شعرية الاشياء !

حجم الخط
0

خيري منصور(الى يوجين غيليفك) احيانا تشرع في قراءة كتاب او نصّ، فيلامس على الفور وترا هاجعا ومغمورا في القلب، لهذا تطويه وتؤجل قراءته كي تقوى على التّصادي معه بدلا من التسليم الوديع له . حدث هذا مرارا، لكنه هذه المرة لشاعر فرنسي لا ينافسه في الحماسة للأشياء وشعريتها غير الشاعر الامريكي كيمنجز الذي بقيت أمه حتى الثمانين تحمل في حقيبتها اولى قصائده عن اصابع العصفور، التي لا يمكن تجبيرها اذا كسرت الا بعود كبريت شرط ان لا يكون قابلا للاشتعال، وربما لهذا السبب انتهى كيمنجز الى الاقامة في شجرة عملاقة كي يصغي الى لحاء الغابة كلّها.الشاعر الذي كانت اصابته بالنسبة لي بالغة هو يوجين غيلفيك، وكنت قد قرأت له لأول مرة منذ زمن بعيد قصائد في مجلة الكرمل، اهداها غيلفيك للمجلة وكانت تنشر للمرة الاولى، وترجمها الصديق الشاعر شوقي عبد الامير، وسمعت من الصديقين درويش وعبد الامير حكايات بالغة الطرافة عن شاعر الحجر، ومندوب الصمت الكوني، ثم اتيح لي ان أقرأ مجموعة من نصوصه ترجمها مصطفى عبود وأزفت اللحظة التي اقوى فيها على التصادي بدلا من التسليم الوديع والتمادي في تأجيل هذه الرقصة.بدءا، ما كان للشاعر ان يعيد اكتشاف شعرية الاشياء كما هي وبمعزل عن الاسقاطات البشرية لولا تسرب ذلك المناخ الفلسفي الذي بثته الفلسفة الظاهراتية او ما يسمى الفينومونولوجيا، والتي اثرت في منحى ادبي فرنسي استجابت له اولا الرواية كما كتبها روب غرييه وسيمون وقبلهما ناتالي ساروت، وهذا النمط من الرواية المضادة او ما سماه سارتر اللارواية انقلب على كلاسيكية الرواية التي عرفها جورج لوكاتش بأنها ملحمة البرجوازية الاوروبية، فأصبح الشيء لا الانسان هو البطل، وحلّ المكان بدلا من الزمان، واتيح لأول مرة للاشياء ان تتحدث بألسنتهاغير المرئية، بدءا من المحبرة عند روب غرييه التي لا تصبح ‘عدما’ اذا حجبها حائط، وهكذا تحول الروائي المضاد الى بصّاص او مجرد راصد، ولم تكن صدفة ان سمى روب غرييه احدى رواياته بهذا الاسم.* * * * * * *لم ينشر غيليفك شعره رغم كتابته المبكرة له الا بعد الثلاثين، وكان اول صدى له ما كتبه دريو لاروشيل هو اعتباره كشفا والكشف هنا ليس اعادة الاكتشاف بالمعنى الذي اراده رينيه شار واسيء فهمه مرارا، وكأن الشاعر يزيح ستارة عن مشهد ما سواء كان عنقود عنب او حمامة ميتة، وان صحّ لنا ان نختصر اطروحة شعرية فإن اطروحة غيليفك هي اعادة الاعتبار للاشياء ولعناصر الكون، والتي تفرز شعريتها بمعزل عن اللغة، لهذا فهو يقول مثلا بأن الكلب الذي يرى صورته على ورقة قد يتردد قليلا قبل ان يزيحها بأقدامه بلا اكتراث، وهذا ما عبّر عنه والت ويتمان عندما كتب عن العشب الذي سماه منديل السيد الاله، وسخر من المقارنة بين العشب وورقة الدولار الخضراء، يكتب غيليفك عن الكرسي :انه من خشب قديميستريح ناسيا شجرته وحين يتأمل شاطىء البحر حيث كان يعيش في بريتاني يقول للبحر: نظام من الحساب بأكمله مات بأمواجك. وفي قصيدة مهداة الى ابنته سيمون يقول:(يا ابنتي الأفق أمير رائعسيكون باستقبالك والعليق يا ابنتي لا يصادق احدادون ان يجرحه).فهل يمكن لشجيرة عليق ان ترمز الى الطبيعة بأسرها؟ لقد أجاب عن هذا السؤال في سياق آخر ناقد حصيف عندما قال ان ارتطام قدم ميرسول في رواية الغريب لكامو بزاوية السرير الحديدية اختصر في رد الفعل لدى بطل الرواية الارتطام البشري بالكون كله، وان كان الالم الجسدي في حالة كامو محسوسا فإن الالم الوجودي الذي يحدثه هذا الارتطام ليس كذلك، وهذا ما عبر عنه سيرين كيركيغورد وهو وجودي مسيحي قال عندما تغرزون اصابعكم في أي شيء تشمّون عليها رائحة ذلك الشيء، اما أنا فحين أغرز اصابعي في الوجود لا أشمّ شيئا غير رائحة العدم. والاطرف من هذا ان كيركيغورد انهى علاقته مع روجينا التي كان يحبها حتى لا تتورط بما ارتطم به هو في هذا العدم وذلك اشفاقا عليها وليس فرارا منها.* * * * * * * *يرى غيليفك ان اقرب مهنة للشعر هي مهنة النجار لكن ليس على المستوى السطحي الذي يجعل المقارنة تقتصر على المنشار، ذلك لأنه كما يقول رأى نجارا يقطع ألواح الخشب ثم يداعبها ويختار احسنها ثم يعيد خلقها، لهذا كان يغني وهو ينصب الخزانة، لأن ذاكرته تعبق برائحة الخشب، وقد تبدو لنا اشياء الطبيعة مفهومة لأننا ألفناها وحفظنا عنها تعريفات محددة، لكن الشجرة اكثر غموضا من كل ما نعرفه عنها، وحين تواطأ البشر على ما يسمونه البديهيات فعلوا ذلك هروبا من شدة تعقيدها، لهذا تقول الشاعرة اديث سيتويل انها تعرف رساما فتن بشجرة فظل يرسمها حتى اصبح هو نفسه شجرة، وبذلك عاد من منفاه البشري الى وطنه الأول وهو الطبيعة، اما غيليفك فيقول ان الشمس ترى الظلام بنورها وكذلك الضجيج يرى الصمت، لهذا قال من كتب مقدمة قصائد غيليفك تيو سافوري ان رؤاه شرقية من حيث علاقتها بالثنائيات والاضداد التي تكمل بعضها، فالانسان لدى هذا الشاعر هو الكائن الاصطناعي الوحيد في الكون بل هو الشيء اللاطبيعي على الاطلاق، فهو مثلا يريد ان يصحو مبكرا ليفهم ما يقوم به النّحل، فهذا المشهد الذي يراه الناس عاديا هو فعل خارق من افعال الطبيعة خصوصا عندما نتساءل عن هدفه، وقد ذكرني غيليفك بحوار قصير وعجيب دار ذات يوم بين الناقد والشاعر كرورانسوم وخادم مزرعته، فقد طلب الشاعر من الرجل ان يستخدم مبيدا للذباب لكن الخادم توقف فجأة وعاد ليسأل الشاعر : ما الذي جعل الذباب ذبابا ؟ يقول كرورانسوم ان هذا السؤال الذي يبدو ساذجا شل عقله، واوقفه عن الكتابة لفترة من الوقت .* * * * * * *في كل مرة نقرأ فيها شعرا مترجما خصوصا اذا كان من هذا الطراز يعود السؤال ذاته حول الترجمة بصفتها ابداعا موازيا، وقد لا يتكرر كثيرا ما قيل عن ترجمة فيتزجيرالد لرباعيات الخيام او ترجمة اشعار جيتة الى الفرنسية بحيث قال ان الشعر الذي اراد كتابته بالفعل هو ما ترجمه نيرفال وليس ما كتبه هو بالالمانية لكن هذه الخيانة المشروعة لا بد منها وهذا ما واجهه مترجمون آخرون لأعمال كيمنجز وادغار الن بو، واذكر ان مترجم كيمنجز وقف حائرا امام جملة وردت في سياق من الحب، يقول فيه الشاعر لمن يحب: ان وجهها ‘يؤبْرلَه’ ومعناه انه يجعله اشبه بشهر ابريل المبشر بالربيع، ولو قال مترجمه ان وجهها يُنَيْسنه نسبة الى شهر نيسان لزاد الامر غموضا رغم ان اهل القرى في بلاد الشام استخدموا مثل هذا الاشتقاق بلا اهداف شعرية عندما وصفوا الوجه الجاف والشاحب بأنه متشرن نسبة الى شهر تشرين البارد واللاسع، اما مترجم ادغار الن بو وهو جاك روسلو فقد أبقى عبارات كما هي في الاصل ومنها صوت الغراب وقد يظن من يقرأون غيليفك انه وريث شعراء الطبيعة من الرومانسيين امثال الثالوث البريطاني شيلي وكيتس ووردزورث، لكنه غير ذلك تماما، بل على العكس من هؤلاء لأنه سعى الى تحرير عناصر الكون من الاسقاطات البشرية، بحيث يكون لكل شيء فيه سيرته الذاتية وشعريته، لأن ما حدث من قبل هو ان اناب الانسان نفسه عن الطبيعة وتحدث باسمها وادعى ان الشجر يحفّ من اجله، والنحل يكدح ليوفر له الشهد، والمواشي تتناسل ليذبحها ! غيليفك جملة شعرية معترضة في كتاب الشعر، يستحق القراءة مرات ونصوصه اشبه بتلك القطعة الموسيقية التي طولب عازفها بشرحها فأجاب ان الطريقة الوحيدة لشرحها هي اعادة عزفها !

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية