شعراء لا نعرفهم ولا يعرفوننا!

حجم الخط
0

لم يرسل لنا شعراء الجيل الجديد دعوة لحضور أمسيتهم. ونحن لسنا أصدقاءهم على الفيسبوك لنقرأ البوست الذي أبلغوا به الناس عنها. كما أننا، في مجال العلاقات الشخصية، لا نعرفهم ولا يعرفوننا، وهم كثيرون. في الخبر الذي نقله التلفزيون عن أمسيتهم تلك بدوا، هم وجمهورهم، مالئين القاعة الواسعة. كأنهم التقوا في عرض مسرحي أو غنائي أو في عرض أوّل لفيلم سينمائي. لم يشهد الشعر الذي زامنّاه وعايشناه، أقصد الشعر الحديث منذ قصيدة التفعيلة والشعر الحرّ وقصيدة النثر إلخ، جمهورا عريضا كهذا. كنا نقول بأن الشعر العمودي ظلّ منتصرا حتى بعد إزاحته وإماتته. في القاعات حيث كانت تقام أمسيات الشعر الحديث كنا نقدّر عدد الحضور بين العشرين والثلاثين. وفي إحدى تلك السنوات فاجأنا التكريم الذي أقيم لمحمد مهدي الجواهري بعد موته. كانوا «فوق الألفين»، صرنا نقول بعد انتهاء الحفل. لكن أين كان هؤلاء قبل مجيئهم إلى الاحتفال، من أين أتوا؟ رحنا نتساءل يومذاك إذ كنا نظن أن الشعر القديم وشاعره الجواهري تخلّفا وانقضى عهدهما.
هؤلاء، المشاركون في الاحتفال بالجواهري فاجأونا آنذاك، ومثلهم يفعل الآن الشعراء الجدد. بدا هؤلاء الأخيرون، من جمعهم الكثير، كأنهم تكتّلوا في الخفاء، مثل تنظيم أو حزب. السيدة التي ظهرت على التلفزيون ناطقة باسمهم قالت إنهم مختلفون عما نعرفه في التقليد الشعري. وهي ذكرت شيئا من ذلك الاختلاف بقولها إنهم يلقون الشعر مترافقا مع حركات يؤدّونها بأيديهم وأجسامهم، أي أنهم يؤدّونه تمثيليا.

لقد وصل هؤلاء الجدد إلى الحرية من دون أن يروا أنهم مضطرون للمفاوضة حولها.

وقد فكرّنا أن هذا ليس جديدا تماما، إذ أن الشعر السابق كان متجها نحو ذلك، لكن من دون مبالغة قد تجعل الشعر قريبا من خفّة الاستعراض. هنا، مع هذا الاتجاه الجديد، المتألّف من الشباب، إذ لم يظهر بين الجمع الذي صوّرته الكاميرا التلفزيونية «مخضرم» واحد، ربما تكون الخفة مقصودة، وكذلك الاستعراض. «الشاعر هنا لا يحمل ورقة ولا قلما»، قالت تلك السيدة الناطقة باسمهم قاصدة أننا لم نعد في زمن الكلمات والحروف.
كان يجب علينا أن نكون هناك إذن، أن نحضر، لكي نستمع إلى ما يقوله هؤلاء في شعرهم، ونعرف ما هو الجديد الذي يحمله إلقاؤهم له. لكنهم لم يوجّهوا لنا دعوة. الأرجح أنهم لا يعرفوننا، والعناوين التي يضمّها بريدهم تختلف عن تلك التي نتلقّى الرسائل منها. وهم إلى ذلك يحيون أمسياتهم في قاعات ونوادٍ لا نعرفها. لا أقصد الأمسيات الشعرية وحدها، بل العروض المختلفة، التجهيزية والمشهدية التي هي فنّهم الجديد، ذاك الذي لم تكن أفكاره وأدواته معروفة لنا. وقد ابتعد هؤلاء مسافة عن بيروت، كأنما من أجل أن يكونوا أكثر ابتعادا وانفصالا عن الزمن الذي لا يرونه زمنهم.
لا يحبّون أن يعرضوا فنونهم الجديدة في أمكنة سبقهم إليها القديمون، ثم إنهم، هناك حيث يجتمعون لإقامة أنشطتهم، يتاح لهم أن يكونوا لوحدهم، وإن صدف أن وجد أحد نفسه بينهم، سريعا ما يقرّر أنه لن يعود إلى هنا مرّة ثانية. ذاك لأنه يشعر، أو يشعرونه، بأنه دخيل بينهم، يقف وحده بين حلقاتهم التي تتجمع ثم تنفضّ لتعود إلى التشكل من جديد. هم، جيل الثقافة الجديد، لم يأتوا من ثقافة سبقتهم. لا يحبّون ذلك التعاقب الذي يكونون فيه الحلقة الجديدة من سلسلة متساوية الحلقات. كما لا يهمهم أن يكون الفرق الذي يحدثونه قليلا أو كبيرا. لا يريدون أن يقال إنهم تقدموا عن سابقيهم مسافة هي هذه. في تلك الأمسية التي قصدها ذلك الرجل المفرد، الذي شعر بأنه دخيل بينهم، كان ما شهده وسمعه من المؤدّين في تلك القاعة هو مما يصعب أن يُسمع ويُشاهد إلا فيها. كأن هؤلاء كانوا يفجرون قنابل في ما هم يتكلمون عن مسائل ممنوع الكلام حولها في الخارج. ففيما يمكن أن يستغرق السجال حول مسائل تتعلّق بالمثلية أو بالالتزام الديني وبتقاليد الالتزام الأهلي عشر سنوات، ليجري السماح بإدراج كلمة واحدة من قاموسها في الأفلام السينمائية مثلا، وجد الدخيل أن هؤلاء الجدد قد قفزوا هكذا فجأة نحو زمن آخر تماما. ذلك البطء في التقدم عند الجيل السابق جرى قطع أشواطه هنا دفعة واحدة. لقد وصل هؤلاء الجدد إلى الحرية من دون أن يروا أنهم مضطرون للمفاوضة حولها. وكذلك فعلوا في ما اتفق سواهم على تسميته تغيير القواعد المعمول بها.

٭ روائي لبناني

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية