شفافية الواقع وحلمه يعكسان درجة من الغياب عنه!
ssمعرض جديد للفنانة عزيزة غيث:sssppالقاهرة ـ القدس العربي من محمود قرني: شهدت قاعة المكتبة الموسيقية بدار الأوبرا المصرية افتتاح معرض جديد لفنانة البورتريه عزيزة غيث ، وقد اكتظ حفل الافتتاح بحضور باذخ وشبه رسمي ضم الدكتور أسامة الباز المستشار السياسي لرئيس الجمهورية، والدكتورة حكمت أبو زيد أول وزيرة مصرية للشؤون الاجتماعية بالاضافة الي عدد من كبار الفنانين علي رأسهم الناقد مكرم حسنين.ضم المعرض ما يقرب من الأربعين عملا معظمها من فن البورتريه وتتميز كلها بدرجة عالية من التلقائية والألوان الضاجة الصريحة التي تعيد فن البورتريه الي طولته الأولي.وبدرجة عالية من الرومانسية ينمو الموضوع التشكيلي لدي الفنانة عزيزة غيث، بحيث تتخلص اللوحة من الوعي التركيبي، بل لا تحتمل مثل هذا الحس في مواجهة الطبيعة الصافية الشفافة دائما، وهو ما بدا وكأنه درجة من درجات الانفصال النسبي عن الواقع.ppغير أن عزيزة غيث الشاعرة في الوقت نفسه تجيد استيعاب موضوعها التشكيلي في اطار تاريخ من التراكم والتقاليد التي خلفها فن البورتريه في مصر بامتداداته التاريخية.فقد تطور هذا الفن عبر منابعه التي تعود الي النحوت الاسطوانية الفرعونية وكذلك نقوش ورسوم المعابد وتميزت خلالها ملامح فن التشريح للانسان المصري باسطوانيته وامتلائه المعهود بالاضافة لسمرته التي باتت جزءا لا يتجزأ من أعطيات البيئة.وتنامي البورتريه مع الفن الروماني في نفس الاطار مكتسبا أبعادا جديدة شهدت تطويرا نوعيا يتجسد في درجات من التركيب والتأملية بعد أن غادر الوجه ارتباطه بالشارات والتمائم المقدسة وتجسد منفردا بطاقاته التعبيرية الخاصة، هذا مرورا بالفن القبطي الذي استفاد من التراث اليوناني والبيزنطي، غير أن فن البورتريه، شهد أعلي حالات تعثره مع الفن الاسلامي لأسباب مرجعها ديني بالأساس وان احتلت فنون الزخارف والنقوش مرتبة عالية بين الفنون، ولم يغادر الفن الاسلامي معتقده بتحريم الرسوم والتماثيل الا في عصور الانفتاح الامبراطورية الكبري التي تلاحقت مع الآخر ورفدته وأفادت منه، غير أنها سرعان ما كانت تعود أدراجها مع لحظات الانكماش والتقلص.ويقول الفنان محمد الجنوبي في كتابه كتابة الصورة صور المصري رسومه علي الحجر الجيري والحجر الرملي وبني منها مبانيه وكانت له فيها تجارب ظهرت في محاولة تفهم طبيعة اللون لتثبيته علي الأحجار، ومن المواد التي رسم عليها المصري العظام والبوص والجلود والمعدن والأخشاب التي كان يصنع منها التماثيل والتوابيت وأوراق البردي، واستعمل الألوان الخاصة بالصباغة لتلوين النسيج بلون مغاير للونه الأصلي.ويشير بوضوح الي حالة الصورة مع الاسلام قائلا: مع مجيء الاسلام وتغير الديانة المصرية تغير مفهوم المرئي وموضوعاته في الفن المصري، ولكن الخامات المصرية ظلت تلعب دورها ومن ثم تغييرها لوظيفتها في حالة الفن الاسلامي، حيث دخلت خامات جديدة واستبعدت خامات أخري، وظهرت التشكيلات المتشابكة والهندسية والأرابيسك وتحوير الأشكال وتجريد ما في التكوينات الزخرفية، والتذهيب والمنمنمات وظهور طرق جديدة للتعامل مع خامات النحاس والبرونز والصدف الاسلامي.غير أن الجنوبي يشير أيضا الي أن حركة الفنون في تراوحاتها الواسعة ذهبت الي الحركة الفنية المعاصرة في الغرب باعتباره مركز انتاج المعرفة، لا سيما بعد ظهور خامات جديدة صنعت قوانينها وكونت مجتمعاتها وحققت لشعوبها مستوي بصريا متناغما مع ابتكار الخامة وشكل المنتج وطريقة عرضه.في هذا السياق الطويل والمتراكم نستطيع القول أن معرض عزيزة غيث استطاع الاستفادة القصوي من التاريخ المتنامي لفن البورتريه، غير أن سؤالا ملحاً يمكن طرحه في مواجهة كثيرات وكثيرين من صناع فن البورتريه: لماذا تبدو فنون البورتريه في معظم حالاتها نوعا من المحاكاة، وترديد الاصداء الواقع؟! أليس مرور التجربة الفنية عبر تفاعلات الفنان بواقعه كفيلا باضفاء درجة من الخصوصية علي المشهد أو علي تلك الوجوه التي نراها، والتي تبالغ في دقتها أحيانا لدرجة يستحيل معها الفصل بين التصوير الزيتي والتصوير الفوتوغرافي. لقد شاهدت ذلك بالفعل في معرض مهم لفنان وأستاذ لطب العيون هو فريد فاضل، فقد كان لابد لي من أن أقترب من اللوحة اقترابا شديدا لأتبين حركة الفرشاة علي الخام الذي يجسد اللوحة، ان الدقة هنا وان عكست درجة عالية من المهارة والتفرد مثلما هو حادث مع عزيزة غيث، الا أن تلك الدقة وهذه المهارة سرعان ما ينفيان عن الفن بعدا أصيلا فيه هو المعرفة، والتفاعل، وهما عنصران يقومان علي العين المستبصرة، وليس علي البصر المباشر الذي يتساوي فيه غيــــر العـــميان بلا استثناء. ان فضيلة الاستبصار تجعلنا قادرين علي اضفاء الكثير مما بداخلنا علي الموضوع الفني الذي يطفو في صورة مطابقة للواقع، وهي صورة تكررت كثيرا لدي العديد من فناني البورتريه، وهو أمر لا يقلل بالطبع من أهمية معرض عزيزة غيث، حيث تقول عنها مدير عام المعارض والمتاحف فايزة عبدالمنعم: هي فنانة مصرية تفردت بمواهب عديدة منها الفن التشكيلي وكتابة الشعر.وتميزت عن غيرها بعطائها الممتد بلا حدود فهي صادقة مع نفسها وفنها، وتعبر عن قضايا وطنها وعن كل ما يجول بخاطرها سواء بالكلمة أو بالرسم، عن البنت المصرية والطبيعة الصامتة، عن الجمال الذي تراه عيناها فتنقله لنا لنراه من خلال رؤيتها الخاصة.وحينما نتجول في هذا المعرض سنري الفن والكلمة يؤكدان مضمون هذا الفن وعمق معناه.وتقول أيضا عنها الفنانة زينب منهي: الفنانة عزيزة غيث من الفنانات اللواتي ابتسم لهن الحظ في خرق المجال الوظيفي والاتجاه الي الفن التشكيلي من خلال رؤيتها وتحويلها الي فن مرتبط بالواقع وقد حباها الله المقدرة علي أن تترجمه مرة باللغة الشعرية وأخري بلغة التشكيل. فأعمالها تحمل الحب والشجن وأحيانا تحمل قسوة الحياة وحساسيتها الشديدة تجاه الأحداث التي تمر بها الأمة العربية فهي تتعايش معها لحظة بلحظة مما جعل أعمالها تحمل القضية، الواقعية أحيانا والرمزية أحيانا أخري.والفنانة عزيزة غيث درست في عام 1969 بكلية الفنون الجميلة بالقسم الحر، وهي من مواليد محافظــــة الدقهلية ودرست النظام المحاسبي الموحد بجامعة بو في فرنسا، وهي الي جانب الفن التشكيلي تكتب الشعر وتعمل بادارة الرقابة علي الشركات الأجنبية بالهيئة العامة للبترول، وقدمت عددا من المعارض الفردية بداية من عام 1963 وحتي العام المنصرم في قاعة شمـــــوع، وجمعية أصالة، ودار الأوبرا المصرية، وساقية عبدالمنعم الصاوي، وقد حصلت عزيزة غيث علي عدد من شهادات التقدير وهي عضو ناشط في عدد من جمعيات الفنون التشكيلية مثل جمعية وكالة الغوري وجمعية أصالة للفنون التشكيلية والحفاظ علي التراث وعضو المنتدي الشعري بساقية عبدالمنعم الصاوي.0