شفاه تُغري بارتكاب الشر
الطاهر شرقاويشفاه تُغري بارتكاب الشرأنصَتَ الولد باهتمام، لأن البنت في هذه المرة كانت تتكلم بجدية، ولمح بالفعل دموعا تترقرق في عينيها، وهي تتحدث بصوت خفيض، متقطع، وتعاني من صعوبة اختيار كلامها. قالت : بالتأكيد ستكرهني، عندما أخبرك أنني شريرة، شريرة حقيقية، لدرجة أنني أحيانا لا أعرف نفسي، دائما أفكر في ذلك الشيء، أن أجربه ولو لمرة واحدة في حياتي، وأموت بعدها، أجرب القتل، تتملكني رغبة ملحة في رؤية الفزع، المرتسم علي الوجه، جحوظ العينين، وتقلص الجلد، ظهور الحقيقة المختفية بالداخل، الضعف الذي سيبزغ كاملا، منتصبا وهشا، متجسدا في صيحات الألم والتوسل، لا أود قتل أي أحد، أرغب في قتل شخص أحبه، قريب مني، لدرجة تجعلني أفعلها بإتقان وحرفية عالية، وأتخلص من حبه لي إلي الأبد، وستكون أسئلته التي بلا أجوبة، عن أسباب قتلي له، هي الأكثر ألما، أثناء طلوع الروح.أول مرة عرفتْ فيها البنت أنها شريرة، كانت من سنوات طويلة، عندما أطلقتها أمها، بصوت زاعق وغاضب: أنت شريرة. لا تتذكر الآن، الأسباب التي دفعت أمها، إلي أن تصرح بذلك، ربما كان سببا تافها لا يستحق، أو لأن الأم أرادت أن تصرخ في وجه أي أحد في البيت، وبعيدا عن الأب الغائب في الشغل، والأخ المراهق، الفخور بعضلاته، كانت هي هذا الأحد، المرشح لتلقي النبوءة. بعدها تلقف أخوها الكلمة، وأخذ ينعتها بها كل يوم تقريبا.. نعم، كانت البنت تفكر مع نفسها، بتجربة أشياء شريرة، وأحيانا ترتكبها فعلا، وكانت تستمتع بذلك، لكنها تظل دائما أشياء صغيرة، لم تصل أبدا إلي درجة ارتكاب القتل، قتل أناس قريبين منها. وما لم تقله البنت للولد، أنها الآن تفكر في عائلتها الصغيرة، المكونة من أب ميت، وأخ غبي، وأم وقعت في غرام التليفزيون، والكلام بحب عن أيام زمان. تفكر في أخيها مرة، وفي أمها مرة أخري، تسيطر عليها الفكرة لأيام، وتدفعها للتخطيط في الموضوع بجدية، قبل أن تختفي الفكرة، بنفس السرعة التي ظهرت بها.في آخر زيارة لها إلي بيت العائلة، في المدينة الصغيرة، اكتشفت أنه ضيق جدا، علي عكس ما كان مرسوما في ذهنها، وأنه يحتاج إلي ترميم وطلاء، لإخفاء بعض الشقوق والبقع، التي ظهرت بشكل واضح علي حيطانه، كما اكتشفت أيضا، أنه في أوقات مختلفة، تتجول بداخله سحابة من التراب، لها رائحة مكتومة، تجعلها تعطس بشدة، وعلي الرغم من أنها كانت تزوره علي فترات متباعدة، إلا أنها لم تأخذ بالها من ذلك، إلا في تلك الزيارة فقط، كانت حائرة ومتضايقة، وهي تُصرّح في غضب: لماذا لم أعرف ذلك من قبل؟ حتي النخلات المائلة، التي كانت تطلعها وهي صغيرة، سقطتْ، وصارت أشجار البرتقال، مجرد عيدان ناشفة مغروسة في الأرض، اختفي الصندوق الخشبي الممتلئ بالكراكيب، ولم تعد هناك سحالي وأبراص تصطادها. حينما شافت البنت، حديقة ترابية بلون كالح تحيط بالبيت، تمتلئ بطوب وورق وأشجار جافة، لحظتها بزغ شيء شرير بداخلها، سرعان ما كبر بشكل مخيف، معلنا عن نفسه.. شيء يُوجع القلب، ويُدعي الكره.. كان موجودا من قبل في جسدها، لكنه كان ضامرا، في حجم عقلة الإصبع، ولا ضرر منه.. الكره لكل ما حدث.. للبيت الذي لم يستطع الاحتفاظ باتساعه مدة أطول، للأشجار التي جفت، للسحالي التي فضلت العيش في أماكن أخري. الكره لأمها وأخيها، لأنهم بشكل ما، كانوا مسؤولين عما حصل، متيحين له فرصة الانبثاق. فكر الولد أنه مغرم بالشر الموجود داخل البنت، وربما كان أهم شيء يشده ناحيتها، وأنها تبدو مثيرة أكثر وهي شريرة. لحظتها ألحت عليه رغبة، في أن يقبل شفتيها، بص علي وجهها، وبجرأة لم يمارسها من قبل، مد إصبعه السبابة، مرره ببطء علي الشفتين المضمومتين، بدتا له مثل شريحتي برتقال، ارتجفتا قليلا مبتعدتين عن بعضهما، ثم عادتا إلي الانضمام، وكان ارتعاش خفيف يسري في جسده. بعدها، أحس برغبة في التخلي عن صمته، في أن يجرب شهوة الكلام، يمارسه باندفاع، وبلا توقف، وكأنه شعر بتساؤلات البنت، عن الاكتشافات التي تأتي بغتة، فقال : هناك شخص وقع في الحب كثيرا، واحدة وراء الأخري، حتي وصل عددهن إلي سبع حبيبات، وعندما تركته آخر واحدة، اكتشف فجأة أن كل حبيباته، تحتوي أسماؤهن علي حرف السين، كان اكتشافه ذلك مثل الومضة، التي تأتي فجأة، فتشوف لأول مرة، أشياء كانت طول الوقت قدام عينيك، لم يكن هناك قصد من ناحيته، وبدا الأمر له مثل السحر. لم تعلق البنت علي الحكاية، لأنها كانت مشغولة من ناحيتها، في سؤال نفسها: هل كنت شريرة حقا، عندما تركت بيت العائلة، وانفصلت عنهم، تاركة أمي لوحدها هناك ؟. فكرَتْ أن تُشرك الولد في تساؤلاتها، لكنها ظلت صامتة، مواصلة تفكيرها: أن كوني شريرة شيء لا يدعو للانزعاج أو القلق، وانه في النهاية أمر عادي جدا، مثل كوني نحيفة، أو طويلة، أو ذات شعر أسود، حتي كوني قاتلة ليس سيئا بالمرة.قررت البنت، أنها لن تذهب مرة ثانية إلي بيت العائلة، ليس بسبب الكره الذي تحمله له، بل لأنها اكتشفت أن جزءا مهما من حياتها، قد انهار تماما، لم يعد له وجود، حتي أنها لم تعد تمتلك دليلا ماديا واحدا، علي أنها عاشت طفولتها، كما كانت تحكيها لنفسها قبل النوم، وكما كانت تحكيها بحنين وحب إلي الآخرين. المأساة المؤلمة، أنه كان الجزء الأكثر حضورا في ذاكرتها، بتفاصيله الصغيرة، وروائحه وألوانه وأصواته. بأمسياته الشتوية حول النار، والمفتشة البدينة، وفخاخ صيد العفاريت، وأمنياتها العبيطة.. هل كانت تلك الأشياء حقيقية ؟. أم أنها كانت تحاول أن تخلق شيئا جميلا، تزين به حياتها الشريرة ؟. في تلك اللحظة، بص الولد ثانية إلي شفتي البنت، كانتا مسكونتين بالشر فعلا، الشر الذي يُوقع في الأسر من أول نظرة، وفي نشوة أستسلم له علي الفور.كاتب من مصر 0