شعراء لكل الفصول!
أمجد ناصرشعراء لكل الفصول!منذ وقت وأنا أفكر بكتابة هذه المقالة، مثلما كان يفكر سعدي يوسف بكتابة تلك القصيدة وهو يكتبها.اذن، منذ وقت وأنا أفكر بهذه المقالة التي تتعلق بالشعر والشعراء وموقفهما حيال زمانهما وعالمهما، بعد تحول انسحاب المثقفين، شبه التام، من الحياة العامة، الي نوع من الايديولوجيا المضادة.اعترف انني من الذين رفضوا زج الشعر في الفلكلور الوطني الذي استولي، ليس علي اللحظة السياسية العربية وحّولها الي شعار بائس، ولكن، ايضا، علي الشعر حتي كاد ان يجفف آخر قطرة ندية فيه، لصالح كليشهات القضايا، وليس القضايا نفسها. لان كليشه القضية ليس سوي مسخ القضية او كاريكاتورها.لكن الموقف من الفلكلور الوطني لم يمنعني، لحظة واحدة، من ان اكون معنيا بزمني ومكاني، فالاهتمام بالزمن وقضاياه شيء وتحويل الزمن والقضايا الي شعار يختصر كل شيء بكلمة واحدة، شيء آخر.لكن علي الجهة الاخري من السجال الشعري كان هناك من صدّعوا رؤوسنا بالقضايا الوطنية والمسؤولية حيال اللحظة التاريخية في قصائدهم الصاعدة الي جلجلة الاوطان الذبيحة.كان ذلك زمنا سهلا لمواقف كهذه، لان الذين وقفوا ضد الصعود المدوي الي الجلجلة لم يكن لهم وزن في معادلة الفترة. كان كل شيء محشّدا، حقا او باطلا، باتجاه تلك القمم المغوية التي يصعدها الثوار والشعراء مثقلين بصلبانهم الوطنية، وكان هناك ثمن مجز لتلك الجلجلة: الصيت والمنفعة، فيما كان الذين يواجهون ذلك الفلكلور الوطني الرديء بصدورهم وقصائدهم العارية يلوبون علي صقيع الأرصفة.اليوم نحن في لحظة لم تعد تلك القوي التي رعت الصعود الي الصلب موجودة، او، في الاقل، لم يعد لها اليد العليا في حياتنا. انسحبت، او سُحبت، من التداول لصالح القادمين في ركاب الاحتلالات او السلطات الشكلية التي ليس فيها من السلطة (بمعني السيادة والشرعية الشعبية والاستقلال بأمرها) شيء، فلزم الشعراء الذين كانوا عنوان تلك المرحلة وملوكها المتوجين الصمت التام.. حتي علي تفكك القوي التي صعدت بهم الي الذروة.الصمت التام، المريب، حيال اوطانهم (وليس سلطاتها التي لن يأسف عليها احد) التي تقاد الي الذبح مثل الخراف هو كل ما استطاعوا فعله.صمت التواطؤ وليس صمت الاحتجاج.لم نعد نسمع عنترياتهم الوطنية.ولم يعد لهم صوت خارج قصائدهم التي لجأت الي اليومي وهي براء من اليومي، لانها اصلا، كانت ضد اليومي باعتباره هرطقة، وهروبا من استحقاقات الواقع.. ان لم يكن خيانة وطنية.الواقع، اليوم، أسوأ بكثير مما كان عليه من قبل فلِمَ لا نسمع لهم صوتاً؟لِمَ يصمتون هذا الصمت المريب ولا يحيرون جوابا علي التفكك والانهيار والخراب الذي تعيشه بلادهم؟سأقول لكم لماذا.لأنهم يريدون الدنيا والآخرة، النظم ومعارضاتها، القدامة والحداثة، الحرس القديم والأجيال الجديدة، قصيدة التفعيلة وقصيدة النثر.. باختصار يريدون اجماعاً لم يكن (ولن يكون) خياراً لصاحب رأي وموقف.ان يكون لك رأي يعني أنك مع فريق وضد فريق آخر، مع وجهة وضد وجهة أخري، هناك من يحبونك وهناك من يكرهونك، وهم، في خريفهم البطريركي الهزيل، لا يريدون ان يخسروا أحداً.يريدون الجميع: اليمين واليسار والوسط والصيف والشتاء والربيع والخريف، الكبار والصغار والمقمطين في الأسرّة.فهؤلاء يخشون حتي من كلمة نقد واحدة في بريد قراء صحيفة مغمورة او موقع خلفي علي الانترنت .المشكلة ان بعض هؤلاء ذوو اسماء مؤثرة، بل ومؤثرة جدا، في محيطها ولكلمتهم وزنها، لكنهم لن يستخدموا هذه الكلمة، إنك لن تقرأ لهم مقالا واحدا عن بلادهم التي تساق الي المسلخ او الاندثار، وبدلا من ذلك تراهم يراوغون في مواجهة الاسئلة المطروحة عليهم كأنهم رؤساء بعثات للمساعي الحميدة للأمم المتحدة، وليس لديهم الشجاعة الأدبية أن يعلنوا علي الملأ ما يثرثرون به في جلسات استحضار الارواح علي المقاهي.. أو في بيوت الأصدقاء، لكي لا يخسروا هذه الجهة او تلك.. أو هذا المنبر أو ذاك.هل أقصد اشخاصاً محددين؟بلي.وسيأتي اليوم (قريباً كما آمل) الذي نذكرهم بالاسم والصفة. فذكر الأسماء مهم، كي لا يبقي الكلام معوماً علي السطح أو دائرا في الفراغ الي ما شاء الله.لكن الجيد في الأمر أنهم يعرفون أن هذا الكلام موجه اليهم وليس الي أشباح لا إسم ولا صفة لها.الذين ستحمرُّ خدودهم ويلعنون سنسفيل كاتب هذه السطور.. هم المقصودون.والشاطر يفهم!0