شعر النقائض بين جرير والفرزدق أبرز أمثلته في الأدب العربي: فنون الهجاء عندَهم وعندَنا

عبدالواحد لؤلؤة
حجم الخط
3

أسلوب الهجاء شعراً ونثراً يتناول الأشخاص أو المجتمعات بالسخرية والهزء والتهكّم. وهو أسلوب معروف في الأدب اللاتيني، وبخاصة في أعمال هوراس (65-8 ق.م.) التي أطلق عليها إسم “ساتير”. وقد فعل مثله الشاعر جوفينال، المتوفّى في أوائل القرن الثاني الميلادي. ولكن أحسب أن هذا الهجاء لا يبدو للقارئ العربي المعاصر وحتى للقارئ الأوروبي المعاصر أكثر من لَومٍ وهجومٍ مباشر على الأشخاص أو المجتمعات أو العقائد، دينية كانت أم سياسية. وقد ظهر هذا في الأدب في حدود 35 قبل الميلاد. وهذه الأعمال تتناول بالنقد والسخرية تصرّفات الأفراد في المجتمع من حول الشاعر، فهو يهزأ مثلاً من عقائد روما القديمة. وقد ظهرت أمثلة من الهجاء في التراث الأوروبي بدءاً من جيفري تشوسر (1343- 1400) كما نقرأ في عمله الكبير “حكايات كانتربري” حيث نقرأ في حكاية “امرأة من مدينة باث” نقداً طريفاً لمؤسسة الزواج، كما تمثله تلك الامرأة المِزواجة التي تفكّر بالزوج القادم وهي تغادر الكنيسة عند إتمام زواجها الرابع الحالي. ونجد مثالاً آخر من النقد في أعمال جوناثان سويفت (1667- 1745) صاحب “رحلات كليفر” وصاحب “اقتراح متواضع” الذي يدعو فيه إلى “تَسمين أطفال الفقراء لتقديمهم طعاماً للأغنياء في المجتمع”.

ولدينا مثالٌ آخر في أعمال أوسكار وايلد (1854-1900) التي يسخر فيها من توجّهات المجتمع البريطاني في أمور جدّية، نزولاً إلى مسائل تافهة، مثل سخريته من سوء ذوق الإنكَليز في اختيار ربطة العنُق، وذلك في مسرحيّة “أهمّية الجِدّ” وهي تورية على اسم الشخص الذي يحمل إسم وصفة “إرنست” التي تعني “الجِد” كذلك.                                                                    ومن أبرز أمثلة الهجاء المعاصرة في أعمال جورج أورويل (1903-1950) في كتابيه البارزين “حظيرة الحيوان” 1945 و”1984″.

وأحسب أن ترجمة العنوان هذه أفضل من الترجمة الشائعة “مزرعة الحيوان” لأن القارئ العربي قد يحسب وجود علاقةٍ بين الحيوان والزراعة. وهذا يذكّرني بحادثة طريفة حصلت في بلدٍ عربي بالذات قبل سنوات، إذ قام طبيبٌ بيطري بترجمة هذا الكتاب وإهدائه إلى وزير الزراعة في ذلك البلد، الذي كتب للمترجم شاكراً، قائلاً إن هذا الكتاب سوف يساعدنا في تطوير الزراعة في البلد! أمّا كتابه الثاني الذي لا يقل أهميةً عن “حظيرة الحيوان” فهو كتاب”1984″ الذي صدر عام 1949 أي قبل سنة واحدة من وفاته، وهو نقدٌ ساخر لبعض أنظمة الحكم في زمانه.

ومن المقتطفات الشائعة من كتاب “حظيرة الحيوان” قوله: “جميع الحيوانات سواسية، لكن بعض الحيوانات أكثر سواسيةً من غيرهم”. ومن كتاب “1984” نذكر العبارة التي أغضبت كثيراً من الحكّام والسياسيين: “ما من أحَدٍ يُمسِكُ بالسلطة على نيّةِ التنازل عنها”.

هذه الأمثلة من الهجاء في التراث الأوروبي فيها الكثير من الظرف والمتعة ولا شك في ذلك. ولكن صورة الهجاء في الشعر العربي بدءاً من أيام الجاهلية إلى آخر الشعراء الكبار في العربية: الجواهري، تقدِّم صورة أخرى للهجاء، فهو صاحب:

أنا حَتفُهُم، ألِجُ البيوتَ عليهُمُ    أُغري الوليدَ بشَتمهم والحاجِبا

ويبدو أن ذلك كان في ساعة غضبٍ نادرة، لأن بعض الحسّاد من الشعراء المعاصرين حاولوا النيل من شاعريته فاضطرَّ للقول: كذبوا فملء فَم ِالزمان قصائدي.

وأفظع من ذلك قصيدته التي يهاجم فيها مجموعة من منافسيه على زعامة الشعر: قصيدة: أي طرطرا أي طرطري، وهي قصيدة لم يُدخلها في الديوان، وكان الأمير عبد الإله يُلِحّ على الجواهري أن يقرأها له كُلّما اجتمعا، كما أخبرني الجواهري شخصيّاً. وهذه القصيدة سخريّة جارحة من السياسيين والمنافقين أيام أواسط الأربعينات من القرن الماضي، في العراق:

      أي طَرطَرا تَطَرطَري      تقَدّمي تأخّري

      تشَيَّعي تسَنَّني       تهَوّدي تَنَصَّري

      تكرّدي تعَرّبي     تَهاتَري بالعُنصرِ

      تعَمَّمي تبَرنَطي           تعقّلي    تسَدّري

      تزَيّدي تَزَبّدي      تَعَنّزي  تَشَمَّري ….

وأمثلة الهجاء في العربية، لذلك، تقدِّم مفهومًا آخر للهجاء. يروى عن لبيد بن ربيعة أنه حضر مجلس النعمان ابن المنذر، وكان بَعدُ فتى في أوّل عمره، فأرادوا أن يختبروا قدرته على قول الشعر فقيل له: أهجُ هذه البَقلة. فقال: هذه البقلةُ لا تُذكي ناراً ولا تُسِرّ جاراً. عودها ضَئيل وفرعُها قليل وخيرُها كليل. تدلّ هذه الحكاية على أن قول الهجاء كان يُحسب دليل القدرة على قول الشعر. ولدينا مثال على البراعة في الهجاء حكاية الجاهلي المخضرم الحُطيئة، الذي وُلِد قبل الإسلام بخمسين سنة، والذي كان يهجو كلّ من حوله، بمن فيهم أهله. فلما لم يجد من يهجوه، هجا نفسه إذ رأى صورة وجهه في المرآة أو في بركة ماء مثل نارسيس فقال:

أرى ليَ وجهاً قبّح الله خلقَه   فقُبِّحتَ من وجهٍ وقُبِّحَ حامِلُه.

ويُروى أن الخليفة عمر (رض) قد منعه من الهجاء، ثم حبَسه ليرتدِع، ولم يُطلِق سراحه حتى وَعَدَ أن يتوب عن الهجاء واستعطف َالخليفة بأبيات:

ماذا تقول لأفراخٍ بذي مرَخٍ   زُغبِ الحواصلِ لا ماءُ ولا شَجَرُ

ألقَيتَ كاسبهم في قعرِ مُظلِمة   فاغفِر عليك سلام الله يا عُمَرُ

وفي العصور اللاحقة لدينا أبرز أمثلة الهجاء أو التهاجي في شعر النقائض بين جرير والفرزدق. فقد هجا الفرزدقُ جريراً بقوله:

ألا إن اللئام بنو كُلَيببٍ           شِرارُ الناس من حَضَرٍ وبادِ.

فردّ عليه جرير بقوله:

 فغُضِّ الطَرْفَ إنك من نُمَيرٍ      فلا كعباً بلغتَ ولا كِلابا.

 وهذا الطِرِمّاح ابن الحكيم (ت 743م) يهجو بني تميم ويردّ على الفرزدق بقوله:

 تميمٌ بطُرْقِ اللّوم أهدى من القطا    ولو سَلكت سُبلَ المَكارِم ضلّتِ.

 ولو أن بَرغوثا ًعلى  ظهر نَملةٍ     يكرُّ على صَفّي تَميمٍ   لوَلّتِ.

 وقيل إن هذا أقذع بيت قالته العرب.

ولكن لدينا أمثلةٌ من الهجاء التي تعفّ عن الشتيمة والكلام البذيء. من ذلك قول المعرّي في هجاء رجلٍ جاهلٍ:

 أراكَ الجَهلُ أنّك في نعيمٍ     وأنتَ إذا افتكرتَ بسوءِ حالِ.

أما هجاء المتنبي في كافور الإخشيدي فهو من أقذع الهجاء في الشعر العربي:

 من عَلَّمَ الأسودَ المثقوبُ مِشفَرُه    أقَومُهُ البيضُ أم آباؤه الصيدُ!

وهذا لا يقف إلى جانب هجاءٍ آخر أقلّ حِدّةً:

 أغايةُ الدينِ أن تُحفوا شواربَكم    يا أمّةً ضَحِكت من جهلها الأمَمُ .

وثمّة أمثلةٌ من الهجاء تخلو من الإقذاع لكنها لا تخلو من الطرافة. من ذلك قول أبو بكر الصّنَوبري الحلبي (883- 945م) الذي كان يحضر مجالس سيف الدولة. فلَهُ في هجاء نهر قُوَيق في أطراف مدينة حلب:

 قُوَيقُ إذا شمَّ  ريحَ الشِتاء    أظهَرَ تيهاً وكبراًعجيبا

 وإن أقبلَ الصيفُ أبصَرتَه    ذليلاً حقيراً حزيناً كئيبا

إذا ما الضىفادع نادَينَه         قُوَيقُ قُوَيقُ أبى أن يُجيبا

ولم تقصِّر النساء الشاعرات في الهجاء. هذه عُصيمة الحنظلية تهجو زوجها:

 كأن الدارَ حين تكون فيها      علينا حُفرةٌ مُلِئَت دُخانا

 فليتَك في سفين بني عبادٍ     فتُصبحَ لا نَراكَ ولا تَرانا.

 وقالت امرأةٌ من بني ضَبّة عن زوجها:

 تراه أهوجَ ملعوناً خليقتُه    يمشي على مثل مُعوَجِّ العرانين

 وما دَعوتُ عليه قطُّ ألعَنُه   إلاّ وآخر َيتلوهُ بآمين

 فليته كان أرضَ الروم منزلُه  وأنني قبله صُيرتُ في الصين.

كيف لنا أن نقارن هذا الهجاء بأمثلة الهجاء في العالم الغربي؟ أم أن شَبَح رَديارد كبلينغ ما يزال يصيح: الشرقُ شرقٌ والغربُ غربٌ/ وأبداً لن يلتقي الاثنان!

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية