تدور في بعض الكتابات النقدية عبارة «نهاية القرن» الفرنسية la fin de siècle إشارةً إلى العقود الأخيرة من القرن التاسع عشر، التي شهدت نشاطاَ ملحوظا في عدد من الشعراء الذين أسّسوا ما صار يُدعى بالحركة الرمزية في فرنسا، والتي امتد أثرُها إلى سنوات الحرب العالمية الأولى وما بعدها بقليل، كما تأثّر بها بعض الشعراء في ألمانيا وحتى في روسيا. وقد تميّز شعراء الحركة الرمزية بالتعبير عن العواطف الفردية بشكل كبير، وتجاه الطبيعة وجمالها ومخاطرها، بشكل مبالغ فيه أحيانا.ً ولم تَسلم الكتابات النثرية والروائية بشكل خاص من هذا التولّع بالعواطف التي ليس من الخطأ وصفها بالميوعة، كما نجد في رواية تيوفيل كوتييه (1811-1872) بعنوان «مادموازيل دُ موبان» التي نُشرت أول مرّة عام 1835وهي تصوِّر عذابات العاشقة ولياليها المُفعَمة بالسهر ومناجاة الحبيب الذي لا وجود له إلاّ في الخيال.
وقد أثار هذا التطرّف في التعبير عن العواطف الفردية بعض المتأدّبين المعاصرين الغاضبين إلى اختراع عبارة la fin des haricots «نهاية حبّات الفاصوليا» أو «ذَنَب حبّة الفاصوليا» التي لا تصلح إلا للرمي، لعدم احتوائها علي المزيد من الحبّات الصالحة للأكل.
ويمثل شارل بودلير (1821- 1867) المذهب الرمزي في الشعر في مجموعته الوحيدة بعنوان «أزهار الشر»
(1857) وبخاصة في قصيدة شهيرة بعنوان «تطابقات» حيث يرى أن المشاعر تسعى كذلك إلى التعبير عن الأفكار مثل
«الفساد، الثروة، الانتصارات».
ومثل بودلير نجد بول فيرلين ( 1844- 1896) يسير على خطى سابقه في التصوير الرمزي للعواطف الخاصة، ونجد بعضاً من ذلك في قصيدته بعنوان «صبابات دون كلمات» إذ يقول إنه حين يتجوّل في ريف الضباب فإن ذلك يعكس أحزانه الخاصة: «على قَدرِ ما يشحُب هذا الريف أيها المُتجوِّل/ يبدو لي أنك أنت نفسك تشحُب». وفي قصيدة «الأُغنية الجميلة» نقرأ: «القمرُ الشاحِب/ يُنير من خَلَلِ الغاب/ ومن كلِّ غصن/ تهمِس أُغنيةٌ/ من تحت الأوراق».
ونجد الشاعر رامبو (1854-1891) يمنح نفسه صفة «الرائي»، ويدعو إلى «تحطيم قيود القافية» ويرفض شاعراً فرنسياً كبيراً مثل لامارتين قائلاً إنه غارقٌ في قيود القافية والوزن، وإن الشعر الفرنسي برمّته إن هو إلاّ «نثرٌ مقفّى» ويدعو إلى كتابة الشعر دون قافية.
وإلى جانب رامبو نجد شعراء الرمزية الآخرين مثل فيرلين مالارميه وفاليري يكتبون عن خبراتهم الشخصية وعواطفهم تجاه الطبيعة والحياة بمزيد من النظرة الشخصية والتعبير العاطفي، مُشكِّلين بذلك صورةً متماثلةً للشعر الفرنسي في أواخر القرن التاسع عشر. وبهذا المعنى يمكن القول إن الحداثة في الشعر الأوروبي قد بدأت بالشعراء الفرنسيين في نهاية القرن التاسع عشر. وقد امتدّ هذا التأثير بامتداد حياة آخر الرمزيين الفرنسيين بول فاليري إلى عام 1945، أي أنه تجاوز الحربين العالميتين، وقد بلغ الشعر الرمزي مداه في عدد من الآداب الأوروبية.
ففي الشعر الإنكليزي مثلاً نجد إليوت خير من يمثل الرمزية الفرنسية في توجّهاتها نحو التعبير عن المشاعر الشخصية أو الفردية عموماً كما نجد في «أغنية حب ج. آلفريد بروفروك» وفي حديث المرأتين في حانة في لندن عند اقتراب نهاية الحرب العالمية الأولى. هذا إلى جانب كتابة الشعر الذي يخلو من القافية، وهو من أوائل أمثلة الشعر الحُرّ في الإنكليزية في العصر الحديث.
تُرى كيف كانت صورة نهاية القرن في تراثنا العربي؟ كان القرن التاسع عشر في أدبنا العربي قد انتهى مع نهاية الحرب العالمية الثانية، لأن ما سبق ذلك من بدايات القرن التاسع عشر حتى نهاية الحرب العالمية الأولى كان امتداداً للفترة العثمانية التي لم تُسجِّل إنجازاتٍ واضحة في الفكر والثقافة العربية. وإذ بدأ ظهور الكيانات العربية في شكل حكومات وطنية في العراق وبلاد الشام ومصر، بدأت بعض الأنشطة الثقافية بالظهور في الشعر بخاصة، وفي بعض الكتابات السياسية. وهنا ظهر الشعر العربي الذي يتخذ المنحى السياسي في التعريض بالحكومات الوطنية الجديدة، ويشكك في مدى إخلاصها للوطن مشيراً بطرف خفي، وواضح أحيانا، إلى ارتباط تلك الحكومات بالأجنبي. فهذا معروف الرصافي (ت.1945) ينادي: إن الوزارة لا أبا لكَ عندنا / ثوبٌ يُفصَّلُ في معامل لَندَنا. وإذ لم يكن الجوّ العام يوفِّر امتياز التفرغ للآداب الأجنبية، لأن الهموم المحلية تحتل الصَدارة في الحياة الجديدة بعد الليل العثماني الطويل والاحتلال الأجنبي لبعض البلاد العربية، بدأ بعض المتأدّبين والشعراء منهم بخاصة بالإطّلاع على الآداب الأجنبية ولو بصورة غير مباشرة، عند عدم توفّر معرفة باللغة الأجنبية، فكان للكتب والدراسات الصادرة عن لبنان والمترجمة عن الفرنسية أثر واضح في تطوّر الثقافة عند الأديب والشاعر العربي في النصف الثاني من القرن العشرين.
وقد يستغربُ بعضُنا أن بوادر ظهور ما يشبه التأثّر بالرمزية الفرنسية، من حيث التعبير الواضح عن المشاعر الشخصية والمبالغة في إظهار الحزن، قد جاءت من شاعر لا يقرأ أيّة لغةٍ أجنبية، بل كان يُقبِل بنَهَمٍ على كلِّ ما تصل إليه يداه من شعرٍ مُترجم أو دراسات نقدية حول مذاهب النقد الحديثة. ذلك هو «الشاعر المُعلِّم نفسَه» مثل «الفيلسوف المُعلِّم نفسَه»
بلند الحيدري (1926- 1996) وقد ظهرت تلك العلامات في مجموعته الشعرية الأولى «خَفقة ُالطين» (1947) وبعدها «أغاني المدينة الميتة» (1951). ففي مقالةٍ بعنوان «خواطر في الشعر العراقي الحديث» يتحدث بُلند عن الاستعانة بما يَجدّ هنا وهناك من مقاييس أدبية لتقييم القصيدة. وقد استمر الشاعر على الإفادة من فنون النقد الأوروبي حول الشعر، وأحسب أن عدداً من شعراء العراق بعد نهايات القرن التاسع عشر قد ساروا على ما يشبه هذا المنوال، في الانفتاح على الآداب الغربية مما شجع على ترجمة الكثير من الشعر الغربي.
ومن شعرائنا بعد القرن التاسع عشر، الكبير نزار قباني
(1921- 1998) الذي اختطّ طريقَه الخاص في شعر الحب والموقف من المرأة مما يبيّن ابتعاداً واضحاً عن تراث الشعر العربي، وتأثّراً واضحاً بمذاهب الشعر الأوروبي والفرنسي بشكل خاص. هنا علائم التأثُّر بالمذهب الرمزي نلمسها في كل قصيدةٍ تقريباً حتى في شعره السياسي في سنواته المتقدِّمة. وصفُ مشاعر الحبّ ومُقتَرَبُه من المرأة لا يُشبه شيئاً مما نعرفه في الشعر العربي الحديث. فالتصريح في الحب وتسمية المحبوبة غير معروف تقريباً في تراثنا الشعري: «كان اسمها جانين»؛ «تعرفُها من خُفِّها المقطّع الصغير/ من قصّة الشَعر الغُلاميّة»؛ من خُصلَةٍ للّيلِ مرفوعةٍ/ وخُصلةٍ لله مرميّة»؛ «يُشاع في قريتنا أنتِ التي أرجِّحُ/ إشاعةٌ أنا لها مُروِّجٌ مُسبِّحُ/ وأدعيها بفمٍ يملأه التبجّحُ/ الشالُ لي والخالُ لي والأسودُ المُسَرَّحُ». ألا يُذكِّرنا هذا ببعض شعراء الرمزية مثل قصيدة مالارميه بعنوان «خصلةُ الشعر تحليقُ شُعلةٍ في الغرب/ الأقصى من الرغبات لأجل بَسط ِالكُل/ فوق الجبين المتوَّج مأواه القديم». هذه ليست محاكاة ولا تقليدا بل هي تعبيرُ مُتشابه بافتتان الشاعر بالحبيبة أكثر من الجبهة والخدَّين والشفتَين، لأن «شارعنا أنكرَ تاريخَه/ والتفّ بالعِقد وبالجَورَبِ». أيُّ شِعر أكثر من هذا انفتاحاً على الجديد وغير المألوف! أليس هذا ما يدعوه الفرنسيون «مرَض العَصر»؟ أي الافتتان بالجديد وغير المألوف؟
أما شاعر العرب الأكبر، محمد مهدي الجواهري (1903-19979) فهو مثل أي نجفي معنيّ بالمعرفة والثقافة يتعلّم القراءة في كتاب «نهج البلاغة» ويبقى حريصاً على نقاء اللغة وبلاغة القول، وتنثال صُوَرُه وتشبيهاتُه من مُحيطِه الخاص وخِبرته في الحياة. ولهذا لا نَجِده يلتفت إلى الآداب الغربية أو الصوَر المستورَدة من خارج ثقافته الخاصة. وبذلك يبقى علماً على الشعر العربي الأصيل ويطبَع القرن العشرين على امتداده وتفرّده عمّا سبقه من شعر وشعراء.
وهذه صورة الأصالة التي لا تتلمّع بالمستوردات الأجنبية .