شغف

حجم الخط
0

شغف

لنا عبد الرحمنشغفأكثر ما كان يخفيني،أن أصير مثلها.أن تكون نهايتي مثل نهايتها.كوابيسي عنها لا تنتهي،ثم الأشباح..الأشباح التي تأتي ليلا لتهز سريري وتمضي،تتركني أحدق في فراغ غرفة ملبدة بالضباب ولون رمادي كثيف يشبه البخار المتصاعد من قدر هائل الحجم وخيوط لامرئية تتمازج ألوانها بين البترولي الأسود، والكحلي القاتم،ألوان تشعرني بالجفاف الشديد في حلقي،كما لو أنها وجدت في هذا الكون لإفزاعي فقط. أستيقظ في الليل مرعوبة بسبب الكابوس ذاته. أشاهد نفسي نزيلة مستشفي المجانين،”دار العجزة” أو “المأوي” أكثر الاسماء التي تسبب لي الهلع.دراستي “علم النفس” لم تحررني من هذه “الفوبيا” المرضية،ظننت أني سأتخلص من كوابيسي،ومن ذكرياتي،سيصير ترددي علي “المأوي” أمرا عاديا،أقوم به كلما طلب مني القيام ببحث ما،لكن الأمور لم تسر علي هذا الشكل،وظللت أصاب بالرعب كلما صعدت بالسيارة وقلت للسائق:”المدينة الرياضية،نزلة مستشفي العجزة”* منذ عامين صرت أذهب لزيارتها وحدي،لم يبق سوي أنا وهي،تدريجيا ضاقت الدائرة علي وعليها.جدتي كانت تقول أنني أشبهها،أحدق في وجهها بخوف وصمت كلما حكت عن جمالها حين كانت صبية،تنظر في وجهي قائلة:” ايه شو بك، عمتك هيدي كانت قمر بصباها،كانت بتشبه مريم فخر الدين،أنت طالعة بتشبهيها متلها،مش المتل بيقول”خذوا البنات من صدور العمات”هل ورثت عنها ذات الشيطان أيضا؟الشيطان الذي يلهب لي جسدي كلما أيقظني ليلا.أبلع ريقي وأصاب أكثر بالخوف،هل ستكون نهايتي مثلها”مجنونة” لا يزورها أحد؟هي كانت أجمل مني بكثير،أنفي الطويل الذي ورثته عن امي،وبشرتي المائلة الي الأصفر لا يقارنان بلونها القرنفلي،وملامحها الدقيقة.لو أنني تزوجت،لو لم أنجرف وراء شغف علاقتي مع “محمدو” وأفسخ خطوبتي من كامل ربما كنت الان أكثر هدوء وأقل وحدة.هي أيضا لم تكن مجنونة منذ البداية،ولم تكن وحيدة،كل الأشياء صارت تتصاعد رويدا رويدا حتي وصلت لهذه النتيجة.لا أعرف كيف بدأت تمرض،وكيف جنت. لا أحد من العائلة أو الأقارب يتفق علي بداية مرضها،وكيف صارت مجنونة.حادثة مرضها يتكتم عليها الجميع،وكنت أسمعها بصيغ مختلفة من كل شخص في العائلة.أبعد ما اذكره أنني منذ بداية تشكل وعيي الأول وانا أذهب لزيارتها مع جدتي في “مأوي العجزة” كلما عاودتها نوبة عصبية ونقلتها جدتي برفقة أبي الي المستشفي لتظل فيه شهر أو أكثر قبل عودتها الي البيت .”مأوي العجزة” المكان الذي وضعت قدمي الصغيرة فيه أول مرة وأنا طفلة في الخامسة.ما أن نصعد أنا وجدتي الي الطابق الثاني،حتي تبدأ رفيقات عمتي المريضات بمحاولة مداعبتي،إحداهن كان اسمها”أسماء”كانت تبكي كلما رأتني،تحكي عمتي لجدتي حكايتها علي مسمعي،كيف حرمها زوجها من أبنائها الثلاثة ووضعها في المستشفي رغم أنها طبيعية تماما،لكن أسماء لم تكن طبيعية.أما “سعاد” فقد توقف نموها الذهني عند التاسعة من عمرها.الأجمل بينهن”هلا” كانت تعطيني الشوكولا والبنبون،عمتي تقول بأنها “تقع بالنقطة” حينها لم أكن أفهم مجاز العبارة بانها تقصد نوعا من الصرع ينتابها فجأة بلا أي مقدمات،لكن “رويدا” التي تنحدر من عائلة كبيرة في “بعلبك” فقد كانت مدمنة علي “الكوكايين” حكت عمتي لي بأنها بدأت بتعاطي الحشيشة منذ السادسة عشر من عمرها،وبعد زواجها من ابن عمها الذي يتاجر بالحشيش أيضا أدمنت علي الكوكايين بعدما صار يعقد صفقات مع تجار يقومون بتخزين الكوكايين عنده قبل نقله برا إلي بلدان عربية مجاورة خاصة أيام الحرب عندما كان لبنان من الدول المصدرة للمخدرات،هؤلاء كن رفيقات عمتي في مرضها،اللواتي رسخن في ذاكرتي،رغم عبوري من الطفولة الي المراهقة والشباب،إلا أنني مازالت أذكر ملامح وجوههن المريضة وأجسادهن المهدودة من جلسات الكهرباء.* * *الأسرار مرايا مكسرة،مرعبة،تعكس حقائق مستترة كل شخص يراها مختلفة حسب زاوية رؤيتهالأسرار…سلطعونات صغيرة،لونها أحمر يبهت مع الوقت ويرخي قبضته،لكن لا يمكنك الأقتراب منها من دون أن تحس باللزوجة. تتضاءل الأسرار مع الزمن وتزوي حسب أهميتها في حياتنا وحسب الأشخاص الذين ظلوا أحياء ليكشفوا لنا حقيقتها،وغالبا ما تكون الحقيقة التي يحبون هم رؤيتها،لذا تظل الأسرار أسرارا.في عائلة أبي هناك سر عمتي المجنونة،وفي عائلة أمي سر زوجة خالي المنتحرة،وسر خالتي “وفاء” التي وجدت زوجها مقتولا أمام مدخل العمارة التي سكنا فيها في “أبو ظبي”،قتل بعد زواجهما بخمسة أعوام وإنجابهما طفلتين،تفرغت لتربيتهما بعد موته. غامضة تلك المعرفة للحكايات التي عتم عليها الوقت،وابتلعتها سلطعونات الشك والحرص علي إخفاء الحقيقة،أجمع نتف الحكايات من أمي وخالاتي،من جدتي قبل موتها،وعمتي في لحظات صحوتها،ومن ابن عمي “حسان” الذي استدرجه ليحكي لي ما سمعه من والديه،من أي قريب أو صديق قديم للعائلة،من أي أحد يمكنه ري شغفي عبر فتح خزان ذاكرته لكشف معلومة صغيرة لا أعرفها.منذ الخامسة من عمري،وحين انفصلت أمي عن أبي وسافرت اليالأمارات،وأنا أعيش مع جدتي التي تحكي أن عمتي مرضت بعد موت خطيبها خلال الاجتياح الاسرائيلي لبيروت،تروي جدتي القصة قائلة:”مرضت بعد ما شافت دمه بيتصفي قدام عيونها،الله يرحمه كان شاب متل الأسد”.هكذا كانت جدتي تؤكد أن مرض عمتي لم يكن قبل هذا الحدث،وأن صدمة فقدها خطيبها قادتها للجنون. تقسم أمي أنها منذ معرفتها بأبي وزواجها به وعمتي مريضة، حالات جنونها تعود لسنوات الطفولة كما قال لها أبي، وتؤكد لي أن خطيب عمتي مات بسببها أيضا .تقول:” مات من اللي شافه منها، ومن اللي كانت تعمله فيه،عمتك هيدي كان لازم يحطوها بالمستشفي من زمان، لشو عملوا المستشفيات اذا مش لهيدول الناس،أول ما انخطبنا أنا وبيك،تعرفت بخطبتنا علي منير رفيق خالك الله يرحمه،ومنير حبها كتير وخطبها،والله يسامحها ستك وبيك ما خبروا الحقيقة عن مرضها وصار يكتشف الأشيا شوي شوي،حالات جنونها ما بتتخبي علي حدا،لحد مرة بالليل كان منير ببيت ستك وكان أيامها الدنيا حرب وضرب،عمتك طلعت من أوضتها لابسة تنورة قصيرة وبلوزة من دون بطن،ومكياج طالسة وجهها فيه طلس،وبتصير تقلد الأرتيستات قدام منير،هو جن جنونه،وصار يسأل ستك شو القصة،وستك تجيب كلمة من الشرق وكلمة من الغرب،سحب حاله وطلع من البيت،وما وصل لأول الشارع الا إجت قذيفة علي سيارته وصار مية شقفة” قريبتنا الممرضة هنادي التي تعمل في “دار العجزة” كانت تقول أن عمتي ولدت وهي تحمل المرض بين خلاياها،وظهر أول مرة وهي في الخامسة عشر من عمرها،لأن أمها وأبيها أولاد عم،تهمس لي أن هذا المرض منتشر في عائلتنا وأنه يصيب النساء فقط،وأن ابنة عم لأبي تعيش في سوريا ماتت في ذات المرض منذ عشرين عاما.جارتنا “أم فؤاد” تقول أن عمتي ممسوسة منذ صارت في العشرين،وأن الجني الذي تلبسها لا يتركها تهنئ بحياتها،وإلا لماذا تمر أوقات تبدو فيها طبيعية تماما،ولماذا يتغير صوتها ويخشن عندما تأتيها الحالة.”كانت بتتغاوي كتير قدام المرآية،أحيانا بتكون من غير تياب هيك قال الشيخ لما رحنا عنده أنا وستك الله يرحمها..قال البنت صغيرة وحلوة وبيضا وما بيسوي توقف عريانة قدام المراية،عشقها جني وتلبسها وما قبل يطلع منها …ما كان جني هين،كان من ملوك الجن…يا مسكينة ستك شو لفت ودارت عند الشيوخ،وشو دفعت مصاري وما حدا قدر يعمل معه شي”كلما سمعت مصادر الحكاية المختلفة أصاب بهلع أكبر وأتخيل نهايتي،ماذا لو كان المرض وراثيا حقا وسيظهر علي بعد حين؟الان أدرك أنه ليس من السهل علي طفلة أن تنسي زيارات “مأوي العجزة”.لكن رغم ذلك لم أحس بالحقد علي أحد.لم أكره أمي لأنها تركتني وعمري خمسة اعوام لتربيني جدتي،ولم أكره أبي الذي كان يشرب مساء كل يوم ثلاثة كؤوس من العرق الوطني.أبي الذي أمضي حياته كلها في ثلاثة أمور”عمله في مكتب البريد،الصمت،وشرب العرق”. كان يعود من عمله في الثالثة ظهرا،يدخل الي حجرته يتناول غذائه فيها،ثم ينام القيلولة،يستيقظ عصرا،ينزل الي مقهي الرجال ليلعب الطاولة والورق،يعود مساء ليتناول عشاءه ويشرب كؤوسه الثلاث.لم يكن يسكر،كل ما كان يفعله أن يخرج عن صمته،العرق يساعده علي الكلام.وفي كثير من المرات كان يحكي قصته مع امي،وكيف تركته.في بعض الأحيان كان يبكي خاصة عندما تكون أمي في بيروت،وعندما تأتي لتصطحبني إلي مكان ما.ظل يحبها حتي لحظاته الأخيرة.في الصباح ينسي كل شيئ.يواصل يومه بلا ذاكرة،ذاكرته لا تزعجه إلا مع كؤوس العرق.* * *تلح أمي علي منذ وصولها الي بيروت كي أسافر معها،تقول لي:”ما عاد إلك حدا ببيروت،شو قاعدة تعملي هون”أنظر الي وجهها المتورم من حقنة “البوتكس” والي شفتها العليا المنفوخة بأثر الكولجين،أعرف أنها تأتي مرتين في العام للقيام بعمليات تصحيح وترميم لوجهها وجسدها..أقول لأمي”مين رح يزور عمتي بالمستشفي لو أنا سافرت،مين رح يطلعها إجازة لما تكون منيحة “ترفع يديها في وجهي،تضرب كفا بكف قائلة:” شو؟إنت رح تجننيني،بدك تبقي هون علشان وحدة مجنونة”تزعجني عبارات أمي،لا أستطيع مواجهتها.لم أقدر علي القول لها انني لا أستطيع التخلي عن عمتي،بعد وفاة جدتي،وموت أبي”أحيانا في لحظات الغضب التي تمر بي أقول في سري أنه يستحيل علي أمي إدراك عجزي عن هجر عمتي والتخلي عنها نهائيها والاكتفاء بارسال النقود لها،وزيارتها كل عام عندما آتي في زيارة صيفية الي بيروت.أمي فعلت ذلك معي لذا لا يمكنها أن تتبني نوعا مختلفا من المشاعر.ولا يمكنها أن تعي أن الدائرة ضاقت علي وعليها وبقينا وحدنا.* * * ربما لم يكن ذنب أمي أنها أنجبتني وهي في الثامنة عشر من عمرها،كما لم يكن ذنبي.أتفرج علي صورها القديمة عبر جهاز كمبيوتري،الصور الجيدة التي احتفظت بها واجريت عليها معالجات لتبدو أكثر وضوحا،صور بعضها بالأسود والأبيض وبعضها ملون. أراها فتاة حلوة تبتسم للحياة.في إحدي الصور هي وأبي متعانقان عند الخصر قرب صخرة الروشة،وفي صورة أخري ترتدي “ميني جيب” أبيض وتجلس علي حافة السور البحري وترفع يدها ملوحة لأحد ما،لمن يا تري هل لأبي أيضا؟في صورة ثالثة يجلسان في أحد المطاعم وأمامهما أطباق طعام كثيرة.تبتسم للكاميرا،وتضع يدها علي كتفي وأنا أجلس علي كرسي بجوارها أرتدي معطفا أحمر في حوالي السنتين من عمري.أما هو أبي ففي يده سيجارة،ونظرة عينيه رائقة لكنها لا تتجه مباشرة للكاميرا بل يتجه جزء منها نحونا.الزمن أكثر قسوة وغموضا مما نتوقع.كيف من الممكن لمن يري هذه الصور ان يخمن أنهما سيفترقان بعد أعوام قليلة؟جدتي لم تكن تأتي علي ذكرها بالسوء كانت تقول:”كله من الحرب،بعد الحرب،بعد موت خوالك الثلاثة أمك ما طاقت تبقي ببيروت،وبيك ما رضي يسافر معها،بقيت تبعتله كتير ليروح عندها،هو رفض،طلقها،وما خلاها تاخدك معها”ظلت أمي بالنسبة لي رغم غيابها مخلوق جميل،كائن ضعيف وهش،حتي خلال انشغالها بعمليات التجميل،كنت أعرف أنها تتمسك بأي شيئ يمنحها القوة،لكنها لم تكن قوية أبدا،رغم زواجها من رجل ثري،وإنجابها ولدين ، بقيت المرأة الشابة الهاربة وحدها من الحرب.عمتي في لحظات تعقلها كانت تكذًب كلام جدتي حين تسمعها تتحدث عن أمي،تتهمها بالأنانية والجشع،وبأنها تركت أبي لتبحث عن زوج آخر ثري،لكن جدتي تقول لها: “حرام عليكي ماجدة بعمرها ما كانت طماعة،أنتي طول عمرك ما بتحبيها” تغتاظ عمتي وتسكت،أحس أن هناك غيرة خفية لسبب ما لا اعرفه ولا تصرح به عمتي.بعد وفاة جدتي بأقل من عامين مات أبي،مات بنفس الطريقة التي ماتت بها جدتيتوقف قلبه عن العمل.هكذا كان البيت يتناقص.ليلتها،هزتني عمتي وأنا نائمة في سريري،قالت:”تعي شوفي بيك”كانت السادسة فجرا،وكان باردا كالثلج.قبل يومين كان قد عاد من عمله متعبا،مصابا بانفلونزا حادة،لم ينزل عصرا الي “المقهي” ليلعب “طاولة” ولم يشرب في المساء كؤوس العرق،ظل طريح الفراش لأيام ثلاثة،صار الطبيب يزوره،وتبدو علي وجهه ملامح غامضة،ربما بدا اكثر غموضا بالنسبة لي وهو يسأل أبي إن كان يتعاطي شيئا ما،نفي أبي بهزة من رأسه،سألت أنا: “شي متل شو يا دكتور؟” لكنه لم يرد،ناولني ورقة مكتوب عليها التحاليل المطلوب إجرائها غدا،أخذ حقيبته وخرج من بيتنا للمرة قبل الأخيرة،وعاد في المرة الأخيرة مع عمي ليؤكد لنا حقيقة موت أبي،ويكتب شهادة وفاته بأنها “سكته قلبية” أيضا.* * *بعد موته،صارت تمرض أكثر،نوبات جنونها صارت تتقارب،موته هزها كثيرا،لم تقو أعصابها الضعيفة علي احتمال فقد أم وأخ في أعوام متقاربة.لم أقرر إعادتها الي المستشفي إلا بعد هروبها من البيت،غافلتني صباحا وغادرت رغم انني كنت أقفل الباب بالمفتاح ليلا،لكنها انتظرت حتي الصباح وهربت ،بحثت عنها أنا وحسام لثلاثة أيام متواصلة،سألت عند بيوت كل الأقارب والأصدقاء والمعارف التي خمنت وجودها عندهم،وطاف حسام في المستشفيات وفي الحدائق العامة،والأماكن التي نتوقع ترددها عليها،كان يقود سيارته عشوائيا في بعض الاحيان،نطوف في الشوارع الرئيسية والفرعية. كنت سمعت شذرات من جدتي عن محاولات هروب عمتي المتكررة التي قامت بها في أيام صباها،لم تكن جدتي تتركها وحيدة أبدا،لم تكن تسمح لها الذهاب بمفردها الي أي مكان. بعد موت جدتي كنا أنا وأبي نتبادل حراستها بشكل صامت. لم يكن يزعجني وجودي معها في حالات تعقلها،كانت حنونة علي،خاصة حين لا تكون مريضة.أما مع نوبات المرض حين يرتجف جسدها كله،وتنقلب عيناها الي أعلي وتبيضان،حين تبدأ بتكسير الأشياء أصاب برعب خانق وأتخيلها تندفع نحوي لتخنقني بهستيرية.بعد رحيل أبي، حينما صرت مسؤولة عنها وحدي، ربما حاولت هي أن تكون طبيعية،أن تظل عاقلة،لكن حتي أدوية الأعصاب التي كنت أعطيها لها ثلاث مرات في اليوم لم تكن تنفع لتهدئتها.في الليل كانت تقوم أحيانا لتطوف في البيت وهي مرتدية ملابس الخروج،تطلب مني ان أصحبها الي “المنارة “أقول لها: “الدنيا ليل يا عمتي”. تصرخ في وجهي قائلة:”إيه وشو يعني.. اذا ليل”.وحده حسام ابن جيراننا الذي عايش معنا قصة مرضها،كان يساعدني علي تهدئتها،كان أحيانا يصرخ فيها ويطلب منها الدخول الي غرفتها والنوم حالا. كانت تخاف من حسام رغم أنه لا يكبرني سوي بثلاثة أعوم.كان يمارس عليها سيطرته حتي طلوع الصبح واصطحابها الي المستشفي. يوم هربت لم نتمكن من إيجادها حتي نهاية اليوم الثالث،كنت أجلس مع حسام في دكان والده حين جاءت جارتنا “رجاء” وقالت أنها شاهدت عمتي في منطقة “بئر حسن”. حين وصلت أنا وحسام،تمنيت أن لا تكون عمتي.أن تكون امرأة أخري،ولكن السواد الذي غطي جلدها.ثيابها الممزقة،شعرها المنكوش،رائحة تبولها في ثيابها،تجمع الأولاد حولها،شتائمها لهم،صراخهم عليها،خوف بعضهم منها.بالفعل كانت هي.* * * سأحاول النوم من جديد،لن أفكر بحالة عمتي التي تدهورت أكثر فأكثر.سأحاول أن لا أفكر بأمي التي تبيت الان عند خالتي في”بحمدون” والتي تلح علي لاستخراج جواز سفري كي اسافر معها.كاتبة من لبنانجزء من رواية ستصدر بذات الأسم0

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية