شغف الكتابة والبحث عن النسيان

دعاني الأصدقاء خالد لطفي ومحمود لطفي من مكتبة تنمية، وكذلك ليال الرستم وأحمد القرملاوي من مكتبة ديوان، لحضور فاعلية ثقافية في إطار مهرجان ثقافي يقيمونه في سينما راديو وسط القاهرة بعنوان «دواير ثقافية». الفاعلية الخاصة بي وغيري عنوانها شغف الكتابة، شارك معي فيها أو شاركت معهم، عبلة الرويني وعزت القمحاوي وحمدي الجزار. أعجبني المشروع قبل أي شيء فهو من عمل القطاع الخاص، أو المجتمع الأهلي، وهو مهرجان يستمر لعشرة أيام تشارك فيه خمس وعشرون دار نشر مصرية وعربية. وقاموا فيه بدعوة عدد من الكتاب والفنانين العرب، فضلا عن المصريين، وفي قاعة السينما التي استأجروها ولم تعد سينما منذ وقت طويل، أقاموا معرضا لبيع الكتب.
كنت أعرف أن الحضور سيكون عظيما لما لمكتبتيّ ديوان وتنمية من قيمة في الحياة الثقافية وجهد دائم. بالفعل شاهدت يوم الافتتاح الذي لم أحضره لأن ندوتي كانت في اليوم التالي الجمعة، اليوم السابع من هذا الشهر السابع، ولا أستطيع صحيا الخروج مرتين متتاليتين في يومين، فلا بد من راحة بينهما، وفاتني الافتتاح الرائع وتكريم الفنانة الجميلة منه شلبي، التي قامت بتمثيل روايات مهمة. رأيت أعدادا رهيبة من الحضور والضيوف من الكتاب والفنانين يطول ذكر أسمائهم. ذهبت إلى اللقاء الذي أداره باقتدار الكاتب أحمد القرملاوي. تحدثنا جميعا في شكل مناوبات، فأسئلة القرملاوي تُفرَّق علينا وتدور، ومن ثم تحدث كل منا ثلاث مرات تقريبا، وتفرع الأمر إلى شغف الكتابة في الصحافة والشعر والسينما وغيرها.

كنت وما زلت أعرف أن هذه الأمور نسبية بين الكتاب. قررت أن أتحدث عن شعوري بشغف الكتابة، وهنا أضيف جملة قد لا يضيفها الشباب وهي «عبر السنين». أجل، لشغف الكتابة محطات من العمر تكون دائما أولها هي الأكثر فرحا، فحين تكتشف موهبتك في الإبداع يتسع العالم ولا تعرف أنه يوما ما سيضيق. يتسع فتشعر بأنك تمتلك فضاءه رغم وحدتك في الكتابة. هذا ما حدث معي، ولا بد حدث مع غيري وربما يختلف. فحين اكتشفت أن شيئا في روحي يدفعني للكتابة ملأني الفرح، فصرت أكتب أكثر مما أقرأ في دروس المدرسة، لأن هذا الاكتشاف حدث وأنا في الرابعة عشرة من عمري، واندفعت أكتب ببراءة كل يوم حتى حضرت ندوة في قصر ثقافة الحرية في الإسكندرية، أو قصر الإبداع الآن، للراحل محمد مندور، تحدث فيها عن المذاهب الأدبية. أدركت سذاجة ما أكتب، فاندفعت أقرأ في المذاهب الأدبية وتاريخ الأدب والنقد لأعرف أين أضع قدمي، دخلت في شغف القراءة الذي لم يفارقني.

وحين اشتركت لأول مرة عام 1969 في مسابقة للقصة القصيرة على مستوى الجمهورية، فزت بالجائزة الأولى ونشرت القصة على صفحة كاملة في جريدة «الأخبار»، مع مقدمة لمحمود تيمور عنوانها «هذا قصاص موهوب». عرفت أن الكتابة ليست مجرد حكي لكنها بناء من الأساليب والأماكن وتنوع لغة الشخوص وغير ذلك مما يطول الكلام فيه. أخذني الشغف إلى زيارة معارض الفنون التشكيلية لأفكر كيف يمكن في لوحة صغيرة أن يجسد الفنان معاني إنسانية عظيمة باستخدام أدواته من الألوان. أدركت أن اللغة لا بد أن تتنوع مع الزمان والمكان والشخصيات كما تتنوع الألوان في تمازجها.

وهكذا فالأمر نسبي بين الكتاب وبصفة خاصة المبدعين، لأنهم أبناء الروح أكثر مما هم أبناء العقل من الباحثين والدارسين، فهم إذا كتبوا ابتعدوا عما حولهم.

طبعا لم تكن السينما غائبة، فقد كانت حياتي في السينمات أكثر من حياتي في المدرسة منذ الطفولة، حين كانت السينمات تملأ الأحياء الشعبية، لكن مشي معي إحساس ماذا تفعل وأنت تتصور أنك امتلكت العالم، بينما العالم حولك يمكن أن يخذلك؟ أدركت لماذا انتحر كتاب عظماء مثل ماياكوفسكي ويسينين وفرجينيا وولف وهمنغواي، الذي فاز بجائزة نوبل، لكنه آثر مغادرة الدنيا، وكثيرون من مصر والعالم العربي والعالم. طبعا أسماء المنتحرين يمكن أن تملأ كتابا، وهناك أكثر من كتاب عنهم فنانين وأدباء. امتلاك العالم يجعل الكاتب في عالم مستقل يبنيه بأدواته التي تختلف من فن إلى آخر، لكنه يعود إلى العالم الحقيقي بين عمل وعمل، وقد يراه لا يستحق الحياة.

لا أنسى الأيام الأخيرة لتوفيق الحكيم الذي ملأ الدنيا بالمسرح، وفي حديثه للطبيب الذي لازمه في البيت وسؤاله له « ما معنى ما فعلت وما كانت جدواه» الإبداع وشغف الكتابة يجعل الموهوب غير مدرك إلا زمن إبداعه، بينما الزمن الحقيقي يمر، ومع التقدم في العمر تخذل الإنسان صحته وأعضاؤه، وينتبه إلى ساعة الزوال التي أنساه إياها شغف الكتابة. تذكرت غابرييل ماركيز في سنواته الأخيرة حين أصابه الزهايمر، وهو بلا شك مرض بشع، لكنه أنقذه من إدراك التناقض بين ما كتب وأبدع من قصور في عالم ينهار فيه كل شيء، ولم يسأل نفسه سؤال توفيق الحكيم. ربما في عالمنا العربي الانتحار أقل من بقية أنحاء العالم، لأن الدين يضع حاجزا لا ينساه الكثيرون أمام الانتحار، وفي الوقت نفسه الانتحار ليس هو النهاية الطبيعية، لكن يمكن بسبب إدراك الزمن والمكان الحقيقي أن ينفتح له الطريق. يحتاج الأمر إلى قوة مثل قوة يحيى حقي حين قرر التوقف عن الكتابة بإراداته. لم يقل لنا أكثر من أنه قد صارا شيخا، ليس فيه قوة الشباب، لكنني أرى أنه لا يريد أن يستمر في بناء عوالم أجمل بينما كل ما حوله يشير إلى غير ذلك. يبتعد بنفسه عن الاضطرار للابتعاد! لقد وجد نجيب محفوظ حلا فصارت كتاباته الأخيرة أشبه بالقصص القصيرة جدا أو التأملات الفلسفية في أحلام فترة النقاهة وغيرها. أي وجد طريقا ولو قصيرا لإبداع عالم أجمل مما حوله.

وهكذا فالأمر نسبي بين الكتاب وبصفة خاصة المبدعين، لأنهم أبناء الروح أكثر مما هم أبناء العقل من الباحثين والدارسين، فهم إذا كتبوا ابتعدوا عما حولهم. احتمال العودة لما حولهم أيضا أمر نسبي بينهم، وقد يتحايل المبدع عليه بالضحك والسخرية حين يجد بعد خروجه من كهفه الجميل، زوجته تطلب منه أن يشتري شيئا نسيا شراءه، في وقت نسي هو فيه كل شيء. الحياة للمبدع شيزوفرينا إذا أدركها يمكن أن يستمر. وأنا أدركتها منذ زمن بعيد فجعلت الليل للإبداع والنهار لكتابة المقالات. الإبداع ابن الروح لا تلازمني فيه غير الموسيقي الكلاسيكية تحملني إلى فضاء أرحب، بينما المقالات وكتابتها بنت العقل لا يلازمني فيها شيء عادة حتى يكون تفكيري مناسبا. المقالات كانت وما زالت شجارا مع العالم الحقيقي، وكأني أبعده عني ولو مؤقتا. لكن يعود السؤال وهو كيف حقا يتفاوت شغف الكتابة مع الزمن؟ كيف تستطيع أن تفصل روحك عما حولك وأنت ترى كل الآمال تتحطم من أنظمة حكم لا علاقة لها بالوطن الحقيقي. مقاومة هذا الإحساس من المبدع أمر مكلف جدا كان يمكن الخروج منه أيام القوة، بالذهاب إلى أماكن للترفيه، بينما صار الأمر صعبا الآن مع التقدم في السنين. لقد تعقد الأمر أيضا في هذا الزمن أكثر، فمن قبل كنت لا تعرف شيئا عما حولك إلا إذا استمعت للإذاعة أو التلفزيون أو قرأت صحيفة، لكنك الآن تفتح صفحات السوشيال ميديا فترى كل العجائب، آلاما وأوهاما، وعليك ان تتخذ القرار الشجاع الذي لا يقدر عليه الكثيرون، وهو أن تغلق كل النوافذ على ما حولك. كم تمنيت أن أفعل ذلك ولا أفعله. لكن تظل الكتابة نجاة مع إدراك نلقيه في أعماق اللاشعور، إنه حين ينتهي الشغف تنتهي الحياة، ولست أنا الأول ولا الأخير فأستمر ويستمر غيري باحثا عن النسيان!

روائي مصري

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية