هشام بن الشاوي
بعد ‘صلاة المطر’، ‘دخان’، ‘عميل التعب’ و’خذلتني النجوم’.. يبدو الشاعر السوري سامي أحمد في أضمومته الشعرية الجديدة: ‘شبّه لي’ الصادرة عن ‘دار التكوين’ في دمشق (2011)، مجترحًا جماليته الشعرية الخاصة، كشاعر يرفض الاعتراف بأبوة الشعر وبنوته أيضا، ميالا إلى شعرية اللايقين والتكثيف، ولا توكؤ في قصائده على أي يقين كيفما كان، ولا يحاول ادعاء الحكمة في شذراته الشعرية، كما يفعل بعض الشعراء… إنه إزاء هذه الأسئلة الوجودية المحيرة، يلوح شبه طاعن في الصمت، كأنما يكابد مللا من الكلام.. زاهدا في مباهج الحياة اليومية:’حزين أنا في الأربعين، لا أكره شيئا.’ (‘في ذمة النشر’، ص6). ولأنه في الأربعين، نراه في نص ‘جرس’ يبحث في قلبه الشيخ عن تدفق دم طفل، وعن مريول طفولته، لأنه يكبر وتكرهه طفولته. وهكذا، تغدو الكتب قهوة أيامه وفراشه وناره التي لا تخبو حين نقرأ سفر خروجه، كما سنلمس تيهه اللامطمئن، كما في نص ‘ربما’، وعنوان القصيدة يشي بلايقينه الشعري، وقلقه الوجودي حد السأم، حيث يعترف الشاعر في هذه القصيدة التأملية أن: ‘لا مكان، لا قمر، لا عشبَلأكون على شكل مزمارأنا أتأوّه بلا صدىمترنحا على الضوءأفرد أحلامي على العتمة’ (ص 18). ثم نراه في ذات القصيد ينكر بنوة الشعر وأبوته: ‘ليس الشعر أبوة ولا أبناء، الشعر إمضاء’، ولأن الشاعر ‘نطفة قلق’ في نفق عالم ضبابي، يرقص قبل البدء حتى تضجر قدماه، ويصير حذاؤه طرفا في البوح، وفي قصيدة ‘فراغات’ يرى جنازته تمر في الطريق أمام بيته، ‘فيحييها كما يفعل الطغاة’. ***يبدو سامي أحمد حائرا أمام المسَلّمات، كأنما يشاطر نيتشه الرأي في أن الحقائق أوهام نسينا أنها أوهام. في القصيدة التي تحمل هذه الأضمومة الشعرية عنوانها يكتب:’شبه ليأن الشمس في بلادناتشرق من المشرقوالأرض تدور، شبه لي أن لي بلادا’ (شبه لي، ص 27). قد يبدو سامي شاعرا عدميا.. لكنها الحيرة إزاء غموض هذا الوجود، حيث تحضر ثيمة الشك (أيقونة الكوجيطو الديكارتي) في أكثر من نص؛ فاليقين سراب عند صاحب ‘صلاة المطر’ : ‘وجنّة الشك ألعب بها بسراب يقيني’ (رصد، ص74)، ‘الشك؛ أن تعْلَمَ كيف تمزق دمار العزلة’ (رصد، ص 66)، و’ ظن يجرني من يقيني’ (فضول، ص 60)، فلا يجد الشاعر السلوى سوى في أن يعشق الحياة باستمرار، ويكتب بحبرها ويرسم وجهه على ملامحها، ويلوك أحلامه بهدوء قبل أن يصحو. يكتب الشاعر فلسفته الخاصة للحياة في قصيدة ‘له’، فهو يعيش لأنه لا يحب القتل، ولأنه يستطيع أن يموت في كل لحظة. ويتغنى الشاعر بالطفولة، اليقين الوحيد في زمن اللايقينيات، حتى لو كانت زمنا منفلتا.. في قصيدة: ‘شبّاك الطفولة’، التي يجنح فيها إلى تسريد الذكريات المتدفقة، فجاءت قصيدة مطولة مقارنة بباقي قصائد الأضمومة الشعرية، التي تميل إلى التكثيف والتشذير: ‘من شباك أهلي تعلمت السقوط، والحب، والشطرنج، تعلّمت منهما لا أعلم من العشقوالرعي على الطرقاتمن شباك أهليأحببت أهلي، والشخيروسماع وقع أقدام الشتاء’ (‘شباك الطفولة’، ص 45 – 46). وبلغته الشفيفة، وأسلوبه السهل الممتنع، والمتفرد، يكتب سامي أحمد غزلا مغايرا، في قصيدة ‘لها’، متجاوزا كل الصور الشعرية، المستهلكة في هذا الغرض الشعري:’في غيابك أتحدث إليكفي حضورك أتحدث إلى نفسيأطالب وحدتيبحصة أكبر منك’ (‘لها’، ص40).* ‘شبه لي’، سامي أحمد، ‘دار التكوين’، دمشق 2011م.