( إبراهيم الجرادي في ذكرى رحيله )
1
في جامعة صنعاء، وفي بداية تسعينيات القرن الماضي تحديداً، التقيت الشاعر إبراهيم الجراديّ لأول مرة. كنت قادماً من بغداد، تاركاً ورائي بلداً مفككاً وعائلةً متلهفة الى خبرٍ أو رسالةٍ، قد يحملها أحدُ القادمين من اليمن، أو يأتي بها طائرٌ يفـرّ من إحدى الخرافات البعيدة. بعد أن تقطّعت السبل بالعراقيين هناك، وأصاب الشللُ العراق كله، وحُـرِم الناس من أهون الخدمات شأناً، وفي مقدمتها الهاتف، والكهرباء، والماء، وخدمات البريد.
2
والجراديّ شاعرٌ لا يملّ التجريب، وناقدٌ وأكاديميٌّ ومترجمٌ لا يتردد في مشاكسة السائد في الترجمة، أو التدريس أو الحياة. وكان، قبل هـذا وبعده، صديقاً حقيقياً، جمعت بيننا صداقةٌ لا تنسى. لم تكن علاقتي به منتظمة، أو ذات مسارٍ متّصلٍ، بل كانت مبعثرةً، مثل أجزاء الجراديّ نفسه، كما يشير عنوانُ مجموعته الشعرية الأولى..
كان عراقيّ الهوى، والجرح والمتاهة. وكأنه طفل الفرات الذي رافقه، وهو ينحدر متدفقاً ملتاعاً من منبع الشجن حتى مصبه. كان ذا مرحٍ مشوبٍ بكآبةٍ صافية، وروحٍ شديدة الانفعال لكنها شديدة البشاشة أيضاً. وكثيراً ما كان يردد وبحسّ فكاهيّ لا افتعال فيه: «إذا لم يكن بيننا، عراقيين وسوريين، من ماضٍ يشدّنا الى بعضنا بعضاً، فيكفي أن ما يجمع شتاتنا اليوم، صوت حسين نعمة والياس خضر. لم تروّضْه الهجرة من بلاده وإن كانت مختارةً، ولم تنتزعه من انتمائه الوطنيّ أو الإنسانيّ أو الشعريّ.
وصل به نقاؤه وبعـدُه عن التملق، حد الوقوف على الحافة أكثر من مرة، محدقاً في هاويةٍ ليس في قرارتها إلا الفاقة، أو الرحيل المفتوح على مجهولٍ أكثر وعورة. كان لا يتخلى، مهما كانت الظروف، عن صراحته الجارحة في قول الحقّ. وكانت مسيرته الثقافية والأكاديمية، التي أعرفها عن قرب، خلال عملنا معاً في جامعة صنعاء، تقف على النقيض من آخرين، كانوا في ظروفٍ أكثر استرخاءً منه لكنهم كانوا أمثلةً لا تُجارى في إهدار كرامتهم، أو اقتطاف ما ليس لهم حقّ فيه.
3
بعد سنواتٍ من الغياب، التقيت إبراهيم الجراديّ في دمشق. كان يتولّى حينها رئاسة تحرير مجلة «الموقف الأدبيّ»، وكنتُ مدعوّاً الى مهرجانٍ للشعر العربيّ هناك للمشاركة في ندوةٍ عن جماليات التلقي في الشعر، يديرها الجراديّ شخصياً. ما أدهشني في ذلك اللقاء أن السنوات التي فصلت بيننا لم تكن غياباً محضاً، ولم تكن أرضاً مشققة دون ماء. وجدت في انتظاري، مقالتي المطولة عن الشاعر يوسف الصائغ، في مجلة «الموقف الأدبيّ»، تتصدر ملفاً كبيراً عن الصائغ، كما وجدت كتاب «الشاعر العربيّ الحديث مسرحياً»، للناقد والشاعر محسن اطيمـش، وقد أعادت إصداره المجلة ذاتها، بعد أن قدّمتْ له بمقالتي في وداع الشاعر. لم يكن بيننا، طوال تلك الفترة، إلا الغياب وما فعلته بنا أوطاننا المليئة بالرضوض والطعنات. هذا ما كنت أظنه، لكنني فوجئت أن الجراديّ كان يتحرك خلالها بدافع من الوفاء الجميل، والانتماء القلبي الحرّ للشعر ونبل المعنى.
4
لا بد من مخيلةٍ مستفزةٍ كي يصدقني قارئ في ما أقوله. صديقٌ يهاتفك من بعيدٍ وهو يختنق بآلامٍ ثقيلة الوطأة، بعد أن قـرأ إحدى قصـائدك. يفعل ذلك وهو في أيامه الأخيرة! هكذا فاجأني الجراديّ: «ماذا فعلتْ بي قصيدتك؟». وكان يعني قصيدة: «لي بلادٌ أحبها وهي تنأى»، التي صادفتْ قلباً لا مزيد على رهافته المجرّحة. وبعد ذلك بأيام ربما، كانت مفاجأته الثانية، في صفحته على فيسبوك. عبارةٌ، على وجازتها، هي من أكثر ما كُتِبَ عنّي شاعريةً وعمقاً. كيف اتسعت أيامه القليلة لهذا الفيض من المحبة؟ كان يتسامى على محنته الشخصية ويتركُ، وهو على بعد أيام من رحيله الوشيك، هذا الشاهد على نبل روحه:
«ناثرٌ مترفُ اللغة وشاعرٌ أبعد من ذلك.
وهو من قلةٍ قليلةٍ يذهبُ في المجاز إلى حيث
لا يصل الآخرون.
لا يبدّدُ اللغة ولا يفرّط بثرواتها.
أستعيدُهُ، وهو يعيدُ للشعر كرامته».
في أوائل التسعينيات، وفي أكثر أيامها مرارةً، كنا في توديع الناقد محسن اطيمش في مطار صنعاء، بعد أن أمر الشاعر عبد العزيز المقالح بنقله الى بغداد على وجه السرعة، فقد اشتد عليه المرض وصار شفاؤه ميؤوساً منه. كان الراحل مسجّىً بيننا، ونحن نتزاحم حوله مرتبكين. كنا، إن لم تخنّي الذاكرة: شكري الماضي، إبراهيم الجرادي، عبد الرضا علي، فضل خلف، كريم كثير، مؤيد عبد الله وأنا. كانت ملامح محسن مضاءةً بإكليلٍ من الأسى والذبول، وكان الجراديّ في أبلغ درجات حزنه. كان ينظر الى محسن اطيمش في رقدته تلك، كما كنا نفعل جميعاً، لكنّه الوحيد الذي لاحظ ما لم يلاحظه أيٌّ منا على محسن، في تلك اللحظة، وهو يقترب من هالة الموت الشاحبة. كان سؤال الجراديّ موجعاً ومفاجئاً لنا جميعاً: «لماذا يزداد الشعراء شبهاً بالسياب كلما دنت لحظة الموت؟»، وكم تسـاءلت، بيني وبين نفـسي، بعد رحيله الفـاجع: كيف كان الشـبهُ، بين الجراديِّ والسياب، لحظة موته؟
6
لا أبالغ حين أقول إن هناك مناخاً واحداً ينتمي إليه إبراهيم الجراديّ كلّه، أعني الكلّ النصّيّ والحياتيّ مجتمعين. لا يمكنك فصل الشاعر عما يقول، أو عما يفكر به أو يتوق إليه. فليس هناك مسافةٌ خاملةٌ، دون شررٍ أو مفاجآتٍ، تفصل بين حياته وقصيدته. ليس عليك أن تقطع مسافةً ما، بيضاءَ، محايدةً، أو جرداءَ، تمتدّ مسترخيةً بين الشاعر ونصوصه. الشعرية ذاتها، والتهكم الواخز نفسه، وغرابة التعبير إياها، وهناك مشاكسة المستقرّ والراكز من أنماط القول أو السلوك. ولو تأملنا مجموعاته الشعرية، لوجدنا أن نزوعه الى المغايرة والمراوغة يبدأ حتى قبل أن يبدأ النصّ، أعني من عتبة العنوان تحديداً:
أجزاء أبراهيم الجراديّ المبعثرة.
رجلٌ يستحمّ بامرأة.
عويل الحواس.
دع الموتى يدفنون موتاهم.
الذئاب في بادية النعاس.
وهكذا يظل إبراهيم الجراديّ، كما في هذه العناوين وسواها، وكما في متون الكثير من قصائده، ذلك الشاعر الذي يعابث لغته وقارئه، فيجمع المتضادات إلى بعضها، والمألوف إلى المتنافر، ويؤاخي بين الأنس والوحشة، حتى تتفجر الدلالة وتتناثر إلى الحد الذي يستفز المتلقي ويفسد توقعاته. وربما نجد في قصيدته الطويلة: «لستُ محظوظاً لكي أغفو على وترٍ ونايْ « الكثير مما يجعل شخصيته مغايرةً، أسلوبياً ودلالياً، لشعر مجايليه، وحتى من أجيالٍ أخرى :
أنّةُ الصوتِ التي أدركتُها في الذئب قادتني
إلى ما يجعلُ الذئبَ صديقي
وترفّقتُ كثيراً
بالذي غادرني «سهواً»
وأهداني أسايْ
لستُ محظوظاً لكي أغفو على وترٍ ونايْ..
7
كم كنت أتمنى أن أرى اليوم ديوان إبراهيم الجراديّ بين أيدي أصدقائه ومحبيه. فحرامٌ أن تمرّ فترةٌ على رحيله وليس هناك ما يبشر بصدور هـذا الديوان، مع أن أصدقاءه ومريديه، بين الشعراء والكتاب وأصحاب دور النشر، كثيرون. وكنت قد اقترحتُ على بعضهم ما أنا في صدده الآن. ومن جانبٍ آخر، ليس كثيراً على تجربة الجراديّ، أو من هو من جنس قماشته الشعرية المميزة، أن تقترن باسمه جــائزةٌ للشعر المكرّس للابتكـار وكرامة القصيدة، أو شــارعٌ في مدينةٍ أحبّها وأحبته، أو قاعةٌ تذكّرنا بالجانب الأكاديميّ والنقديّ من حياته المتشظّية.
كاتب عراقي