شغب قديم

حجم الخط
0

شعيب حليفي

هو الذي هو أنا كل طفولة هي منجم الحياة الذي لا ينفد، وكل ما يقع فيها هو تخطيطات مرموزة لأغلب مسارات الإنسان، وبقدر ما تبدو ساطعة بريئة وشفافة، تستطيع أن تُخبئ رموزها الرشيقة بإتقان لا يُضاهى.

ويمكن للأطفال الذين عايشوا المتكلم، لحظة من اللحظات.. من الأصدقاء أو الأعداء أو المتفرجين أن يتحدثوا عنه أحسن منه ربما، فقد يلتقطون ما غاب من جوهر الحدث الذي لا يذوب أو ينطمس. ولو شئتُ الحديث عن الطفل الذي كنتُه، فإنني لن أتذكر من مراحله سوى تلك المساحات الشديدة البياض والمرسومة بعناية إلهية، بكل تأكيد، بداخلها تجري سيناريوهات من حيل وصراعات وعنف ومغامرات… ولا شيء آخر، وربما إن الطفل الذي كنتُه سابقا هو أنا اليوم، يُطَوِّرُ بداخلي شغبه ويُعقلنه في كل المحطات. أشعرُ به يكتب رواياتي ورحلاتي، يفاوض الحياة على زمنها ولِمَ لا وهو يحتفظ بتلك العلبة السوداء الجميلة الحافظة لأسرار الاكتشافات الأولى والمرتبطة، بالأمكنة والأصدقاء.

ويمكن إجمالاً تذَكُّرُ مقالبه للعصافير وطرق صيدها وشيِّها في الخلاء بطرق بدائية؛ أو كيفيات زرع الكمائن للبدو المارين على دوابهم، ثم فجأةً يبصرون حافظة نقود مرمية وكلما همُّوا بالتقاطها سحب الطفل، بيده الشيطانية والتي سيَخُطُّ بها لاحقا كتاباته كلها، الخيط المدسوس تحت التراب بعناية فينزلقُ الكيس ولا يكمشون، في منظر كاريكاتوري، سوى التراب وأنتَ تقهقه مُهرولاً من الشتيمة ورشق حجارتهم.

ولن ينسى شغب الحقول والمسيد ثم المدرسة في قشلة ابن تاشفين، خصوصا في نهاية كل سنة دراسية حيث يجري حفل تمزيق الدفاتر والمقررات.. تليه حروب تصفية الحسابات المعلقة. حروب لا تنتهي، ندوبها ما تزال شاهدة.

في حيِّنا الأول، حي البطوار في المدينة، لا أعرف كيف فكرتُ في اصطياد عدد من الذباب واضعا إياه ‘مَيِّتًا’بعناية وسط كسرة خبز، ثم خرجتُ إلى ساحة الحي أدعو أصدقائي الذين يوجعون رأسي دائما بطلب جزء مما آكل، أوزعُ عليهم خبزي الملغوم بالعدل والقسطاس ولمّا انتهوا أخبرتهم فتسارعوا يفرغون ما في جوفهم.

أو حينما دعوتهم إلى جمعية لاكتناز ما لدينا من ريالات يوميا، في مكان أسفل شجرة إبزار قريبة منا.. وكلما يهبطُ الظلام وكلكل، انتفضتُ متسللا للاستيلاء على المدخرات.. لكن الأمر لم يتجاوز المرتين فقط.

في ايلول ( سبتمبر) .. أحداث متفرقة هنا وهناك… غريبة، مضحكة ومُبكية، نجوتُ فيها من الموت مرات لا تُحصى حتى يئستْ مني مُصادفاته الخاطئة، وجميعها ليست أغرب مما سأرويه الآن من شغب طفولي يمثل بالنسبة إلي لحظة تحول من حياة الطفل الذي كنتُه. مرحلةٌ تُشكل فِيرَاجًا عنيفا مثل كمين رباني جميل ( لن أذكر فيه الأسماء(. في الرابعة عشرة من عمري، وأنا تلميذ في الإعدادي في ثانوية ابن عباد، كنا خمسة أصدقاء لا نفترق إلا لماما… وفي أحد الأيام وأعتقده يوم أربعاء، في التاسعة صباحا من بدايات شهر ايلول ( سبتمبر)، اتفقنا ونحن أمام باب المؤسسة على التغيب وعدم حضور حصص الدراسة ذلك اليوم لأجل التوجه إلى الغابة، والتي تبعد عن المدينة بنحو خمسة كيلومترات، في جو مطره خفيف.

تركنا مَحَاَفِظَنا لدى مكتبة الهلال، ثم سرنا على الأقدام. وقبل دخولنا الغابة، ولجنا حقلا للحوامض ( الليمون) فأكلنا حتى التخمة مالئين جيوبنا.. بعدها كسرنا الأغصان بهمجية. بعد ذلك شرعنا في البحث عن أعشاش العصافير والبيض.

مرت السويعات سريعة في ذلك الخلاء، لنكتشف أننا فقدنا بوصلة الرجوع وأضعنا المَخرج الذي سنعود منه إلى بيوتنا، ولم ندرك تحديدا بأننا تهنا إلا بعد تكرار محاولات البحث عن سبيل من كل الجهات دون جدوى، فكلما تقدمنا ساعة في اتجاه معين نجد من يطالبنا باستبدال الاتجاه بآخر ونحن نضحك إلى أن أدركنا المساء، وأحس واحد منا بأوجاع في بطنه.. دون أن نهتمَّ له مواصلين البحث.. فصعدنا شجرة نبغي من خلالها إيجاد منفذ بلا طائل.

ربما كانت الساعة الرابعة أو الخامسة مساء، لأن ملامح الغروب والظلام الذي يلوح من بعيد بدا زاحفا على مرمى حجر. تَمَكَّنَ مِنا التعب والجوع والغضب فقاومنا إلى أن بدت لنا طريق بياضة، فمشينا فيها وقد استعدنا بعض نشاطنا وأملنا، وفجأةً لمحنا سيارة بيضاء متهالكة من نوع ايرْكاتْ ( رونو 4)، في داخلها شاب نعرفه في المدينة يعمل على توزيع الخبز عليها، وكنا ننظر إليه كشبه مختل، برفقته فتاة، جميلة في مثل سنه وربما مختلة هي أيضا بعض الشيء لأنها غير مبالية بما وقع أو ما سيقع.

ومن دون اتفاق تَوَحَّدْنا وحملنا الحجارة وصرنا نضرب السيارة بكل قوة ففر المسكين هاربا منها ومن الرجم.. تاركا لنا قدرنا الحتمي.

لا أحد سيذكر منا ما وقع بعد ذلك من خمسة وحوش صغيرة تكتشف الحياة في الغابة. ما نتذكره هو عودتنا إلى المدينة مهدودين، متعبين، منتشين ومكتشفين التيه والرجولة. دخلنا زنقة الذهايبية ليلا، بعدما ودعنا صديقنا الذي ما زال ألم المعدة يضغط عليه، مسترجعين محافظنا.

دخلنا، نحن الأربعة، لدى بائع الحريرة والإسفنج في زاوية الزنقة، فأكلنا ثم واصلنا سيرنا في اتجاه محطة القطار البعيدة بحوالي عشر دقائق مشيا.. هناك توجد عربات قديمة متوقفة على الدوام. جلسنا على حافة بوابتها المضاءة بأعمدة نور ترتعد باستمرار، ونحن نتكلم في كل شيء.. إلى أن أبصرنا طالبين من طلبة الباكالوريا في مؤسستنا ممن نعتبرهم قدوة لنا وثوارا، وكانوا منذ يومين يُرَوِّجُونَ لإضراب سيقومون به يوْمَي الخميس والجمعة. أذكر هذا كما لو كنتُ أراه الآن، ذلك أنني رفعتُ يدي مشيرا لهما بالسلام، وكانا منهمكين في الحديث فردَّا عليَّ بالمثل. كل هذه المصادفات جاءت سبيلا لبدء الحديث عن إضراب يوم الغد، حفزتنا للتفكير جماعة لماذا لا نفعل نحن تلاميذ الإعدادي شيئا مشابها، فقررنا كتابة منشورات تدعو إلى الإضراب دون أن نعرف لماذا، فقط لأننا معجبون بطلبة الباكلوريا من جهة، ولنا معرفة بما كنا نسمعه عن المناضل عبد السلام أبو إبراهيم الذي كان يسكن بدربنا ومحمد ليتيم والمعطي رقيب وعبد الهادي خيرات وجريدة المحرر والشهيد عمر بنجلون والمهدي بنبركة وقريبا سنعرف باستشهاد الشاب محمد كرينة.

نحن وحوش صغيرة بالنهار، وها نحن نتحول بالليل إلى ثوار مكتشفين أرواحنا المتمردة. أرسلنا اثنين منا ليأتونا بالأكل وعدد من الأوراق، فيما بقيتُ رفقة صديقي العربي الذهبي رحمه الله. فنسينا الثورة التي كنا نفكر فيها قبل قليل، وتحولنا إلى الشعر نرتجله ونُعبر به عما يعتمل في دواخلنا. شِعْرٌ سنداوم على كتابته، معا، خلال مرحلة الإعدادي، قبل أن أتحول في الثانوي إلى بيع قصائد رومانسية مكتوبة خصيصا لطالبيها ومدفوعة الأجر، قصائد يضع فيها ‘المشتري’ اسمه لتقديمها إلى تلميذات جائعات إلى الخبز أكثر من كلمات تصورهن ملائكة نزلن على تلك الكدية المسنودة بنوايل ‘نزالة الحد’ والسوق القديم وطرق العبور إلى المزامزة وامزاب.. رؤوسهن ليس فيها سوى ‘البودالي’. وسأتخلى عن مرحلة الشعر لأتحول إلى سحر النثر، بينما استمر صديقي العربي في كتابته إلى حين وفاته قبل ثلاث سنوات في حادثة سير عبثية.

بعد عودة صديقينا.. أكلنا وشربنا ثم شرعنا في كتابة أول منشور” سياسي” لنا في حوالي خمسة أو سبعة أسطر على ربع صفحة من صفحات الدفاتر المدرسية. كتبنا دعوة للإضراب وكانت مثل عقوبة جميلة عكفنا عليها بجد وحماس إلى غاية مرور قطار مراكش، بعد منتصف الليل بقليل. آنذاك ذهبنا إلى بيوتنا وقد احتفظتُ برزمة المنشورات معي.

تفاصيل صغيرة وكثيرة ربما تضيع ولا تُرى… حركاتنا، قاماتنا، أصواتنا، ضحكاتنا.. والأهم في كل هذا تلك الأقدار التي كانت مخبأة بعناية خلف جلود جباهنا المشتعلة بكل ذلك التحول الذي يقتحم حياتنا دفعة واحدة دون تخطيط مباشر منا، ففي يوم واحد نكتشف أننا رجال وثوار وشعراء.

في اليوم الثاني قمتُ باكرا بنفس الحماس مارًّا بمنزل صديقنا الذي تركناه مريضا، وكنا جميعا نسكن متقاربين في مدينة صغيرة ريال من الجاوي يبخرها كما نقول في أمثلتنا، سألتُ عنه فأخبرتني والدته من خلف الباب، بلغتها الأصلية / الشلحة، ما فهمتُ معناه انه مريض يرقد في الفراش فقلتُ لها بعربيتي بأن اليوم وغدا لا دراسة فيهما.

أمام باب مؤسستنا اكتظاظ تلاميذي وسط جو مكهرب. وزعنا المهام بيننا ثم شرعنا نوزع بياننا التاريخي على زملائنا… نراقب ما يخطط له ‘الكبار” من طلبة الباكلوريا. وبعد حوالي ساعة انطلقت المظاهرة التلاميذية، اندسسنا وسطهم ثم صرنا نصرخ مرددين شعارات ونحن نعتقد أننا جزء فاعل في هذه الحركة التاريخية. جُبنا فيها الشوارع في أقل من ساعة قبل أن يفرقونا بالعصي.

في نفس الموسم الدراسي، ومن تداعيات هذا التحول الذي شعرنا به، انخرطنا في شبيبة الاتحاد الاشتراكي وأسسنا نادي الوحدة بدار الشباب، كنتُ أنا رئيسه الأبدي، وبرفقتي أصدقائي فقط قبل أن ينضم إلينا آخرون في السلك الثاني.

وفي نفس السنة ونحن نغادر مقر الحزب الذي صرنا نجتمع به كل مساء، تربصوا بنا واعتقلونا ففر من بين أيدي المخبر، ذي القامة الطويلة، واحد منا واقتادونا نحن الأربعة إلى مركز الشرطة الأقرب، لابُّوسطْ بجوار محطة الحافلات القديمة. أذكر أننا لم نشعر بالخوف أبدا وبقينا عندهم لساعة ونصف الساعة تقريبا. سألونا أسئلة كثيرة لأننا ما زلنا قاصرين عن الانضمام إلى شبيبة حزب سياسي. أطلقوا سراحنا ولما خرجنا تذكرنا أننا نجونا من تهمة لو فتشوا الساكوش الذي كان محمد صديقنا يحمله.

أحداث متناسلة لا تكُفُّ عن الانقطاع. أفسرها الآن تفسيرا يليق بمخيلة الطفل الذي كُنتُهُ، فأقول بأن سفري إلى الغابة كان ‘الهجرة ‘التي ستُغير حياتي من طفل إلى رجل راشد يمتلك وعيه بالأشياء رفقة أصدقاء حالمين نعْبُرُ بسهولة من وحوش صغيرة إلى ثوار إلى شعراء.’ كاتب من المغرب

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية