يخبئ هؤلاء الشباب للمستقبل القريب؟
الشاعر أحمد ضياء تاج الدين يقول إن المشاريع التي يريدوا إثباتها الآن أهم من المشاريع القادمة، ربما تكون أو لا تكون، بالتالي علينا أن ندس ثقافتنا ومواضيعنا ضمن العديد من التجارب الشعرية. كما وأننا نحاول أن نُفهم الجميع أن ما نقوم ما هو إلا الواقع، وما عليكم إلا أن تصغوا إلينا ما دمتم عاجزين ومتخندقين في أبراجكم العاجية.
أما عباس المعموري فيؤكد أن هناك توجهات بعد هذه النصوص،لأن مساحة التجريب مفتوحة، والمواضيع متاحة والرغبة بالاختلاف والتغيير كبيرة، وسيعلن عنها في وقتها.
الشاعر علي ذرب يوضح أن من الضروري أن يحافظ الشاعر على قناعاته وهو يسير في اتجاهات الاشتغال الشعري ليحافظ على هويته, «بالنسبة لي أعمل جاهداً على تأسيس توجه محدد سأطرح من خلاله تجربتي الأولى ولا يتوقف الطموح بالتجريب في توجهات شعرية مختلفة منعا لتكرار النفس الذي أكتب به الآن».

صفاء ذياب

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية